المغرب التنموي.. هندسة الأثر الميداني

المغرب التنموي.. هندسة الأثر الميداني
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:58

يُمثّل الخطاب الملكي السامي الموجّه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية حدًّا فاصلًا يؤسس لتحوّل استراتيجي جديد في مسار البناء التنموي بالمغرب. ولم تكن الرسائل الملكية مجرد توجيهات إجرائية عابرة، بل دشّنت القطيعة الحقيقية مع منطق «المشاريع الحبيسة على الورق»، نحو رؤية ميدانية غايتها تحقيق الأثر الحقيقي في معيش المواطن. وتكمن القوة التحليلية لهذا المنظور في جرأة المكاشفة والمواجهة المباشرة للاختلالات العميقة، واضعًا الفاعل السياسي والإداري أمام مسؤولية أخلاقية ووظيفية تتجاوز الحسابات الضيقة، لتجعل من «المصلحة العامة» غاية أولى وأسمى لكل جهد تنموي.

دروع السيادة الشاملة: حماية العيش المشترك وصيانة الركائز الحيوية للمغاربة

في بيئة دولية محفوفة بالتحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم يعد الأمن الحيوي مجرد ملفات قطاعية، بل ارتقى، في العمق التحليلي للخطاب الملكي، إلى مستوى الأمن الاستراتيجي الشامل. وتتجلى هذه المناعة الوطنية في ضرورة صياغة جيل جديد من الاستراتيجيات التي تعمل كدروع واقية في محاور الماء والطاقة والغذاء.

وتكتسي هذه الرؤية طابعًا ملحًّا بالنظر إلى دقة المؤشرات الرقمية الحالية؛ فعلى مستوى الأمن المائي، تنبّه التقارير الهيكلية للبنك الدولي إلى عمق أزمة الإجهاد المائي الهيكلي في المغرب، مع تراجع حصة الفرد السنوية من المياه المتجددة إلى نحو 620 مترًا مكعبًا فقط، وسط مؤشرات إحصائية تؤكد هبوطها إلى ما دون حاجز 500 متر مكعب بحلول عام 2030 (عتبة الندرة المطلقة).

أما على صعيد السيادة الطاقية، فيواجه المغرب تحدي التوفيق بين حتميات الانتقال الأخضر والاعتماد المستمر على الاستيراد الخارجي. ورغم تموقع المملكة في المركز 72 عالميًا من بين 120 دولة في مؤشر التحول الطاقي لسنة 2026 (المنتدى الاقتصادي العالمي)، وتصدّرها مغاربيًا في مؤشر السيادة الطاقية (Greenpeace)، فإن بنية الإنتاج لا تزال تحت ضغط تقلبات الأسواق العالمية. ولتجاوز هذا الارتهان، نجحت البلاد في رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 46.1% من إجمالي القدرة الكهربائية المنشأة بنهاية عام 2025 (بإنتاج ناهز 11.5 تيراواط/ساعة)، مع سعي حكومي جاد لتجاوز 52% في أفق سنة 2030 عبر مشاريع الهيدروجين الأخضر والغاز الطبيعي.

وفيما يخص السيادة الغذائية، يتأرجح الصمود الوطني بين الصدمات المناخية المتتالية ومساعي فك الارتهان بالأسواق الخارجية؛ فعلى الرغم من حلول المغرب في المرتبة 47 عالميًا في مؤشر الجوع العالمي لعام 2026 (Global Hunger Index 2026)، واستقراره ضمن فئة «الجوع المنخفض»، فإن التقارير ترصد تحديات بنيوية ترتبط بنقص التغذية الذي يمس 6.5% من السكان (حوالي 2.3 مليون شخص)، نتيجة تقلبات الأسعار والجفاف. ولمواجهة هذه الهشاشة، اتجهت الجهود العمومية لعام 2026 نحو إطلاق برنامج وطني استراتيجي للبذور يستهدف رفع حصة البذور الوطنية من 20% إلى 50% خلال الولاية الحالية. كما تضمّن العرض الحكومي لسنة 2026 آليات لإعادة هيكلة القطيع الوطني وضبط المخزون الاستراتيجي.

فجوة الميدان: ميزانيات قياسية وتفاوت مجالي

تكشف القراءة البسيطة لأرقام ميزانية الدولة عن التزام مالي غير مسبوق، حيث سجّل مخصص الاستثمار العمومي رقمًا قياسيًا بلغ 380 مليار درهم برسم سنة 2026، مقارنة بـ340 مليار درهم سنة 2025. ومع ذلك، فإن هذه الميزانيات الضخمة لم تعد وحدها صكًّا كافيًا للنجاح التنموي. إنها تفرض التحول الحقيقي من المبادرات المتفرقة والمعزولة إلى رؤية رقمية مندمجة تتبّع المشاريع ترابيًا وتربط الإنفاق بالفعالية، مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتبرز الفجوة بوضوح عند رصد المسافة الفاصلة بين المؤشرات الماكرو-اقتصادية والواقع المعيشي للأفراد؛ فبينما يُظهر تقرير مؤشر الفقر لعام 2026 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP) تراجع معدل الفقر الإجمالي إلى 6.8%، فإن هذا التحسن الإحصائي يخفي تفاوتات جغرافية حادة؛ إذ إن 72% من فقراء المغرب يتركزون في الوسط القروي والمناطق الجبلية. ويدعم تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) هذا التمركز السوسيوجغرافي للفقر، مؤكدةً اتساع الفجوة بين المحاور الساحلية المركزية والمناطق الهامشية التي تفتقر إلى التوزيع العادل لثمار النمو.

طاقات معطلة وقلق معيشي

تتضح الانعكاسات الاجتماعية لهذه التحولات البنيوية بشكل مكثف داخل سوق الشغل، حيث تعكس إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط برسم الفصل الثالث من سنة 2026 استمرار الهشاشة بين الفئات الشابة؛ إذ إن 24.4% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يقبعون في خانة العزلة الإنتاجية والتعليمية (NEET): لا يعملون، ولا يدرسون، ولا يتلقون أي تكوين.

ويكشف التشخيص الهيكلي لصندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2026 أن بطالة الشباب تلامس عتبة 37.3%، مقارنة بمعدل بطالة إجمالي يقارب 12.2%. ويتطابق هذا الطرح مع تقارير منظمة العمل الدولية (ILO) التي تؤكد أن النمو الاقتصادي التقليدي لم يعد قادرًا على توليد وظائف لائقة دون مراجعة جذرية لآليات التشغيل، لا سيما مع تمركز البطالة في جهات معينة، مثل جهة الشرق، بنسبة 14.9%.

وتُفسّر هذه المعطيات البنيوية، بشكل موضوعي، حالة القلق السائدة لدى العائلات؛ إذ أظهر بحث الظرفية الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط (أكتوبر 2026) أن 61.3% من الأسر تتوقع ارتفاعًا مستمرًا في معدلات البطالة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، في حين أفادت 76.3% منها بتدهور فعلي في مستوى معيشتها، مما يثبت سوسيولوجيًا أن تحويل الكتلة المالية الضخمة للاستثمارات إلى أثر اجتماعي ملموس، وإدماج الشباب إدماجًا حقيقيًا، هو الضامن الأساسي للاستقرار التنموي.

صناعة التغيير: بين مركزية القرار والتمكين الرقمي للشباب

لمواجهة هذه الاختلالات البنيوية، وضع الخطاب الملكي خريطة طريق وظيفية تحدد بدقة أدوار ومسؤوليات ثلاثة مستويات تدبيرية لتحقيق التحول الترابي:

المستوى التشريعي والتنفيذي: الانتقال بالحكومة والبرلمان من عقلية «البرامج القطاعية المعزولة» نحو ابتكار حلول مشتركة تلامس الحياة اليومية، وتوجيه الموارد نحو الكفاءة الإنفاقية والأثر المستدام.

المستوى التدبيري والترابي: دعوة الإدارة الترابية والمصالح اللاممركزة إلى فك الارتباط بالبيروقراطية ومركزية القرار؛ إذ توضح المؤشرات الرسمية الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي البطء الملحوظ في تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري، حيث لم تتعدَّ النسبة الإجمالية المنجزة من خارطة طريق اللاتمركز الإداري 36% فقط، في حين استقرت نسبة نقل الاختصاصات ذات الأولوية في مجال الاستثمار عند 38%. وتكشف هذه الأرقام أن أزيد من 60% من خارطة الطريق والصلاحيات التقريرية الحيوية ما زالت محصورة داخل الإدارات المركزية بالرباط، مما يحرم الجهات من الموارد البشرية والمالية المستقلة اللازمة لدعم ورش الجهوية المتقدمة.

المستوى التشاركي: تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية، التي أدمجت أزيد من 4000 هيئة استشارية ضمن المجالس المنتخبة للمساهمة في تقييم المنجزات المحلية ونجاعتها. ويتوازى هذا الورش التدبيري مع رهانات استراتيجية «المغرب الرقمي 2030» لتأهيل 100 ألف موهبة رقمية سنويًا؛ إذ يمثل هذا التمكين التكنولوجي للشباب الدعامة الأساسية لتطوير آليات التشارك المدني، حيث تسهم هذه الكفاءات الرقمية الجديدة في تزويد جمعيات المجتمع المدني والهيئات الاستشارية بالأدوات الحديثة والمنصات التفاعلية اللازمة لتتبع المشاريع الترابية، وتقييم أثرها الفعلي على الأرض بجودة وشفافية عاليتين.

حكامة التنفيذ: رهان العبور نحو الأثر الملموس

بينما تتجه المملكة نحو ولاية تشريعية وحكومية جديدة تستهدف من خلالها توقعات وزارة الاقتصاد والمالية تحقيق معدل نمو استثماري مستقر يفوق 4% كمتوسط للمرحلة المقبلة، فإن الانتقال إلى مصاف الدول الصاعدة لم يعد رهينًا بسؤال الأدوات: «ماذا سنفعل؟»، بل بسؤال آلية التنفيذ على أرض الواقع: «كيف سننفذ؟».

إن هذا التحدي التدبيري والصعوبات الإدارية يتجاوزان الحلول التقنية الجاهزة ورقمنة المعاملات الجافة، ليصطدما مباشرة بالحاجة إلى معالجة السلوك البيروقراطي، المتمثل في تمسك بعض البنيات المركزية بصلاحيات القرار، وتردد المسؤولين الترابيين في المبادرة خوفًا من مساطر المراقبة. ومن ثم، يصبح تذليل عقبات مقاومة التغيير، وإرساء منظومة تقييم موضوعية تربط المسؤولية بالأثر الحقيقي على الأرض، الرهان الجوهري لتحويل الميزانيات القياسية إلى فرص شغل مستدامة وعدالة مجالية تُخرج البلاد من معوقات الوضع الراهن، وتصنع جسور الثقة المتينة بين المواطن والمؤسسات.

-باحث في التنمية الترابية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 22:16 2

الأغلبية ترحب والمعارضة تنتقد

صوت وصورة
مجلس النواب يُنصب الحكومة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 20:25 4

مجلس النواب يُنصب الحكومة

صوت وصورة
المنصوري ترد على الأزمي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 19:10 21

المنصوري ترد على الأزمي

صوت وصورة
التصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 7

التصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10 4

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 5

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة