بنيس: رئاسة بايدن لأمريكا تستوجب عملا استباقيا لدبلوماسية المغرب

بنيس: رئاسة بايدن لأمريكا تستوجب عملا استباقيا لدبلوماسية المغرب
السبت 14 نونبر 2020 - 03:00

بعد فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالرئاسة الأمريكية، يتساءل العديد من المغاربة هل سيكون لهذا الحدث تأثير سلبي على العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ما يهم قضية الصحراء.

يقول الكثيرون إن العلاقات بين البلدين عادةً ما تكون في أحسن حالاتها حينما يكون الرئيس الأمريكي من الحزب الجمهوري.

إن فترة الرئيس سابق باراك أوباما وتعامل إدارته مع قضية الصحراء لم تترك ذكريات إيجابية لدى المغاربة، ومع فوز بايدن الذي كان نائباً للرئيس أوباما كان متوقعاً أن يعبر الكثيرون عن مخاوفهم من السياسة التي سينتهجها الرئيس الجديد تجاه المغرب. كما تمنى البعض استمرار الرئيس ترامب في الحكم لأربع سنوات أخرى.

ضرورة تفادي الأحكام النمطية المسبقة

عند قراءتنا لأمور معقدة مثل العلاقات بين الدول، علينا تفادي الأحكام النمطية المسبقة والنظرة التبسيطية أو المطلقة للأمور، لأنها ليست بهذه البساطة، إذ توجد العديد من العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار. كما ينبغي تفادي الوقوع في بعض الانطباعات الخاطئة، مثل الانطباع السائد لدى الرأي العام بأن المغرب لم ينجح في إقبار خيار الاستفتاء إلا خلال السنوات الأربع الأخيرة؛ فواقع العملية السياسية يقول إن هذا الخيار لم يرد في أي من القرارات التي تم اعتمادها منذ أبريل 2007، وهو ما يظهر أن هذا الخيار لم يعد متاحاً منذ 13 سنة وليس منذ مجيء إدارة الرئيس ترامب، كما أن تواجد إدارة ديمقراطية خلال الفترة ما بين 2009 و2017 لم يغير هذا الواقع.

من جهة أخرى، صحيح أن السنوات الأربع الأخيرة كانت إيجابية إلى حد كبير بالنسبة للمغرب في ما يتعلق بالصحراء المغربية، إلا أن علينا ألا ننسى حالة الترقب والانشغال التي سادت في المملكة بعد فوز ترامب بالرئاسة، خاصةً أن هذا الأخير كان قد ذكرها من بين الدول التي تبرعت بمبلغ مهم لمؤسسة كلينتون قبيل انتخابات عام 2016.

وبالتالي، كان هناك تخوف من أن ينهج ترامب توجها عدائياً تجاه المغرب، خاصة أنه معروف بكونه رئيسا معاملاتيا (transactional) لا يأبه بتاريخ علاقات بلده مع أي بلد، بل ما يهمه هو مصالحه الشخصية ومصالح عائلته وكذا قاعدته الانتخابية.

ولم يساعد تأخر إدارة الرئيس ترامب في تعيين سفيرها في المغرب- الذي لم يلتحق بمنصبه إلا في شهر نوفمبر 2019- في بعث رسالة اطمئنان للدبلوماسية المغربية بأن واشنطن تقدر علاقاتها مع المملكة وتثمن التعاون طويل الأمد القائم بين البلدين على كل الأصعدة.

وبلغ الانشغال في الأوساط المغربية أشده مع تعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي في شهر مارس 2018. وكان مرد ذلك الانشغال المسار المهني لبولتون ومعرفته بملف الصحراء ودفاعه عن مبدأ إنهائه عن طريق الاستفتاء، وكذا بسبب قربه من إحدى شركات العلاقات العامة التي تعمل لصالح الجزائر.

لذلك كان هناك تخوف كبير من أن يعصف بولتون بكل المكتسبات الدبلوماسية التي حققها المغرب، وأهمها صرف نظر مجلس الأمن عن الاستفتاء وتأكيده على ضرورة توصل أطراف النزاع إلى حل سياسي توافقي ومقبول من الطرفين.

