الديمقراطية ومسؤولية النخب

الديمقراطية ومسؤولية النخب
الجمعة 28 غشت 2015 - 03:36

في العالم المتقدم ديموقراطيا يتلقى الناس كشعوب تربية ديموقراطية ممارسة، بآليات حضارية تدفع بالتنشئة الاجتماعية لجميع الفئات إلى التطور جدليا، نحو صيرورة متنامية لمفهوم الديموقراطية السياسية الفعالة…وإذا سلمنا بالأمر، فنحن مثلا نعيش سياسيا في إطار “ديموقراطية” ما، ولكن لم نتوصل إلى رفع مستواها درجات لتصل إلى المجتمع فالشرائح فالأسر فالأفراد…ولأن الأفراد ليسوا مؤهلين ليربوا أنفسهم بأنفسهم في هذا الإطار، فإن المجتمع السياسي الحزبي وكذا الجمعوي الخدماتي معه، هما المؤهلان لأن يكونا أساسا “المؤطر” الحركي للمنظومات الاجتماعية، دون إغفال المجال الثقافي بجميع أشكاله “الهوياتية”.. أي أن”الفعل السياسي” هو المسؤول على بلورة المنظومة الاجتماعية برمتها في اتجاه التكامل “الماكروبنائي” بين جميع العناصر في اختلافها..وهذا هو الضامن للعنصر التنظيري كي يتفعل في اشتغاله الملتزم ديمقراطيا..إذن لابد لهذا المجتمع من مؤطرين أكفاء في فكرهم وفي نضالهم، ويتمثل ذلك في السياسيين والنقابيين والإعلاميين والحقوقيين والمثقفين وفآت المجتمع المدني والقطاعات الشبابية بقدر تعددها وتنوعها… وهكذا تتم تغطية المساحة العامة للمجتمع بمناخ وأجواء من الحقوق والواجبات والمسؤوليات، حيث يبرز بجلاء دور النخب التي يعول عليها في هذه التنشئة ثم القيادة بكفاءة ونضج…فالقادة يجب أن ينبعثوا هم أيضا من التأطير والتنشأة،خاصة وأن النخب رهينة بقواعدها التي تنتجها، وليس هي من تنتج قواعدها منفردة بذلك، إذ يحصل التبادل صعودا وهبوطا…ولذا يجب أن تبدأ من نفسها كمثل يحتدى…

فأين موقع التنمية العامة من كل هذا..؟

– إن هذه التجمعات المؤسساتية ليست امتيازا تمن على القواعد أدوارها..إنها بالدرجة الأولى رمز للنضال، من المبادئ وإليها وكذا المواقف..فهي المؤشر الناطق باسم الوعي الذي تنوب فيه عما تمثله من شرائح مجتمعها برؤاها ومطامحها، والتي تنشغل عنها أساسا تلك القواعد لكونها مهتمة باليومي والنشء وأمنها التساكني..إن الضمير الجمعي هذا متى تحقق في النخب، والذي يجب أن يضطلع بمسؤوليته وطموحه المتكامل، وبمنظور شمولي متعاقد عليه، هو تكليف مسؤول وليس تشريفا نرجسيا لهذه النخب، فيبحث “مدللا” عن الامتيازات فقط…

– نستغرب إذن من وجود هذه المؤسسات ذات التركيبة الحزبية في بلادنا، لكونها لا تقوم بالدور الذي يجب أن تنيط به نفسها بالذات قبل كل شيء، وهو التنمية البشرية قبل الموارد، وهيكلة مجتمعها قبل تفحص نسب اقتراعها، والنضال بحزم من أجل المكاسب التي تؤهلها للدفع بآلية الديموقراطية الحقة والمضاهية لأرقاها في سيرورة بنائها طموحا، وليس بالحقد السياسي وخبثه التضاربي والمنافسة المصلحية…فلم لا نرى تلك المأموريات البناءة على رأس قائمة الأولويات، أمام طاولة الالتزامات السياسية لكل حزب وأمنائه؟ بدل التراهن على عدد المقاعد التي تخول لهم أضخم الحقائب..؟

– لهذا نرى أن أجدر النخب تفعيلا للمسؤولية هي الأحزاب،لأنها تضم في نسيجها كل الفئات الفرعية الأخرى والتي تنضوي تحتها بشكل بنيوي..فعليها تقويم سلوكها الديمقراطي وإعداده وبنائه بل وتطويره، لتكوين قوة ضاغطة ومتعاونة أيضا على/ومع مؤسسة الدولة بشكل جدي ومسؤول وبتوافق حازم وحاسم، لكي تستقيم حتما آليات التسييس والتدبير والتشريع…وهذا النضال هو صلب التنمية واستقلالية العمل السياسي وتثبيت الذات الوطنية..وهو أيضا المناعة الناجعة للتغلب على المصاعب الخارجية، لأن كل ذلك سيحول الهشاشة والانفراط إلى قوة وتلاحم…

– فلماذا إذن هذه الأحزاب لا تتحرك إلا عندما تدنو مواعيد”الاستحقاقات” لتغزو مناطق الناخبين؟ ولماذا يستكين المنتخبون وينامون نوم الفائزين بالغنيمة على مقاعدهم؟ ولماذا يجتهدون لتعزيز مواقعهم، ويطالبون بحقوقهم أكثر مما يطالبون بحقوق منتخبيهم؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • houari
    الجمعة 28 غشت 2015 - 17:58

    سال استاذ علم الاجتماع الدكتور رشدي فكار عن الازمة….فقال :ان الازمة ازمة نخبة وليست ازمة امة…رحم الله فكار…اليس الصيدلي يعتبر من النخبة ابحث عن من انخرط منهم في الكثير من الاحزاب التي لها تاريخ غير مشرف لماذا انخرطت؟هل سيقنعك جوابه ولكن ممارساته اليومية وبحثه عن الفرص لتسلق والمزيد من المكاسب والعلاقات والصفقات …هو من النخبة..وابحث عن الطبيب المنخرط ابحث عن البحث في مجال تخصصه ابحث عن الانسانية ليس الانتهازية اين تجده في عالم الغرائز كاخيه واخته الصيدلاني…والمحامي المتحزب ورجل الاعمال والمدرس…غالبية من تحزبوا منهم …ابحث تجدهم في عالم الغنائم …اذا تاملت تاريخ ازربا من الذي قاد النهضة (الانسيون والانوار) ومال بغض النظر عن اهدافه لكنه انفق يسخاء…ال مديتشي بايطاليا وادرسوا تاريخ الطب في الحضارة الاسلامية ومنها كتاب (اخلاق الطبيب)…نتاسف لنخبنا التي اختارت ان تكون صغيرة (طبع الاشارة لاتسعى الى التعميم)

  • IZM N'TAMAZGHA
    السبت 29 غشت 2015 - 13:08

    الديمقراطية ليست مجرد نصوص ولوائح داخلية،أو استفتاءات عامة واستطلاعات ونتائج صناديق الإقتراع أو حكم الأغلبية للأقلية(مبدأ دكتاتورية الأغلبية،كما يصورها الإسلاميون ب"التقية" وهم كافرون بها,في أفق الإجهاز عليها و وأدها لما "توصلهم إلى سدة الإستبداد الأبدي" كما حاولوا ذلك في الجزائر (جبهة الإنقاذ) ومصر (مرسي))
    إنها ليست صورة نمطية محددة، إذ أن لها تجليات وأشكال عديدة تختلف حسب البيئة وحسب المرحلة التاريخية، ولكن مضمونها وجوهرها لا يتغيران، وتتلخص فكرة الديمقراطية في حق الفرد والمجتمع معا في الحرية والمساواة والتعبير والمشاركة السياسية، والحق في اختيار شكل النظام وقياداته، مع ضمان الحق في تغييره وتعديله ومحاسبته أيضا، مع احترام شرعية المعارضة ومبدأ تداول السلطة، والديمقراطية قبل كل هذا هي نهج حياة وممارسة يومية، من أجل تصحيح الأخطاء والرقي بالديمقراطية إلى حسن. وطريقة معينة في التعامل والتفكير واتخاذ القرارات، وتتضمن الديمقراطية جميع مناحي الحياة بدءً من أصغر تشكيل حتى قمة السلطة، ومن أبسط القضايا حتى أكبرها وأكثرها خطورة
    ولا يكمن تصور الديمقراطية في بيئة تستلهم احكامها من الوهم(الدين)
    KK

  • علي ازرو
    الأحد 30 غشت 2015 - 10:41

    اكبر كبائر الاحزاب قبول امنائها العامون بترحال دوي المصالح الخاصة وحصولهم على تزكيات المكاتب الجهوية وامناء الاحزاب .وهدا دليل كبير وواضح على نفور المواطنين من الانخراط في العمل السياسي .فما معنى ان يكون البرلماني ناطقا رسميا في البرلمان باسم حزب سياسي وبين ليلة وضحاهى يترشح باسم حزب اخر؟؟؟ اليس لضمان مصالحه الخاصة ؟؟؟ ايها الامناء العامون لقد ميعتم العمل السياسي بمثل هؤلاء الكائنات السياسية وانتم المسؤولون عن تلويت السياسة في بلادنا ,فلادعوات المواطنين ولاخطابات الملك اثرت في توجهاتكم .اف لكم ولاحزابكم .عليكم تنظيف بيوتكم من الرجس وقطع الطريق على المفسدين.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:00 1

حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39 11

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58 11

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34 5

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45 2

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57 2

مبادرة "رفاه الحيوان"