لا تمر ثانية في أية بقعة من العالم ، إلا وتحدث مأساة من مآسي الطفولة ؛ في كثير من البلدان التي تعتمد في اقتصادياتها على تشغيل الأحداث ، يتم استغلال الأطفال في الأشغال الشاقة نظير أجور زهيدة دون مراعاة لقدراتهم الذهنية والبدنية ، وفي مناطق أخرى سيما في دول جنوب شرق آسيا يتعرض الأطفال في سن مبكرة للاستغلال الجنسي من طرف شبكات للبيدوفيليا التي تستقبل أغلب زبنائها من العالم المتحضر، وفي بؤر التوتر في العالم كان الأطفال دون سن العاشرة يجبرون على حمل بنادق الكلاشينكوف التي تنأى سواعدهم الصغيرة على حملها ، وفي القارة الإفريقية يموت الأطفال تحث وطأة المجاعة ، وإذا نجوا منها خروا بسبب السل والملاريا والسيدا وغيرها من الأمراض البدائية والمستحدثة ، والأشكال التي تتخذها مآسي الطفولة عبر العالم أكبر من أن تعد .
ورغم القصاصات والتقارير والحملات ومختلف أشكال التعبئة والإخبار ، لم تكن مآسي الطفولة لتنتزع التفاعل الإنساني المطلوب . في 2 سبتمبر 2015 لفظ شاطيء بودروم في تركيا جثة طفل كردي عمره ثلاث سنوات ، إيلان الذي كان يسعى وشقيقه ووالديه لبلوغ جزيرة كوس باليونان لعبور محتمل نحو بلد الأحلام كندا ، غرقت العبَّارة التي كانت تقله ، فشكل هو وجثمانه الصغيرالمسجى ذات صباح على الرمال الذهبية لبحر ايجة رمزا لمعاناة اللاجئين في العالم كله ،
قطعا ليست مأساة إيلان أفظع مآسي الطفولة اللاجئة في العالم ، ففي شواطئنا المتوسطية الشمالية كثيرا ما لفظ البحر رضع أفارقة أصغر بكثير من ايلان غرقوا وأمهاتهم في مغامرة بلوغ الفردوس الأوربي ، أثناء حرب الفيتنام كانت قنابل النبالم المنبعثة من الطائرات الأمريكية المقاتلة تحرق الأجساد الصغيرة الفارة مع عائلاتها من جحيم المعارك إلى حدود الدول المجاورة ، وفي عصر لم تكن فيه الصورة والفيديو بهذا الشيوع ، نقلت لنا الكتابة أصنافا من معاناة أطفال اللاجئين الفلسطنيين ، وفي حرب يوغوسلافيا كان القناصة الصرب يفجرون جماجم الأطفال المسلمين الفارين من التطهير العرقي ، وقد تحدثت الصحف حينها عن إلقاء القبض على سفاح صربي كان يبتر الأعضاء التناسلية للأطفال القتلى ويحتفظ بها تدليلا على درجة مساهمته في التطهير العرقي ، بالطبع ذاكرة الانسانية عبر العالم تحتفظ بكثير من مثل هذه المآسي التي يطول الحديث عنها في هذا المقام ، لكن ما الذي جعل صورة إيلان تنتزع تعاطفا غير مسبوق تجاوز الطابع الشعبي ليتخذ طابعا رسميا ترجم في تليين مواقف بعض الحكومات الأوربية من مسألة استقبال اللاجئين ؟
أثناء مقتل الأميرة ديانا في أحد الانفاق بباريس صيف 1997 ، سئل عالم نفس بريطاني ، لماذا كل هذا التعاطف مع القتيلة في وقت يموت فيه الآلاف في حوادث السير بطرق جد بشعة ؟ أجاب بأن الناس تتعاطف مع الأشخاص المشهورين الذين تعرفهم أو نشأت علاقة معرفة أوإعجاب بهم نتيجة مختلف وسائل التلقي المنشرة في العالم ، لهذاهم لا يزجعون لمآسي الناس العاديين الذين لا يعرفونهم مهما بلغت جسامتها .