وحاول بولتون ترك بصمته على العملية السياسية حينما ضغط على الأمم المتحدة فور تعيينه من أجل تجديد ولاية المينورسو لستة أشهر عوض سنة واحدة.

وكنتيجة لذلك، قام مجلس الأمن بموجب القرار 2414 لشهر أبريل 2018 (أي بعد أقل من شهر من تعيين بولتون) بتجديد ولاية المينورسو لستة أشهر فقط. وكانت تلك هي المرة الأولى منذ عام 2008 التي جدد فيها مجلس الأمن ولاية البعثة الأممية لستة أشهر فقط عوض سنة. كما تم تجديد القرارين 2440 و2464 لمدة ستة أشهر كذلك.

كما حاول بولتون في شهر أبريل 2019 إعادة مسألة حقوق الإنسان في الصحراء إلى صلب النقاشات المتعلقة بالنزاع، ولم يتم الرجوع إلى الصيغة التقليدية لتجديد ولاية المينورسو إلا بعدما قام الرئيس ترامب بإقالته في شهر سبتمبر 2019.

وعلى الرغم من تواجد بولتون في السلطة وإشارته إلى مبدأ تقرير المصير في خطاب أدلى به أمام أحد مراكز الأبحاث الأمريكية في شهر دجنبر 2018، فقد استطاع المغرب إبطال مفعول سياسة الضغط التي حاول فرضها. بل الأكثر من ذلك أن الدبلوماسية المغربية نجحت في إقناع مجلس الأمن بإدخال تعديلات مهمة على لغة قراراته، كان أهمها الإشارة إلى الجزائر. وكان القرار 2440 لشهر أكتوبر 2018 هو أول مرة يتم فيها ذكر الجزائر في قرار لمجلس الأمن منذ عام 2002، ومنذ انطلاق العملية السياسية عام 2007، وهو ما يعتبر إنجازاً دبلوماسياً يحسب للمغرب.

مرونة المغرب وحنكته في التعامل مع الإدارات الأمريكية

إن الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من فترة بولتون في الإدارة الأمريكية هو أن المغرب، بعد مرور عقود من التعامل مع مختلف الإدارات الأمريكية ومن الترافع حول قضية الصحراء، امتلك نوعاً من الحنكة والمرونة في التعامل مع كل الإدارات الأمريكية، بغض النظر عن إيديولوجية الجالس في البيت الأبيض.

ومن جهة أخرى، علينا ألا نبالغ بشكل كبير في القول إن الإدارات الديمقراطية تضر بمصالح المغرب، فعلينا ألا ننسى أن إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون هي التي أقنعت المملكة بإعداد مشروع للحكم الذاتي من شأنه أن يشكل الأساس للتوصل لحل سياسي لملف الصحراء.

فإذا كان المغرب تقدم بهذا المقترح، فقد كان ذلك بناءً على تشجيع من بيل كلينتون الذي كانت تربطه علاقات قوية بالمملكة على الرغم من انتمائه إلى الحزب الديمقراطي.

كما أنه على الرغم من فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما، خاصةً ولايته الثانية التي تميزت ببعض التوتر الناتج عن مشروع القرار الذي تقدمت به واشنطن لمجلس الأمن في شهر أبريل 2013- والذي حاولت من خلاله إنشاء آلية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء وفي مخيمات تندوف- إلا أن المغرب تمكن بفضل العلاقات المؤسساتية التي بناها مع مختلف أجهزة الدولة الأمريكية، وعلى رأسها وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات، تمكن من إفشال تلك المحاولة، ولم تعاود إدارة الرئيس أوباما الكرة مرةً أخرى خلال السنوات الثلاث المتبقية من ولايته الثانية.

