هل يحدد مسار الحوار الاجتماعي مستقبل الحكومة المغربية؟

هل يحدد مسار الحوار الاجتماعي مستقبل الحكومة المغربية؟
الإثنين 17 شتنبر 2018 - 14:11

يبدو أن وطأة الدخول السياسي والاجتماعي بالمغرب، بدأت تشتد شيئا فشيئا، فمع الضجة الكبيرة التي واكبت مضامين المقررات المدرسية الخاصة بأطفال المستقبل، أعتقد أن التحدي الأبرز للحكومة الحالية، سيكون بلا شك هو إخراج الحوار الاجتماعي من قاعة الإنعاش، وإيجاد صيغة توافقية مع المركزيات النقابية الأكثر ثمتيلية.

عمليا، تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية في إحياء الحوار، والتقدم بمقترحات واقعية لتجاوز واقع الجمود الذي عمر طويلا، وبالموازاة مع ذلك، تتحمل المركزيات النقابية هي الأخرى جزءا من المسؤولية، قصد التجاوب مع مقترحات الحكومة، وتفهم الإكراهات الاقتصادية والمالية للدولة المغربية. هي إذن مسؤولية مشتركة، كما جاء في خطاب العرش الأخير، وإن بنسب متفاوتة لتجاوز الوضع غير المقبول، والذي سوف لن يؤدي بالتأكيد، إلا لمزيد من الاحتقان الاجتماعي.

من خلال تتبع مسلسل الحوار الاجتماعي منذ مأسسته، أعتقد أن الحكومة الحالية، لا تتحمل المسؤولية المباشرة في إقبار هذا الحوار، بل المسؤولية المباشرة، تتحملها حكومة ما بعد دستور 2001 ، على مدار النسخة الأولى والثانية منها، والتي عملت على إفراغ العمل النقابي بالمغرب من محتواه، و في تقديري فرصاصة الرحمة، كانت هي أجرأة إصلاح التقاعد بشكل أحادي ، وفق التصورات الخاصة بالحكومة ، وهي مسؤولية تاريخية ربما ستتحمل وزرها السياسي والاجتماعي لعقود طويلة.

في الوقت الراهن، هناك إجماع وطني على ضرورة إنجاح الحوار الاجتماعي. لكن في المقابل، هناك مقاربتين للحل تسيران في الاتجاه المعاكس. المقاربة الحكومية التي تراهن على تجنب وضع الاقتصاد المغرب تحت المزيد من الضغط المالي، وهي في ذلك تستند إلى تقارير دولية، تحذر المغرب من عدم القدرة على التحكم في الإنفاق العمومي، الموجه أساسا إلى تحسين الأجور وخلق الوظائف في الإدارات العمومية. والمقاربة النقابية، التي تستند بدورها على تقارير دولية، تحذر من مغبة تزايد الاحتقان الاجتماعي، والتدهور المستمر في القدرة الشرائية للمواطن المغربي.

وبالتالي، فالحكومة المغربية، ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما. إما العمل على إيجاد صيغة توافقية مع المركزيات النقابية، وهو مطمح لن يتأتى، ما لم تعمل الحكومة على تقديم مقترحات جديدة أكثر تحفيزا للنقابات، تتجاوز السقف الذي وضعته عشية احتفالات ماي 2018. في هذا الصدد، نعتقد أن الضغط الأكبر سيكون على وزير المالية والاقتصاد الملتحق حديثا، والقادم من مجال المال و الأعمال، والذي سيعمل بالتأكيد على بلورة المقترح الحكومي الجديد للحوار الاجتماعي، يلبي الحد الأدنى من المطالب الاجتماعية.

الخيار الثاني، هو فشل الحكومة في تدبير مجريات الحوار، وربما إطالة أمد الجلسات أكثر من اللازم. هو خيار ستكون له حتما، انعكاسات وخيمة على جميع المستويات، خاصة على مستوى تثبيت السلم الاجتماعي بالمغرب. الانعكاسات ستطال أيضا تجانس ووحدة الفريق الحكومي، والأكيد أن تصدعات جديدة ستضرب الجسم الحكومي المتهالك أصلا، بفعل الحرب الباردة المشتعلة على أكثر من صعيد، وكذا هشاشة البنية الحكومة التي تمثله أصلا. السؤال المطروح إذا ما ازدادت الأمور تعقيدا: هل سيتم إجراء تعديل حكومي واسع بإزاحة أحزاب وإضافة أخرى؟ أم سيتم إزاحة الحكومة برمتها واتخاذ التدابير اللازمة التي تقتضيها المرحلة آنذاك؟

سواء استحضرت الأطراف المعنية نظرية المؤامرة في تعاملها مع التقارير الدولية، أو عملت على تغييبها عند انطلاق أولى جلسات الحوار الاجتماعي، أعتقد أن المغرب بجميع مؤسساته وأركانه، أصبح مطالبا أكثر من أي وقت مضى، بإحداث التغيير المنشود، ولو بشكل تدريجي، بكل استقلالية وتجرد وموضوعية، والذي من المفروض أن يراعي خصوصياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الأخلاقية.

وكيفما كانت نتائج الحوار الاجتماعي القادم، ما ينقص الحكومة في علاقتها مع المركزيات النقابية، هو إعادة بناء الثقة مع هذا الشريك المحوري والإستراتيجي، والذي يعتبر صمام أمان داخل المجتمع، عوض العمل على تبخيس دورها الاجتماعي، كما يفعل الناطق الرسمي باسم الحكومة عقب نهاية كل إضراب، والذي يتحول بقدرة قادر إلى نقابي من الدرجة الأولى خلال احتفالات الشغيلة بعيد العمال. غياب الشفافية من جانب الحكومة في تدبير الملفات الاجتماعية أعاق هو الآخر تقدم الحوار، وعوض لجوئها إلى إشراك النقابات في القرار، لجأت إلى مضمون المثل القائل ” كم حاجة قضيناها بتركها”، وربما سترتكب الحكومة الخطأ نفسه، إن هي عملت على إدماج صناديق التقاعد وفق المقاربة ذاتها.

في المقابل ما ينقص النقابات لإنجاح الحوار الاجتماعي، هو استعادة الثقة المفقودة مع الطبقة العاملة، وترسيخ الشفافية في التواصل الدائم والمستمر معها، خاصة في القضايا الجوهرية التي تشغل بالها وتؤرق مستقبلها. كما أن رهان تجديد النخب من داخل القيادات النقابية، وإرساء الديمقراطية الداخلية، أصبح مطلبا ملحا لاستعادة هيبة العمل النقابي بالمغرب، والذي لسوء الحظ، سقط منذ سنوات في النمطية. كما ضعف استقلالية جل النقابات المغربية، والتبعية العمياء للأحزاب السياسية، جعلت هذه الأخيرة، هي من تدير دفة القرار، سواء بالتماهي والموالاة مع قرارات الحكومة، أو الدخول معا في صراعات إن اقتضى الحال ذلك.

*أستاذ باحث.جامعة القاضي عياض، مراكش

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • مولاي الديني الخزرجي
    الإثنين 17 شتنبر 2018 - 15:49

    يبدو من خلال تتبع للمشهد السياسي في المغرب كأنك مبتدئ ولم تكن لك تجربة في متابعة الشأن السياسي في المغرب، أو أنك عريق جهبيد في الميدان، فتجاوز موطن الغذاء وصرفت عنه النظر مراوغة إلى ما هو جانبي هامش فقط
    إن الحكومة في المغرب يعسر معرفة بدايتها كما لا يعرف نهايتها، والجودة تشتغل حسب مشيئة الله وقدرته وكل في موقعه لايعلم من أمره شيئا حتى يخبر به( وزيرة الماء ظلت على كرسيه إلى أن رفعته المياه) وكذلك الوزراء وعلى رأسهم قائدهم.