إذا عدنا إلى صورة إيلان ، نجده إلى غاية 2 سبتمبر 2015 مجرد طفل نكرة مثله مثل مئات ملايين الأطفال عبر العالم ، لكن ما الذي خلق كل هذا التعاطف معه ومع مأساته رغم أني أكاد أجزم بأن المسألة قد تختلف لو كان الجثمان لطفل أفريقي لُفظ على شواطئنا المتوسطية الشمالية أو لطفل آسيوي دفعت به ملخفات تسونامي من تلك التي تصيب دول شرق آسيا في إلى أكوام الدمار ؟
لاشعوريا المتلقي في حالة إيلان مهيىء للتعاطف بسبب خلفيات خارج الصورة ، وهي مأساة اللاجئين السوريين ، والتعاطف يزداد لما يعلم المتلقي بأن الأسرة كردية وفرت إلى تركيا بسبب اجتياح تنظيم داعش للأقليم الذي كانت تعيش فيه ، مع استحضار لكل أشكال البربرية التي ترافق دخول هذا التنظيم المتوحش لأي مكان .
إذا قرأنا الصورة سميائيا نبصر طفلا أبيض البشرة في كامل العنفوان لا يشكو من إعاقة جسدية أونقص في النمو ، اللباس متناسق في إختيار أشكاله وألوانه ؛ قميص سبور أحمراللون وبنطلون قصير أزرق وحذاء أنيق وقصة شعر توافق سن الطفل ، والمدقق في النظر لاشك سيستحضر في ذات الوضع طفله أوطفلته أو طفل أحد المعارف أو الأقارب ، فيدخل فيما يعرف في علم النفس بتماثل الموقف أو الصورة ، فكلما شاهد الصورة يحس بأن مأساة والد ايلان كانت ستكون مأساته الشخصية ، مما يعمق درجة تعاطفه مع الصورة ومع صاحبها .
أخيرا يلح علينا سؤال هام : ماذا لو لم تخلد المصورة الفوتوغرافية التركية نيلوفر دميرالحدث بصورتها التي جابت أرجاء الكون ، هل كانت مأساة إيلان ستعرف ذات التعاطف ؟ قطعا سيكون الجواب بالنفي ، وسيموت إيلان نسيا منسيا ، بينما المحقق بالملموس أن صورته المؤثرة هي التي ستخلد ذكراه إلى الأبد ، فيما لم يلتفت أحد إلى مآسي بشعة بالملايين لأطفال لم ٌيقدر لهم أن يكونوا تحث أضواء فلاشات آلات التصوير لحظة الحدث ، لذا أعود وأقول إن للصورة لسطوة .
إن للموت لسكرات
يا كثير السيئات غدا ترى عملك و يا هاتك الحرمات إلى متى تديم زللك؟ أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك؟ أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك؟ واعجبا لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك!! أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك؟ أما بارزت بالقبيح فأين الحزن؟ أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن ؟ ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن.
وستنتبه من رقادك ويزول هذا الوسن.
قال يزيد بن تميم : (من لم يردعه الموت والقرآن، ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع !!
COPIE
اتدكر صورة الطفل الافريقي في جنوب السودان في تسعينيات القرن الماضي وهو يزحف من الجوع للوصول الى الطعام الدي تقدمه هيئات دولية وصورة النسر الجاثم على مقربة منه منتظرا موته …..وكيف ادت هده الصورة بالمصور الامريكي الى الانتحار لفضاعتها …..نفس الشيء مع تنظيم داعش الارهابي لو لم تكن التكنولوجيا لتم التستر على كل فضاعته في كتب الادب و التاريخ الديني و لكتبوا ان الخليفة و التنظيم كان رحيما بالفقراء و الطيور…..و كان عادلا نفس السيناريوهات التي ما نزال نصدقها في كتب التفاسير و اخبار السير ووو لكن الصورة تختصر كل تعليق….شكرا للمقال
aylan will remain the symbol of refugee crisisthat is all.in general human being forgets that he forgets… h
مقال ممتاز للدكتور شبو ، فعلا انه عصر الصورة و تقنيات الاتصال الحديثة …فهي اصبحت اكثر تعبيرا من قصائد الشعراء و كلمات الأدباء و تحليلات العلماء . لقد أصبحت الصورة أكثر تعبيرا بفعل تطور تقنيات التصوير ذاتها ، لهذا علينا تطوير أفكارنا .. فلعل صورة واحدة تكون خيرا من مليون حرف و كلمة .