غياب صقور إدارة أوباما عن التشكيلة الحكومية للرئيس بايدن

على الرغم من أن الرئيس الجديد بايدن اشتغل ثمان سنوات مع الرئيس السابق باراك أوباما، إلا أن ذلك لا يعني أنه سيتبنى السياسة الخارجية نفسها التي اعتمدها هذا الأخير، أو أنه سيعتمد على الشخصيات البارزة نفسها في الحزب الديمقراطي لتدبير مختلف القضايا الملحة في أجندة السياسة الخارجية الأمريكية.

على سبيل المثال، هناك احتمالات كبيرة ألا تكون مستشارة الأمن القومي السابقة سوزان رايس – الحصان الأسود للمغرب- ضمن الفريق الحكومي للرئيس بايدن.

وعلى الرغم من العلاقة القوية التي تجمع بايدن برايس، إلا أن أول عائق يقف أمام تعيينها هو اختلاف الرؤى بينهما حول بعض من القضايا الإقليمية. على سبيل المثال فإن بايدن لم يكن من بين مؤيدي التدخل الأمريكي في ليبيا عام 2011، في وقت كانت رايس من بين أشرس المدافعين عن ذلك.

أما العائق الثاني فهو سمعة رايس السيئة في صفوف الحزب الجمهوري، خاصةً بعدما ثبت أنها لم تقل الحقيقة بخصوص مقتل السفير الأمريكي السابق لدى ليبيا، كريس ستيفنس، في شهر سبتمبر 2012 في بنغازي.

وفي حال لم يفز الحزب الديمقراطي بالأغلبية في مجلس الشيوخ فسيكون من المستحيل على رايس- في حال رشحها بايدن لمنصب وزيرة الخارجية- أن تحصل على موافقة مجلس الشيوخ. وقد يقع السيناريو نفسه الذي وقع عام 2013 حينما رفض مجلس الشيوخ الموافقة على تعيين رايس لنفس المنصب، ما اضطر الرئيس أوباما لتعيينها مستشارته للأمن القومي.

كما أن رايس لم تترك في صفوف القائمين على تدبير وتخطيط السياسة الخارجية الأمريكية انطباعاً جيداً، إذ اتهمها الكثيرون باتخاذ العديد من القرارات دون التشاور مع الأعضاء الآخرين في إدارة الرئيس أوباما، سواء تعلق الأمر بوزارة الدفاع أو وزارة الخارجية.

وربما ذلك هو ما يفسر مشروع القرار حول الصحراء الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية لمجلس الأمن في أبريل 2013، إذ تحدثت بعض الأنباء آنذاك عن أن ذلك القرار لم ينبع من وزارة الخارجية أو من البيت، وعن أن رايس لم تتشاور مع وزير الخارجية آنذاك جون كيري.

بالإضافة إلى ذلك فإن الخطاب الذي اعتمده الرئيس المنتخب جو بايدن خلال حملته الانتخابية ركز على ضرورة إعادة توحيد ولم شمل المجتمع الأمريكي بعد السنوات الأربع التي قضاها الرئيس ترامب في البيت الأبيض، والتي نهج فيها سياسة فرق تسود وأعطى الانطباع بأنه رئيس لقاعدته الانتخابية فقط وليس رئيساً لكل الأمريكيين.

من هذا المنطلق فمن المحتمل أن يعمل بايدن على مد يده للحزب الجمهوري وأن يقوم بتعيين إحدى الشخصيات البارزة في هذا الحزب لتقلد إحدى الحقائب الوزارية الرئيسية.

خبرة بايدن طويلة الأمد في السياسة الخارجية

من جهة أخرى، ما يميز الرئيس المنتخب بايدن عن الرئيس السابق باراك أوباما هو خبرته الطويلة في مجال السياسية الخارجية، التي راكمها خلال أربعة عقود اشتغل فيها سناتوراً عن ولاية ديلاويير وعضواً بارزاً ورئيساً للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ خلال الفترة ما بين 2001-.2009، بالإضافة إلى منصبه كنائب للرئيس أوباما؛ وقد كانت خبرته ودرايته بالسياسة الخارجية الأمريكية من أهم الأسباب التي دفعت أوباما لاختياره ليكون نائباً له.

