شكل نجاح النائب البرلماني الشاب “أسامة باريك” في الانتخابات التشريعية الأخيرة مثالا لتجربة انتخابية مثيرة للاهتمام، بل إن البعض وصف هذه التجربة بـ “الظاهرة” التي تجاوزت الإطار المحلي لتأخذ بعدا وطنيا، ووصف هذا النجاح بالحدث التاريخي، وأنه مع أهل دائرته الانتخابية صنعوا هذه التجربة، من خلال قيامهم بحملة انتخابية “نظيفة” وتصويتهم الحر والنزيه والمكثف، ما أفضى إلى هذه النتيجة غير المسبوقة.
تجدر الإشارة بداية الى أن علماء السياسة اختلفوا في وصف حدث انتخابي ما بالظاهرة السياسية فهناك من يرى أن الشخص الذي ينطبق عليه هذا التوصيف يستمد شرعيته من”الجاذبية الشخصية الاستثنائية” التي يراها فيه أتباعه، ويصف ذلك بشرعية أو سلطة الكاريزما، وهناك من ربط الظاهرة بالشعبوية، وآخرون فسروها بملء الفراغ السياسي، والبعض الآخر ذهب إلى ربطها بالقدرة على التواصل مع الناخبين وإثارة مشاعرهم.
والواقع أن الإنتهاء إلى وصف حالة أو تجربة ما بالظاهرة السياسية يحتاج إلى مرور مدة زمنية طويلة لكى يتضح مدى نجاعتها وتأثيرها واستمراريتها على الساحة السياسية. ويمكن القول أن الحالة أو التجربة الانتخابية محل البحث من السابق لاوانه تقييمها، لكن يمكن اعتبارها تجربة فريدة، ليس في كونها قد تنطبق عليها بعض الأوصاف المشار إليها أعلاه أم لا، بل إن مما يثير الانتباه، وهو ما ترغب هذه المقالة في تسليط الضوء عليه، هو مدى تأثير البيئة الجغرافية في بعدها العام على صناعة هذا الحدث الذي يوصف بالتاريخي .. فكيف يمكن للجغرافيا أن تصنع تاريخا؟
من جهة أولى قد يكون من قبيل الصدف البحتة أن النائب الشاب المذكور قد درس وتخرج من شعبة الجغرافيا في الجامعة، ومن جهة ثانية، وهذا هو الأهم، أنه قد ولد وترعرع ويقطن في إحدى قرى إيميلشيل، تلك المنطقة الجبيلة الجميلة من جبال الأطلس المغربية الشامخة، فقد نشأ وفي نفسه – كما هو حال معظم المنحدرين من مناطق مثلها- حب كبير وغيرة جمة على موطنهم الأصلي، وحرص كبير على بذل ما يستطيعون من جهد من أجل رؤية مناطقهم وقد تغير حالها نحو الأفضل، وربما كان لوعورة التضاريس الجبلية والتركيبة الديموغرافية للمنطقة دور في تأهيل شباب يتسم بالشجاعة والجلد والطموح ويشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه نحو التغيير والتنمية والتقدم والنهضة.
المثير أيضا هو قدرة هذه التجربة على بلوغ نتيجة انتخابية كانت لفترة طويلة ربما أمرا مستحيلا على الشباب، ذلك أن الوجوه نفسها ظلت تتكرر لعقود، وربما في بعض الدوائر ينتقل المنصب البرلماني من الأب إلى ابنه أو إلى أحد أقاربه مع توالي كل دورة انتخابية، وكأنها عملية “توارث سياسي وانتخابي بين الأجيال”. من هنا فإن تحقيق فوز بفارق كبير من قبل شاب مغمور سياسيا وليس مدعوما من حزب سياسي كبير، هو مسألة غير مسبوقة ربما وتستحق الاهتمام.
ولقد لعب شباب إقليم ميدلت دورا مهما في نجاح هذه التجربة، حيث أسهمت أصواتهم ومجهوداتهم بشكل واضح وكبير في تحقيق تلك النتيجة، في الوقت الذي يستمر فيه العزوف السياسي عند الشباب في دوائر وأقاليم أخرى، وهذا ما يجعل من هذه التجربة تجربة شبابية في المقام الأول، نجح فيها الشباب باقتدار في التعبير عن إرادتهم وأبانوا عن مستوى كبير من الثقافة والوعي والإيمان بأن “الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
وهو الأمر الذي تجلى في التجاوب الشبابي واسع النطاق مع الطرح الذي قدمه خلال الحملة الانتخابية شاب مثلهم يشبههم وينتمي لمنطقتهم ويتحدث لغتهم، شاب متعلم وواع بقضايا إقليمه ووطنه، طموح ومتواضع ومجتهد، يبذل قصارى جهده من أجل التواصل مع الناخبين وإقناعهم والوصول إليهم، سواء أكانوا في المراكز الحضرية أو في القرى والدواوير المنشرة عبر إقليم ميدلت، كما أنه يجيد استخدام تقنيات وأدوات التواصل الاجتماعي، إذ يعد واحداً من صانعي المحتوى المعروفين والمتابَعين على نطاق واسع.. ومن نافلة القول أن وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أصبح لها دور مهم جدا وقوة تأثير كبيرة في العصر الحالي..
وفي هذا السياق يلاحظ أن هذا المؤثر مهتم بتقديم محتوى يدافع عن قضايا منطقته ومعاناة سكانها، وهي المعاناة ذاتها التي تعيشها المجتمعات المحلية في معظم المناطق الجبلية، في ظل هشاشة البنية التحتية ومحدودية المرافق في تلك المناطق، وهي معاناة لا يشعر بحجمها ووطأتها إلا المنتمون إلى تلك القرى والدواوير، التي باتت تعاني للأسف من تناقص عدد السكان بسبب استمرار نزيف الهجرة القروية الى المدن والمناطق الحضرية.
لاشك أن هذه التجربة الانتخابية تشكل حدثا تاريخياً صنعه أبناء تلك الجغرافيا الجبلية، بإرادة وتصميم وعزم لا يلين، وقد تصبح مثالاً يحتذى به من طرف الشباب في المناطق الأخرى ذات الطبيعة الجغرافية المشابهة. ويبقى الأمل معقودا على نجاح وإنجاح هذه التجربة الديمقراطية، بما يتيح في المستقبل صعود العشرات من النواب البرلمانيين الشباب القادرين على تمثيل مناطقهم على الوجه الأمثل، وإن ما يبدو تاريخيا اليوم سوف يصبح أمرا طبيعيا غدا.
ولاشك أن النجاح في العملية الانتخابية، على أهميته، ليس هو الغاية القصوى، وإنما الهدف هو العمل الدؤوب لتحقيق مصلحة البلد والمواطن، ولعل تعدد قصص نجاح مثل هذه، لكفيلة بإفراز نخبة سياسية من البرلمانيين والمنتخبين تكون قادرة على تحقيق الهدف المنشود المتمثل في نقل البلاد نقلة نوعية إلى مرحلة من التنمية والتطور المتكامل والمتكافئ بين مختلف جهاتها وأقاليمها.
وفي هذا السياق وفيما يتعلق بالتنمية الجبلية، يمكن لنواب تلك المناطق العمل على تبني اقتراح بشأن إنشاء “جهاز خاص يعنى بتطوير البنية التحتية الطرقية فى المناطق الجبلية”، لأنه بدون وجود مسالك طرقية معبدة وممهدة ستظل تنمية جبالنا الجميلة وتحسين معيشة أهلها الكرام أمرا مؤجلاً إلى حين.
والله ولي التوفيق.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.