ليس من الطبيعي في دولة اختارت دستوراً متقدماً، وأقامت مؤسسات مستقلة لحماية الحقوق والحريات، أن يُستقبل تقرير مؤسسة دستورية بالتشكيك في نوايا رئيستها بدل مناقشة مضمونه. فالسجال الذي أثاره عبد الإله بنكيران حول ملاحظات المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن توظيف الدين في الانتخابات لا يطرح سؤالاً عن أمينة بوعياش وحدها.
إنه يطرح سؤالاً أعمق: هل نقبل أن تؤدي المؤسسات المستقلة أدوارها كاملة، أم نريدها أن تتكلم فقط حين يوافق كلامها هوى الفاعلين السياسيين؟
مؤسسة دستورية تؤدي مهمة قانونية
ينبغي البدء من البديهيات التي يبدو أنها غابت عن النقاش. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ليس جمعية رأي ولا طرفاً في المنافسة الحزبية. إنه مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، نص عليها الفصل 161 من دستور 2011، وأعاد القانون 76.15 تنظيمها وتحديد صلاحياتها، وهي مصنفة دولياً وفق مبادئ باريس الناظمة لعمل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
ومن صميم هذه الصلاحيات ملاحظة الانتخابات. فالقانون 30.11 المتعلق بالملاحظة المستقلة والمحايدة للانتخابات أسند إلى المجلس دوراً مركزياً في هذا المجال، سواء عبر اعتماد الملاحظين أو عبر رصد العملية الانتخابية وإصدار خلاصاتها. وحين يرصد المجلس ممارسات تمس حرية الاختيار وتكافؤ الفرص بين المتنافسين، فهو لا يتجاوز اختصاصه، بل يمارسه بالضبط. والصمت عن تلك الممارسات هو ما كان سيشكل إخلالاً بالمهمة، لا الحديث عنها.
وقائع محددة لا موقفاً أيديولوجياً
ما قدمه المجلس لم يكن بياناً فكرياً عن علاقة الدين بالدولة، بل حصيلة رصد ميداني ورقمي: 44 حالة لتوظيف صريح للرموز الدينية، وست حالات للدعاية داخل أماكن العبادة، وأكثر من ألفي محتوى رقمي يوظف الدين في الخطاب الانتخابي، من بينها مضامين تربط التصويت لحزب بعينه بالمحاسبة أمام الله، أو تقدم المنافسة السياسية باعتبارها صراعاً بين من هو مع الإسلام ومن هو ضده.
هذه وقائع قابلة للنقاش والتدقيق والطعن بالأدلة، وهذا حق مشروع لكل من يعترض عليها. أما تجاوزها إلى اتهام المجلس بالسعي إلى علمنة الدولة، فهو انتقال من الحجة إلى الشبهة، ومن مناقشة المضمون إلى محاكمة النوايا.
المرجعية الدستورية تقف إلى جانب المجلس
المفارقة أن الحجة التي يستند إليها منتقدو المجلس هي نفسها التي تدعم موقفه. فالمغرب دولة إسلامية، والملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين بمقتضى الفصل 41 من الدستور. وهذا بالتحديد ما يجعل الشأن الديني في بلادنا مجالاً سيادياً جامعاً، لا يجوز لأي حزب أن يحتكر الحديث باسمه أو أن يحوله إلى رصيد انتخابي.
ولهذا أيضاً يمنع التشريع المغربي تأسيس الأحزاب على أساس ديني، ويحظر استعمال أماكن العبادة في الدعاية الانتخابية. فحين ينبه المجلس إلى خرق هذه القواعد، فهو لا يعارض إسلامية الدولة، بل ينسجم مع الطريقة التي اختارها المغرب لحماية الدين من الاستقطاب الحزبي، وصون وحدة المرجعية الدينية للمغاربة جميعاً.
ثنائية مصطنعة تخدم تغيير الموضوع
إن تقديم النقاش في صيغة «إما توظيف الدين في الانتخابات، وإما علمنة الدولة» صياغة خاطئة للسؤال. فبين الأمرين مساحة واسعة هي مساحة دولة القانون: أن يعبر كل حزب عن مرجعيته وقيمه بحرية، دون أن يضع الناخب أمام معادلة تجعل أحد الاختيارات أقرب إلى الله من غيره.
الحزب ذو المرجعية الإسلامية من حقه أن يقدم رؤيته للمجتمع والأخلاق والسياسة، تماماً كما يحق للحزب الليبرالي أو الاجتماعي أن يقدم رؤيته. لكن الفارق جوهري بين قول السياسي «هذا تصوري المستند إلى مرجعيتي»، وقوله للناخب «التصويت لي يرضي الله، والتصويت لخصمي موقف ضد الدين». الأول تنافس مشروع، والثاني ضغط رمزي يمس حرية الإرادة الانتخابية، وهي من صميم الحقوق التي أُنشئ المجلس لحمايتها.
مؤسسة متوازنة لا تطعن في إرادة الناخبين
ومن الإنصاف التذكير بأن خلاصات المجلس لم تكن اتهامية ولا متحيزة. فقد شملت الملاحظة نحو أربعين ألف مكتب تصويت، وخلص المجلس إلى أن المؤشرات العامة لم تكشف انحيازاً إدارياً لأي حزب أو لائحة، وأن حالات المساس بنزاهة الاقتراع ظلت محدودة وفُتحت بشأنها مساطر قانونية.
هذا التوازن يدل على مؤسسة تؤدي عملها بمهنية: تسجل ما هو إيجابي كما تسجل ما يستحق التنبيه. ورصد ممارسة انتخابية مخالفة لا يعني الطعن في شرعية النتائج، ولا التشكيك في وعي المواطنين، بل هو جزء من التقييم الذي تحتاجه كل ديمقراطية لتتطور.
حماية الاستقلالية مسؤولية جماعية
لقد قطع المغرب شوطاً مهماً في بناء مؤسسات الحكامة وحماية الحقوق، واكتسب المجلس الوطني لحقوق الإنسان مصداقية وطنية ودولية بفضل استقلاليته. وهذه المصداقية ليست ملكاً لرئيسته، بل رصيد للدولة والمجتمع معاً. وكل محاولة لنزع الشرعية عن المؤسسة كلما أصدرت ملاحظة غير مريحة لطرف سياسي، تضعف في النهاية الثقة في المنظومة المؤسساتية برمتها.
من حق أي فاعل سياسي أن يختلف مع المجلس، وأن يناقش منهجيته وأرقامه، وأن يقدم معطيات مضادة. هذا هو جوهر النقاش الديمقراطي. لكن ليس من المقبول أن يُستبدل النقاش بالتخويف، أو أن يُقدَّم الحرص على نزاهة المنافسة الانتخابية كأنه مؤامرة على هوية الأمة.
وأخيرا، السؤال الحقيقي ليس: هل المغرب دولة إسلامية أم علمانية؟ فهذا محسوم دستورياً ولا ينازع فيه أحد. السؤال هو: كيف نحافظ المرجعية الدينية، ونمنع في الوقت نفسه تحويل المقدس إلى أداة في التنافس الحزبي؟
وهذا بالضبط ما نبه إليه المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ومن يريد الرد عليه، فليرد على ما قاله فعلاً، لا على ما نُسب إليه.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.