يبدو أن أكثر الأسئلة إحراجًا في الجلسات العائلية المغربية اليوم لم يعد “متى ستتزوج؟”، بل تحوّل إلى سؤال أكثر حدة وأشد وطأة: لماذا لم يعد كثير من الشباب يفكرون في الزواج من الأساس؟ وحين ننتبه إلى المسافة الفاصلة بين السؤالين، ندرك أننا لسنا أمام تفصيل عابر أو مسألة تأخر في السن، وإنما أمام تحول اجتماعي كبير يطال البنية القيمية للمجتمع المغربي بأكملها، ويعيد صياغة تصوراته عن الأسرة والعمل والاستقرار والنجاح، بل وعن معنى الحياة نفسها.
كان الزواج، لعقود طويلة، محطة تكاد تأتي بشكل تلقائي في حياة أي مغربي، تتلوها بعد التخرج أو الحصول على عمل بلا كثير من التردد. كان أقرب إلى ما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم بـ”الواقعة الاجتماعية”، تلك المؤسسة التي يفرضها المجتمع على أفراده بصرف النظر عن رغباتهم الخاصة. لم يكن أحد يسأل حينها: هل سأتزوج؟ بل: متى وكيف سيكون ذلك؟ أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وصار الزواج خيارًا فرديًا قابلًا للتأجيل، بل وربما للرفض الكامل، وهذا انقلاب لا يمكن تفسيره بردّه فقط إلى البطالة أو غلاء المهور أو أزمة السكن كما يحلو للبعض.
فحين نتحدث عن عزوف الشباب عن الزواج، لا نتحدث عن مؤسسة تمر بصعوبات طارئة، بل عن مجتمع بأكمله يعيد إنتاج نفسه وفق قواعد مغايرة تمامًا. إننا إزاء انتقال هادئ لكنه عميق الأثر، من مجتمع كانت فيه الجماعة تقرر مصير الفرد، إلى مجتمع أصبح الفرد فيه يتفاوض مع جماعته على كل شيء تقريبًا: على شكل الأسرة، وعلى العمل، وعلى الإنجاب، بل وعلى معنى الالتزام ذاته. ولذلك فالظاهرة أعقد بكثير من أن تُختزل في معادلة اقتصادية بسيطة، فالمال وحده عاجز عن تفسير سبب تأجيل بعض الشباب زواجهم رغم قدرتهم المادية عليه، كما لا يفسر لماذا صار كثيرون يرون في العزوبية حرية أكبر وكلفة نفسية أقل مقارنة بالحياة الزوجية.
منذ أكثر من قرن، تنبّه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى أن المجتمعات الحديثة تمضي في اتجاه ما أسماه بـ”العقلنة”، أي إخضاع قراراتها لحسابات المنفعة والتكلفة بدل الانصياع للعادة والعرف. وإذا كان الزواج في المجتمعات التقليدية قرارًا تحكمه الأعراف والانتماء الجماعي، فقد صار في مجتمعنا اليوم أقرب إلى مشروع يُدرس بعناية: هل سأتحمل تكاليفه؟ ماذا سأخسر إن أقدمت عليه؟ وماذا سأربح إن بقيت عازبًا؟ هل يمنحني استقرارًا أم يقيّد حريتي؟ أسئلة لم تكن تُطرح بهذه الصراحة قبل بضعة عقود، لكنها أصبحت اليوم جزءًا من وعي جيل بأكمله.
لكن الاكتفاء بتفسير الظاهرة من زاوية العقلانية الاقتصادية وحدها يبقى تفسيرًا منقوصًا. فبيير بورديو يذكّرنا بأن الأفراد لا يتحركون فقط بمنطق رأس المال الاقتصادي، بل أيضًا برأس المال الثقافي والرمزي. فالشاب المغربي اليوم لا يبحث عن الزواج بالطريقة نفسها التي بحث بها والده أو جده عنه، بل يبحث عن شريك ينسجم مع رؤيته الجديدة للحياة، وعن علاقة تقوم على التفاهم العاطفي والمساواة وتحقيق الذات، لا على مجرد توزيع أدوار تقليدية متوارثة. وفي المقابل، لم تعد المرأة المغربية ترى في الزواج طريقها الوحيد نحو مكانة اجتماعية محترمة، فقد صارت تملك بدائل حقيقية عبر التعليم والعمل والاستقلال المادي، وهو ما أعاد تشكيل العلاقة بين الجنسين من جذورها.