  • الحجاج بن يوسف الثقفي
    الإثنين 17 شتنبر 2018 - 16:02

    عمليا، تتحمل الحكومة المسؤولية السياسية في إحياء الحوار … يقول الأستاذ … هذا المقال لن يروق وزارة الثقافة والإتصال التي ترى أن رؤوس المغاربة قد أينعت وآن أوان قطاقها .

  • أرنب جرادة
    الإثنين 17 شتنبر 2018 - 17:23

    الحكومة قدمت للنقابات مقترحا سخيا من أجل تحسين القدرة الشرائية للموظفين 300 درهم موزعة على ثلاث سنوات ب 100 درهم في السنة 2019-2020-2021

  • Etudiant
    الإثنين 17 شتنبر 2018 - 17:48

    je remercie le professeur pour cette analyse profonde
    Il bien de débloquer la situation actuelle mais également il important de trouver des solutions rapides pour les problèmes structurelles au sein des syndicats

  • زينون الرواقي
    الإثنين 17 شتنبر 2018 - 18:44

    الحوار بطرفيه والمتحاورون كل يبحث عن أسباب بقائه ومبررات وجوده .. مستقبل الحكومة هراء ولا يهم أحداً سوى أعضاؤها كما ان مستقبل النقابات وفريق الحكواتيين الذين يأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي لا يهم سوى الذئاب التي تتناوب على البؤساء المقرفصون حول حلقة الحوار الاجتماعي .. ما يزيد عن الستين سنة وأسطوانة الحوار تدار بأياد ماكرة تجيد التنويم المغناطيسي للقطعان الحالمة فيزداد مستقبلها قتامة وهي تشيخ في كمد بينما مستقبل المتحاورين حكومات وهيئات ونقابات وأحزاب يفتح الآفاق تلو الآفاق .. استمروا في مسرحياتكم فرواد الحلقة مغيّبون ومدمنوا الأحلام والتصفيقات بالوفرة وبين هذا وذاك يصطف الشباب اليائس على ضفة المتوسط في انتظار الرحيل حتى دون ملابس عراة كما أقلّتهم على مرأى ومسمع من العالم أجمع قوارب البارونات وكأن أرض هذا الوطن مجرد رحم يقذف بالمواليد لتتلقّفهم ارض الآخرين كمن يتلقف لقيطا من ميتم ..

  • إدريس الجراري
    الأربعاء 19 شتنبر 2018 - 00:35

    البداية بقانون شغل Win-Win بإعتبار ان الأجير او الموظف يستتمر عمره وخبرته وجهده ليحرك آلة الإنتاج والإدارة العمومية او القطاع الخاص في شخص المشغل يستتمر امواله وتجهيزاته اما عن التقاعد فلابد ان نحدف القانون الجائر الدي يحسب للأجراء إبتداء من 8 سنوات الأخيرة و سقف لا يتعدى 6000 درهم بينما الحد الأدنى اليوم اصبح لزاما 9000 درهم حسب كلفة المعيشة العمل الدي لا يوفر للأجير او الموظف كرامة العيش يصبح عبودية يعمل العامل او الموظف بالخبزة العمل لابد ان يكون وسيلة للتطور وبلوغ الرفاهية فلا جدوى من حوار إجتماعي إلم يحفظ للمواطن كرامة العيش أما حق الإضراب فهو حق مكفول وتضمنه كل الدساتير والقوانين الأممية ولا يحتاج لتنضيم هل نقول للمشغل هيئ نفسك سنقوم بإضراب التكوين والتكوين المستمر يجب ان يكون دون شرط التعويضات العائلية يجب ان ترفع 2000 درهم للطفل نظرا لمتطلبات التنشئة / ف 200 درهم لن تشتري حتى الحفاضات التقاعديجب ان يكون على 55 سنة لفسح المجال للجيل الجديد وبالنسبة لإتحاد مقاولات المغرب يجب ان يكون مواطنا ويساهم في بناء السلم الإجتماعي…

صوت وصورة
رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05 3

رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 2

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 5

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم