من منافسة كروية عالمية إلى قوة ناعمة
المغرب، إسبانيا والبرتغال؛ ثلاث دول متجاورة تربطها علاقات تاريخية وحدود جغرافية ممتدة منذ القدم، فشبه الجزيرة الإيبيرية والمغرب كانا على الدوام مركز إمبراطوريات عظمى تصارعت حول السيطرة والتفوق وبسط النفوذ على جميع المناطق المجاورة بشكل لا يقبل القسمة على اثنين. وطبعت العلاقات بين الشمال والجنوب حركات مد وجزر بين هجوم وتراجع، حرب وسلم… واستمرت العلاقة بين الضفتين على مر العصور على شكل تبادلات تجارية، ثقافية، لغوية وإنسانية أيضا، باعتبارها قدرا جغرافيا في الجوار لا محيد عنه.
استكمالا لهذا المسار، عرفت العلاقات المغربية الإيبيرية مؤخرا -خصوصا الإسبانية- تطورا كبيرا بعد مرحلة فتور قصيرة انتهت سريعا بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى السكة الصحيحة، بعد زيارة الملك الإسباني للمغرب وتدشين مرحلة علاقات دبلوماسية ودية رفيعة المستوى يقودها ملكا البلدين، توجت باعتراف إسباني صريح بمغربية الصحراء والإعلان عن إطلاق حزمة كبيرة من الاتفاقيات والشراكات الثنائية من المستوى الرفيع، سياسيا واقتصاديا، توجت مؤخرا بقبول انضمام المغرب لملف الترشح لتنظيم المونديال الكروي 2030.. حدث عالمي كبير وصفقة اقتصادية ضخمة لها أبعادها السياسية والدبلوماسية.
فما رهانات التنظيم المشترك لهذا الحدث الكروي العالمي؟ وهل يمكن اعتباره مجرد تنظيم لاستحقاق رياضي عادي؟ أم بالإضافة إلى مكسبه الاقتصادي-التجاري يحمل في طياته مكاسب سياسية ودبلوماسية للمغرب؟.
السياسة فن الممكن، ومؤخرا عرف المغرب تموقعا جيو إستراتيجيا جديدا في الخريطة السياسية الدولية من خلال تحالفات جديدة ونوعية مكنته من تحقيق مكاسب دبلوماسية كبيرة، خصوصا في ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، إذ تمكن في فترة وجيزة من فتح أزيد من 28 قنصلية بمدن الصحراء، وكسب دعم صريح لأزيد من 90 دولة لخطة الحكم الذاتي، مع دعم غير مسبوق للقرار الأممي 2654، بدءاً من أمريكا التي جددت مؤخرا هذا الدعم، فألمانيا، وأيضا إسبانيا باعتبارها المستعمر السابق والمسؤول التاريخي عن هذا النزاع المفتعل.
هذا التموقع جعل المغرب يتعامل بنوع من الواقعية والبراغماتية مع دول كانت إلى عهد قريب تتعامل معه بمنطق متعال يصل في كثير من الأحيان إلى الابتزاز -كما حدث مع ألمانيا- فأصبح يتعامل بمنطق الندية وفق قاعدة “رابح-رابح” ورعاية المصالح المشتركة في علاقاته الخارجية، دون أي مركب نقص باعتباره شريكا إستراتيجيا موثوقا به.
في هذا السياق انتقل المغرب وإسبانيا إلى السرعة القصوى في عقد صفقات اقتصادية واستثمارية وتنسيق عالي المستوى، خصوصا في ما يتعلق بتحديات الأمن الإقليمي والإرهاب، تجارة المخدرات وأيضا ملف الهجرة غير القانونية. وآخر ثمار هذه العلاقة الدبلوماسية الودية بين البلدين إشراك المغرب في الملف الثلاثي لتنظيم مونديال 2030 لكرة القدم، بالإضافة الى البرتغال. هذا الحدث الرياضي يتجاوز مجرد صفقة كروية اقتصادية إلى أبعاد سياسية وإستراتيجية كبرى، تعكس تقارب وجهات النظر السياسية والتداخل الكبير للمصالح بين بلدان هذه المنطقة.
المونديال وقضية الوحدة الترابية للمملكة:
كما أشرنا سابقا، لا يمكن عزل ملف الترشيح الثلاثي عن تغير مواقف مجموعة من الدول الأوروبية وإقرارها بمشروعية الحكم الذاتي كحل وحيد واقعي وجدي لقضية الصحراء المغربية، تلاه فتح مجموعة من القنصليات بالأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث أكد جلالة الملك محمد السادس أن قضية الصحراء هي النظارة التي ينظر منها المغرب إلى علاقاته الخارجية، وأن أي اتفاق اقتصادي يجب أن يشمل بالضرورة هذه الأقاليم. إذن فالمونديال هو فرصة لتكريس هذا المنظور السياسي والدبلوماسي الوطني من خلال الاستثمارات الضخمة المرتقبة تحضيرا لهذا العرس الكروي، بما يجلبه من عملة صعبة وإطلاق عدة مشاريع تهم البنية التحية لتزيد من ربط أقاليم المملكة شمالها بجنوبها؛ علما أن موجة الاستثمارات الأجنبية بالأقاليم الجنوبية عرفت تصاعدا حثيثا من قبل مجموعة من الدول، أولها إسبانيا التي عقدت لقاء بالصحراء جمع بين مستثمرين مغاربة وأزيد من 500 مستثمر إسباني في جميع القطاعات، وعلما أن إسبانيا هي أول شريك تجاري للمغرب على مستوى الصادرات والواردات معا، وأن المغرب هو ثالث شريك تجاري لإسبانيا من خارج الاتحاد الأوروبي بعد الصين والولايات المتحدة.
كما أن إطلاق مبادرة “ازدهار أفريقيا” التي عبأت لها الولايات المتحدة الأمريكية أزيد من 5 مليارات دولار لفائدة منطقة الصحراء المغربية يكرس وضع هذه المنطقة كصلة وصل اقتصادية ومركز إقليمي على المستوى الإفريقي. وهذا الحدث سيزيد بالتأكيد من حجم مثل هذه الاستثمارات من طرف دول أخرى من خلال الحصول على ضمانات سياسية لاستدامة النمو والمشاريع الاستثمارية مستقبلا.
سياحيا، مثل هذا الحدث سيساهم في ترسيخ موقع المغرب كوجهة سياحية عالمية، كما هو الشأن في إسبانيا التي تحطم أرقاما قياسية في عدد السياح الوافدين عليها سنويا؛ فمثلا بعد الإنجاز الكروي لمنتخب الأسود بمونديال قطر عرفت محركات البحث على الإنترنت ارتفاعا ملحوظا في البحث عن كلمة مغرب بجميع اللغات، وتلا ذلك ارتفاع ملحوظ في عدد الحجوزات السياحية. وهذه النسبة مازالت تعرف ازديادا ملحوظا إلى اليوم، إذ أعلنت الحكومة المغربية منذ أيام عن نمو السياحة الوافدة إلى البلاد بنسبة 17 في المائة في الربع الأول من سنة 2023 بالمقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2019، مسجلة 2,9 مليون سائح. وقالت وزارة السياحة إن القطاع السياحي في المغرب سجل أرقاما استثنائية في نهاية الربع الأول من العام.
الوضع نفسه مع الشريك البرتغالي يؤكد المعطيات نفسها، بدءا بتصريح رئيس الوزراء البرتغالي السيد “انطونيو كوستا”، الذي أكد فيه دعم بلاده مبادرة الحكم الذاتي إبان لقائه بنظيره السيد عزيز أخنوش؛ اللقاء الذي تلاه توقيع 12 اتفاقية إستراتيجية في جميع المجالات وترحيب برتغالي رسمي بالترشح الثلاثي للمونديال. وكان ختام هذا اللقاء بيان مشترك أكد على “الأهمية الإستراتيجية للشراكة المتميزة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، التي تعتبر ركيزة من ركائز الاستقرار في منطقة البحر الأبيض المتوسط”. وهنا مربط الفرس؛ فالبرتغال تؤكد على تقوية علاقة المغرب مع الاتحاد الأوروبي من بوابة البرتغال وإسبانيا، وفي المقابل يعتبر المغرب بمثابة شريك إستراتيجي في ما يخص التحديات المشتركة، كالإرهاب وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر، باعتباره بوابة أوروبا إلى إفريقيا وامتدادا إستراتيجيا وأمنيا لمصالح الاتحاد الأوروبي.
كل هذه المؤشرات تؤكد وترسخ تموقع المغرب كشريك سياسي وإستراتيجي موثوق به وقوي لمجابهة التحديات نفسها وكسب الرهانات نفسها التي يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي بالرياضي. ولعل مشروع النفق البحري الذي سيربط مستقبلا المغرب بشبه الجزيرة الإيبيرية هو خير دليل على تكريس هذه الرؤية الإيجابية والمتقدمة للمغرب كدولة قوية بالمنطقة.
مونديال كرة القدم مجرد حدث كروي صحيح، لكنه بأبعاد اقتصادية واعدة ورهانات سياسية واقتصادية تسوق لصورة المغرب بشكل إيجابي على المستوى الدولي، و”قوة ناعمة”= Soft Power عرفها “جوزيف ناي” بأنها “سلاح مؤثر يسعى إلى تحقيق الأهداف عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام، أو دفع الأموال”…قوة لا يستهان بها وبتأثيرها في الرأي العام الدولي، خصوصا لكسب المزيد من الأوراق الرابحة وتكريس صورته كدولة قوية قادرة على كسب رهانات كبرى تزيد من تموقع البلد دوليا، سواء على مستوى الدول أو على مستوى الشعوب أيضا.
الرياضة فعلا أصبحت وسيلة للتعريف بالدول ولتليمع صورتها دوليا.. الركراكي دار خدمة نقية و شهر المغرب دوليا غير بكورة..غير بالفن..
كل ما جاء في المقال على المستوى النظري يلامس الصواب في غالبية النقط ،غير أن المنظومة السياسية في البلدان الثلاث مختلفة متباينة ب180 درجة إذا وضعنا إسبانيا والبرتغال في كفة والمغرب في كفة ـوهما مختلفتين بشكل تلقائي فالبون شاسع بين دول الشمال ودول الجنوب على مستوى تدبير الشان السياسي والإجتماعي والإقتصادي ولا نلغي البعد الثقافي .كل هذه العوامل ستصنع الفرق في حالة قبول ملف الترشيح على مستوى التنظيمي والنتائج والآثار الإقتصادية والإجتماعية المترتبة عن احتصان هذا العرس الكروي العالمي . ولن نصل لهذه التحليل إلا إذا تركنا جانبا الشعارات الفارغة من قبيل ” أجمل بلد في العالم ” ومغرب الإستثناء ”