وقد وصف عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز هذا التحول بمفهوم “العلاقة الخالصة”، وهي علاقة لا تستمر إلا ما دامت تحقق الإشباع النفسي لطرفيها، لا لأن المجتمع يفرضها فرضًا. ومن هنا صار الزواج في المجتمعات المعاصرة أكثر هشاشة من ذي قبل، لأن بقاءه بات رهينًا بجودته الفعلية لا بقوة الضغط الاجتماعي المحيط به. وإذا أسقطنا هذه الفكرة على واقعنا المغربي، سنلاحظ أن كثيرًا من الشباب لم يعودوا يخشون العنوسة بقدر ما يخشون الزواج الفاشل، ولم يعودوا يقلقون من تأخر سن الزواج بقدر ما يقلقون من شبح الطلاق، الذي صار حاضرًا بقوة في المخيلة الجماعية عبر التجارب الشخصية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
أما من الجانب النفسي، فالمسألة لا تقل تعقيدًا عن الجانب الاجتماعي. فقد أوضح أبراهام ماسلو أن الإنسان لا يسعى فقط لإشباع حاجاته البيولوجية، بل يبحث أيضًا عن الأمان والانتماء والتقدير وتحقيق الذات. فإذا شعر الفرد بأن الزواج قد يهدد بعض هذه الحاجات بدل أن يلبيها، فقد يفضل تأجيله أو تجنبه كليًا. ويوضح عالم النفس إريك إريكسون أن مرحلة الشباب تقوم في جوهرها على صراع بين الألفة والعزلة، غير أن هذا الصراع بات أشد تعقيدًا اليوم بفعل التحولات الرقمية والثقافية، حيث توفر وسائل التواصل الاجتماعي إحساسًا مؤقتًا بالارتباط، دون أن تفرض التزامًا حقيقيًا كالذي يفرضه الزواج.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة هو أنها أزمة ثقة أكثر منها أزمة مال. فحين يفقد الشباب ثقتهم في المستقبل، وفي سوق الشغل، وفي إمكانية توفير حياة كريمة، وفي استقرار العلاقات الإنسانية بشكل عام، يتحول الزواج من حلم يُسعى إليه إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. وهنا يتحول التردد إلى استراتيجية دفاعية، ويصبح التأجيل أسلوب حياة كامل، وتغدو العزوبية خيارًا يبدو أقل كلفة من الانخراط في مؤسسة يشعر كثيرون أنها لم تعد تمنحهم الضمانات التي كانت تمنحها للأجيال السابقة.
ولا يمكن كذلك تجاهل الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل صورة الزواج في أذهان الشباب. فقد صار هؤلاء يقارنون حياتهم اليومية العادية بصور مثالية تعرضها المنصات الرقمية، حيث تُختزل الحياة الزوجية في مظاهر الرفاهية والسفر والاستهلاك. وهذه المقارنات المتكررة ترفع سقف التوقعات إلى مستويات يصعب بلوغها، فيبدو الزواج مشروعًا يحتاج إلى إمكانات استثنائية، بعدما كان في الماضي القريب يقوم أساسًا على البساطة والتدرج والتكافل بين الطرفين.
إن عزوف الشباب المغربي عن الزواج ليس تمردًا على الأسرة، ولا رفضًا للقيم الموروثة، ولا نتيجة حتمية للفقر وحده، بل هو مرآة تعكس صورة مجتمع يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تتقاطع فيها التحولات الاقتصادية مع الثورة الرقمية، وتتداخل فيها الفردانية مع بقايا ثقافة تقليدية لم تندثر بعد كليًا، ويعيد فيها الشباب تعريف مفاهيم النجاح والسعادة والاستقرار بطرق تختلف جذريًا عما عرفته الأجيال التي سبقتهم. ومن هنا فإن اختزال هذه الظاهرة في خطاب أخلاقي يُحمّل الشباب وحدهم المسؤولية، أو في خطاب اقتصادي يُرجع كل شيء إلى غلاء المعيشة، لا يفعل شيئًا سوى حجب جوهر المشكلة عن أعيننا.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه علم الاجتماع اليوم ليس: لماذا يعزف الشباب المغربي عن الزواج؟ بل: كيف تغيّر المجتمع المغربي حتى صار الزواج نفسه موضوعًا للنقاش والتردد وإعادة التقييم المستمر؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تكشف فقط ملامح مستقبل الأسرة المغربية، بل تكشف أيضًا ملامح المجتمع الذي يتشكل أمام أعيننا اليوم، مجتمع لم يعد يشبه ماضيه، ولم يحسم بعد شكل المستقبل الذي يسير نحوه بخطى غير واضحة المعالم.
الزواج كان نعمة في الزمن الجميل اما اليوم اصبح نقمة و مشروعا اجتماعيا فاشلا يترتب عليه الكتير من المآسي خاصة بالنسبة للرجل اللدي بسبب القوانين الوضعية الظالمة فقد هيبته و مكانته فكيف لهدا الرجل يعتزم الزواج و هو يفكر في عواقب نهايته دات يوم فكيف له ان يضحي بماله و وقته و جهده و طاقته من اجل الاخر اللدي لا يعترف بسخاءه و كرمه بل جحودا في كل شيء فهل من الطبيعي و المعقول ان يعطي الرجل الكتير لكنه ياخد إلا القليل طوال حياته مما يستنزفه و يصاب بامراض نفسية يصعب علاجها فادا كنا نريد حياة زوجية طبيعة فيها المحبة و المودة و الرحمة فيتعين اصلاح منظومة الزواج و مدونة الأسرة ليكون فيها العدل و الانصاف لكافة الاطراف و ليس الحفاظ على مصلحة الزوجة فقط لان هدا هو المحرض الرئيسي للعنوسة و الطلاق
“The urge to marry is a search for an end to loneliness. The irony is that marriage can be the loneliest place of all if the partnership fails”
“إن الدافع وراء الرغبة في الزواج هو البحث عن نهاية للوحدة. لكن المفارقة هي أن الزواج قد يصبح المكان الأكثر وحدة على الإطلاق إذا فشلت الشراكة”.
Alain de Botton
“Le mariage, c’est résoudre à deux des problèmes qu’on n’aurait jamais eus tout seul”
“الزواج هو أن يحل شخصان معاً مشاكل لم يكن لأي منهما أن يواجهها لو ظل بمفرده”
Sacha Guitry
صدقت يا أستاذ أحمد في تشخيصك، فالشباب اليوم لا يرفضون الحب، بل يهربون من مؤسسة باتت تثقل كاهلهم بواجبات تقليدية في زمنٍ يتسم بالفردانية الشديدة والهشاشة الاقتصادية. إن تحول الزواج إلى معادلة حسابية معقدة هو نتيجة طبيعية لمجتمع يعيد تشكيل وعيه تحت وطأة المقارنات الرقمية وأزمات الثقة المعاصرة. ورغم منطقية هذا التوجس، إلا أن المبالغة في العقلنة قد تحرم الجيل الحالي من أمان إنساني صادق لا تمنحه شاشات الهواتف، ففي النهاية
“مهما عظمت المكاسب الفردية، يبقى المرء بحاجة إلى كتفٍ يسنِد إليه تعب الرحلة”.
ALHOCEIMA
التقلية بالسوق لم يعد أحد يريدها تدمر انفسنا بايدينا
البعد عن الله هو السبب الرئيسي
جميع الكتاب الذين يتطرقون لهذا الموضوع يفعلون المستحيل لكي لا يذكروا السبب الرئيسي للعزوف عن الزواج، ألا و هو مدونة الأسرة العلمانية الظالمة التي يرفضها الرجل المغربي رفضا قاطعا.