وبفضل الخبرة التي راكمها بايدن واحتكاكه بالعديد من قادة الدول وتشبثه بالدور التقليدي للولايات المتحدة في الخريطة الدولية، والحفاظ على التوازنات التي تتميز بها علاقات بلاده مع مختلف حلفائها، فمن المحتمل أنه سيعمل على الحفاظ على التوازنات نفسها وعلى وضع مصالح شركاء بلاده الإستراتيجيين في عملية صنع القرار في الحسبان.

وقد استعمل بايدن في العديد من الأحيان العلاقات الشخصية التي نسجها مع العديد من رؤساء الدول لتعزيز فرص نجاح جهوده الدبلوماسية حينما كان نائباً للرئيس أوباما.

كما أن الرئيس المنتخب سبق أن زار المغرب في نوفمبر 2014 والتقى بالملك محمد السادس؛ ولا شك أن المسؤولين المغاربة أطلعوه على كل كبيرة وصغيرة تتعلق بالصحراء وبالدور المحوري الذي تلعبه الجزائر في إطالة أمده، وكذا الدور الذي يضطلع به المغرب في الحفاظ على استقرار المنطقة وفي الحفاظ على المصالح المشتركة للبلدين.

إن الخبرة التي راكمها الرئيس المنتخب طوال خمسة عقود، وكذا الانطباع الذي أخذه عن المغرب حينما زاره، تؤهله ليعرف بشكل دقيق الأهمية الإستراتيجية التي تكتسيها قضية الصحراء بالنسبة للرباط وما تنتظره هذه الأخيرة من واشنطن من أجل لعب دور بناء في التوصل لحل سياسي يحفظ مصالح المملكة ويحافظ على استقرار المنطقة، أو على الأقل الحفاظ على حيادها الإيجابي.

كما أن بايدن كان شاهداً على التوتر الذي طرأ على العلاقات بين الرباط وواشنطن بسبب مشروع القرار الذي اقترحته هذه الأخيرة على مجلس الأمن عام 2013، وتراجعت عنه.

كما كان شاهداً على انزعاج المغرب من الضغط الذي مارسته عليه الولايات المتحدة إثر الجدل الذي أثارته التصريحات التي أدلى بها الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، حينما زار مخيمات تندوف في شهر مارس 2016 ووصف التواجد المغربي في الصحراء بـ”الاحتلال.

ومن ثم فإن احتمال أن تتبع إدارة الرئيس بايدن السياسة نفسها غير وارد، خاصةً أن المغرب يتمتع بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة.

فالمغرب هو البلد الأفريقي الوحيد الذي لديه اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، كما يعتبر إلى جانب مصر وتونس الدول الأفريقية الوحيدة التي تعتبرها الولايات المتحدة من حلفائها الرئيسيين خارج حلف الناتو (Major non NATO Ally). وتعتبر الولايات المتحدة المغرب كذلك من الركائز الأساسية التي تعتمد عليها في مواجهة التحديات التي تهدد شمال إفريقيا والساحل، وأهمها الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة.

كما أن المغرب من أهم مستوردي الأسلحة الأمريكية، ويعتبر الاتفاق العسكري الذي وقع عليه في أكتوبر الماضي مع الولايات المتحدة، والذي سيتم تنفيذه على مدى عشر سنوات، مؤشرا جيدا على حرص البلدين على تعزيز تعاونهما في المجال الدفاعي والأمني للحفاظ على مصالحهما ومواجهة التحديات الإقليمية المتنامية.

انتهاء صلاحية ورقة التطبيع مع إسرائيل مقابل الحصول على الدعم الأمريكي

من جهة أخرى، لن تتعرض الرباط خلال السنوات الأربع القادمة لنفس الضغوطات التي تعرضت لها من طرف إدارة الرئيس ترامب لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل مقابل الحصول على دعم واشنطن أو اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء. فمعلوم أن السياسة التي نهجها ترامب في الشرق الأوسط لم تكن نابعة من إعادة تقييم شامل للسياسة الخارجية الأمريكية أو مبنية على إجماع بشأن توجهاتها الجديدة في الشرق الأوسط، بل من الحسابات الشخصية للرئيس ترامب وصهره، جارد كوشنر.

وقد كان الهدف من الجهود التي قام بها ترامب لإنهاء العزلة الدبلوماسية لإسرائيل وتعزيز قبضتها على الأراضي الفلسطينية إرضاء المسيحيين الإنجيليين، الذين لعبوا دوراً حاسما في وصوله للبيت الأبيض عام 2016. ومن جهة أخرى فإن تلك الجهود كانت نابعة من المصالح الشخصية لجارد كوشنر وارتباطه الديني والعاطفي والمالي بإسرائيل، إذ يعتبر إسرائيل موطن الشعب اليهودي. كما أن عائلة كوشنر قدمت لسنوات عديدة دعما ماديا سخيا للعديد من المستشفيات اليهودية في الولايات المتحدة وفي إسرائيل، وكذا في المستوطنات المتواجدة في الضفة الغربية. كما تربط عائلة كوشنر علاقة وطيدة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالإضافة إلى الاستثمارات التي يمتلكها كوشنر في إسرائيل وحصوله على قرض من إحدى البنوك الإسرائيلية.

وعلى عكس الرئيس ترامب، فإن الرئيس بايدن سيعتمد على خبراء لهم باع طويل في تدبير ملفات السياسة الخارجية ولهم دراية بالتوازنات التي تعمل واشنطن على الحفاظ عليها، وكذا التحالفات التي تعتمد عليها من أجل الحفاظ على مصالحها وعلى استقرار المناطق التي تعتبر ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لها ولحلفائها. وإن كان من المستبعد جداً- إن لم نقل مستحيل- أن يقوم بايدن بإلغاء القرارات التي اتخذتها الإدارة الحالية بخصوص الصراع العربي-الإسرائيلي، كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلا أنه لن ينهج نفس الأسلوب المتعجرف ضد الفلسطينيين، ولن يعمل على خدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ كما لن يسمح له بتنفيذ خطته لضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وفي الآن نفسه، فمن المستبعد أن يقوم بايدن بمقايضة تطبيع دول عربية أخرى، من بينها المغرب، لعلاقاتها مع إسرائيل مقابل الحصول على رضا واشنطن؛ بل سيسعى إلى إعادة التوازن لطريقة تدبير واشنطن لهذا الملف وإحياء علاقاتها مع السلطة الفلسطينية والتأكيد على حل الدولتين، وإن كانت حظوظ تحقيق ذلك قد تلاشت بشكل شبه كلي. وبالتالي فلن نشهد في الفترة القادمة تسريبات توحي بأن المغرب سيقوم بتطبيع علاقاته مع إسرائيل مقابل الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء. ولم تكن تلك التسريبات سوى بالونات اختبار عمل المقربون من محيط جارد كوشنر ومن رئيس الوزراء الإسرائيلي على الترويج لها من أجل الضغط على المغرب وإعطاء الانطباع بأنه مستعد للقيام بهذه الخطوة.

ضرورة تبني سياسة استباقية لإحباط دسائس خصوم المغرب

لا يمكن لأي كان التنبؤ بشكل دقيق بطريقة تدبير بايدن للعلاقات المغربية-الأمريكية؛ غير أن ما هو مؤكد أن هذه العلاقات تميزت بالثبات والاستقرار وتوافق الرؤى بخصوص مختلف القضايا الإقليمية والدولية خلال العقود الستة الماضية، بغض النظر عن الحزب الحاكم، على الرغم من ظهور بعض التوترات بين الفينة والأخرى، التي يتم في الغالب احتواؤها بشكل سريع.

كما أن ما هو مؤكد أن نزاع الصحراء يعتبر نزاعاً ذا حدة ضعيفة (low intensity conflict) ولا يشكل تهديدا لاستقرار المنطقة أو للمصالح الأمريكية؛ وبالنظر لقلة حساسية وخطورته، فلن يكون ضمن أولويات الرئيس بايدن؛ وبالتالي فإن تدبيره بشكل عام سيبقى في يد الدبلوماسيين المتمرسين، وليس في يد المقربين من الرئاسة. ولعل ذلك هو ما يفسر إلى حد ما عدم وقوع تغيير في موقف الإدارة الأمريكية تحت إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب.

كما أن ما هو مؤكد أن خصوم المغرب سيحاولون في الفترة القادمة مضاعفة جهودهم لنسف المكتسبات الدبلوماسية التي حققها خلال السنوات الماضية، وسيعملون على التعاقد مع شركات العلاقات العامة المقربة من الديمقراطيين، وكذا التقرب من الشخصيات المؤثرة في هذا الحزب، لتأليبها ضد المغرب من خلال استعمال خطاب المظلومية وسردية الدفاع عن حقوق الإنسان.

إن العاصمة الأمريكية واشنطن تعتبر مسرحاً تتنافس فيه مختلف الأطراف للتأثير على صناع الرأي وأعضاء الكونغرس وأعضاء الإدارة الأمريكية لتبني السردية التي يحاولون الترويج لها، ومن ثم أجندتهم. وتكون الغلبة للجهة التي تتعامل مع الأمور بشكل استباقي وتحسن التواصل مع الجهات المؤثرة في عملية صنع القرار في واشنطن، وتنجح في إقناعها بأحقية ومشروعية قضاياها وبأهميتها داخل التحالفات الإقليمية والدولية التي تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيزها من أجل الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية.

ولا شك أن الجزائر والبوليساريو سيعملان على مضاعفة جهودهما لمحاولة نسف العملية السياسية الأممية وإرجاعها إلى المربع الأول من خلال إحياء خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان في الصحراء ومسألة الاستفتاء، ومحاولة الضغط على المغرب وجعله في وضعية الدفاع كما كان الشأن في بعض الفترات خلال الولاية الثانية للرئيس السابق باراك أوباما. ولا شك أن الدبلوماسية المغربية ستكون على المحك خلال الفترة القادمة للبناء على مكتسباتها والحفاظ على الوضع القائم والحيلولة دون وقوع أي تطور يتعارض مع مصالح البلاد.

فعلى الدبلوماسية المغربية أن تأخذ علماً بأن الرئيس بايدن سيكون تحت ضغط الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي من أجل جعل مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الحريات الفردية وحرية الصحافة في صلب الخطاب السياسي للإدارة الأمريكية الجديدة. ومن ثم، على المغرب الانتباه إلى هذه المسألة وتفادي وقوع أي تجاوزات أو خروقات لحقوق الإنسان أو لحرية الصحافة من شأنها أن تشكل أداة يمكن لخصومه استعمالها ضده للترويج لسرديتهم بخصوص ضرورة مراقبة حقوق الإنسان في المملكة. فلا شك أن الجزائر والبوليساريو سيعملان على محاولة إحياء هذا النقاش وسيتواصلان مع أعضاء الكونغرس المهتمين بهذه القضايا لإقناعهم بالضغط على المغرب.

وبالتالي، فعلى السلطات المغربية القيام بعمل استباقي على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي ومضاعفة جهودها على كل الأصعدة من أجل ضمان حفاظ الولايات المتحدة الأمريكية على حيادها الإيجابي، وتفادي وقوع توتر من شأنه أن يؤثر على متانة العلاقات بين البلدين وأن يوفر فرصة مناسبة لخصوم المغرب لإلحاق الأذى بمصالحه الإستراتيجية.

*مستشار ومحلل سياسي

‫تعليقات الزوار

10
  • مغرب العز والكرامة
    السبت 14 نونبر 2020 - 04:03

    دبلوماسي ملكنا الغالي تجدب الا الارباح مع الجميع في اي مجال نعم العمل الصالح في المجتمع الصالح عقل ورزانة وخدمة ووطنية لوطنه اطال عمره ويرزقه الله الصحة والعافية ويصلح له ولي العهد الأمير الجليل مولاي الحسن اقول لكم يوم الفرج قريب انشاء الله على الاعداء لا تقنطوا

  • خالد خالد
    السبت 14 نونبر 2020 - 04:10

    تحليل اكاديمي منطقي ورائع من ديبلوماسي كبير واريد ات اضيف نقطتين ايجابيتين ممكن ان يستفيد منهم المغرب بعد حكم الديمقراطيين
    اولا هناك احتمال كبير ان يتم تعيين احد ابرز صقور ديمقراطيين وهي هيلاري كلنتوم في منصب حساس في بيت ابيض
    تانيا كما هو معروف دائما في فترة حكم ديمقراطيين تنهار اسعار النفط وهدا يخدم المغرب من الجهتين من جهة سيخفض فاتورة المغرب من استراد نفظ والغاز ومن جهة سيخفض فاتورة دعم وتسلح التي تخصصها الجزاير لاعداء بلدنا

  • اللوبي
    السبت 14 نونبر 2020 - 04:16

    اللوبي اليهودي المغربي هو من سيكون في الدفاع عن مصالح المغرب كالمرات السابقة ولهم صوت في اسرائل الدي سيوتر على القرار الامريكي وهدا اللغز الدي يصعب على الجزائر تفكيكه.انا ليس بيهودي ولكن اراقب على الوضع من بوعد

  • نورالدين المعتدل
    السبت 14 نونبر 2020 - 08:38

    صراحة وبعد القراءة الدقيقة لابتسامات بايدن يبدو انها تخفي الكثير …غير الله يلطف اصافي .. من المألوف جدا أن الخطاب السياسي قد لا يترجم الى عمل ميداني بنسبة مئة في المئة وهذا عادي جدا لكن ان تكون الابتسامة كشعور وحس تخالف العمل فهنا يكمن الخطر ومن هنا يجب على الدبلوماسية المغربية الحيطة والحذر.

  • صحراوي
    السبت 14 نونبر 2020 - 08:43

    مجرد تساؤل:
    لماذا التخوف من بايدن الصديق الحميم للمغرب!!!؟؟؟
    ألم يحتفل بعيد ميلاده في المغرب، حيث أدّت له تشكيلة من القوات الجوية الملكية التحية الرسمية، كما عزفت له الفرق العسكرية الموسيقية لحنَ – عيد ميلاد سعيد -. ولأنّ الأمر يتعلّق بـ"ضيف" متميّز، استقبله الجالس على العرش.
    وصرح لوسائل الإعلام العالمية شكره للمغرب على هذا الاستقبال – الحميمي-، مؤكّدا أمام جمع من الصّحافيين أن – المغرب والمغاربة يحتلون مكانة خاصة في قلوب الأمريكيين- ، مذكّراً العالم وبسرور واضح أن المغرب كان أول دولة تعترف بالولايات المتحدة الأمريكية منذ 270 عامًا.ـ

  • الصحراء مغربية
    السبت 14 نونبر 2020 - 12:18

    ذل و هوان اذا كان المغرب دولة و كانت امريكا دولة فلماذا تستنجد الاولى بالثانية الاحرى لها الاستنجاد بالامم المتحدة. من هنا يتضح ان الدول العربية و الاسلامية أكل عليها الدهر و شرب
    و اضحت تمتهن التسول

  • محمد الحمداوي
    السبت 14 نونبر 2020 - 14:47

    صحيح ان الرئيس المنتخب السيد بايدن له دراية بالسياسة الخارجية ،لكنه سيهتم بموضوع الصحراء المغربية لسبب بسيط وهو انه سيضع في اعتباره خطر تواجد نفوذ روسيا على حوده اذا اخذنا في عين الاعتبار ان المغرب يعتبر جيوسياسية له حدود مع امريكا كما سبق للمغفور له الحسن الثاني ان صرح به ان المغرب جار لامريكا.
    الجدير بالذكر ان الاتحاد السوفياتي كان داءما يحلم بالوصول إلى المياه الدافئة وقد تاتى ذلك لروسيا حليت في سوريا والاجزاء وربما ليبيا .ولذلك يتعين على المغرب ان يلعب ورقة تحريك هذه الورقة لامريكا والغرب.
    ما معنى أن يصرح السيد بوتين ان الجزاءر لها أولوية في سياسة روسيا!؟؟؟ وتسليم روسيا لأسلحة جد متقدمة!؟؟ رغم انعدام قيادة واستمرار في الجزاءر؟؟؟

  • مهاجر مغربي
    السبت 14 نونبر 2020 - 19:01

    الرئيس الا مريكي بايدن انتخب ليعمل للامة الامريكية ، اما الدولة المغربية و الدول العربية انبطحت لترامب وتهدبداته الشخصية وجميع علاقته كانت مصالح شخصية .اما الديمقراطيين في مرحلة اوباما وبايدن تطالب الحكام العرب بالتغيير وتطبيق الديمقراطية التي وعادوها كلينتون لكن الواقع زاد السيسي انقلب على الرئيس الشرعي والمغرب لا وجود لحقوق المواطن السجون اكثر من المدارس ،ااخ ، الجزاء ر الحكم العسكري مازال قائما في الكرسي .الواقع جميع الدول العربية حكاما وشعوبها امام حقيقة واحدة وهي التخلي عن الحكم الاستبدادي وان هذا الرئيس له تجربة في السياسة الخارجية اكثر من حكام العرب فهو يعرفهم وهم اطفال كولي عهد وامير .الحصول كل المحللين المغاربة اما اغبياء او تنقصهم الذاكرة.

  • المفسدين
    الإثنين 16 نونبر 2020 - 14:11

    كان على المغرب ان يصنع السلاح بيده السلاح المتطور هو الوحيد القادر ان يحمي بلدنا الحبيب بدليل في القراءن
    واعدو لهم ماستطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واخرين من ذونهم لاتعلمونهم

  • عبد الله
    السبت 21 نونبر 2020 - 22:34

    شكرا لصاحب الموقع
    لقد تبين لي أننا نجعل راجنا في أمريكا
    الم تقولوا أن المغرب هو من اكتشف أمريكا كيف وقع حتى أصبحت أمريكا دولة عظيمة حتى أصبحنا ننوي فيها الخير ألم تسألوا أنفسكم لمادا أين الخلل أقول لكم الخلل لما نجد دولة كافرة تفرض على حكام المسلمين حقوق الانسان رغم أن كتابنا ونبينا يأمرنا بالاحسان
    ندعي الاسلام نؤمن بالقرأن ولانعمل به هدا هو الخلل يجب مراجعة أنفسنا ونكون على يقين اننا لايصبنا الا ماكتبه الله عزوجل لنا لو اتقينا الله عزوجل حسن تقاته سنكون في مؤمن وحصن محصن ولكن مع الاسف وضعنا القرأن وراء ظهورنا واتبعنا مادا قال البيت الابيض

  • رانيا اليماني
    السبت 12 دجنبر 2020 - 21:49

    الاعتراق بالصحراء المغربية من طرف امركيا اعتقد مكسب كبير مقابل علاقات مغربية اسرائيلة معلنة…حان الوقت لقطع الطريق على الجماعات والاحزاب التي تسترزق من القضية الفلسطينية
    خطوة جريئة من الدولة العربية التي اعلنت صلح جزئي مع اسرائيل..لعله خير

صوت وصورة
مشاريع تهيئة الداخلة
الأربعاء 27 يناير 2021 - 21:40 3

مشاريع تهيئة الداخلة

صوت وصورة
انفجار قنينات غاز بمراكش
الأربعاء 27 يناير 2021 - 20:24 13

انفجار قنينات غاز بمراكش

صوت وصورة
أشهر بائع نقانق بالرباط
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:54 22

أشهر بائع نقانق بالرباط

صوت وصورة
انهيار بناية في الدار البيضاء
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:30 5

انهيار بناية في الدار البيضاء

صوت وصورة
مع بطل مسلسل "داير البوز"
الأربعاء 27 يناير 2021 - 10:17 11

مع بطل مسلسل "داير البوز"

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 14

كفاح بائعة خضر