تمرين ديمقراطي فاشل

تمرين ديمقراطي فاشل
الأحد 26 ماي 2013 - 17:40

دخلت الأزمة الحكومية أسبوعها الثاني، ولا حل في الأفق. حزب الاستقلال يلعب آخر أوراقه للضغط على بنكيران من أجل الاستجابة لمطالبه المعلنة والخفية، ورغم أنه أحال قرار تعليق مشاركته في الحكومة على الملك، فإنه لم ينتظر «التحكيم» الملكي، وسارع إلى اقتراح أكثر من حل. مرة يقول شباط إن المخرج من الأزمة هو حكومة وطنية، ومرة يقول إن خروج بنعبد الله وحزبه هو بداية الحل، وهكذا تستمر الحرب المفتوحة بين المصباح والميزان، وكل الأسلحة مشروعة، بما فيها المحظورة أخلاقيا وسياسيا.

عبد الإله بنكيران يواصل العمل بسياسة: «أكبر عقاب لخصمك أن تتجاهله وألا ترد عليه، وكأنه غير موجود إطلاقا». رئيس الحكومة أوعز للناطق باسم هذه الأخيرة، مصطفى الخلفي أول أمس، بأن يقول أمام الصحافيين: «إن الحكومة مازالت تحظى بثقة جلالة الملك»، رغم أن الخلفي ناطق باسم الحكومة وليس باسم القصر ولا الملك، لكن الجميع فهم الرسالة… لا يمكن للحكومة أن تتحدث باسم الملك إذا لم يكن هناك ضوء أخضر صدر لها لكي تقول ما قالته. هذا معناه أن بنكيران في وضع أفضل من خصمه شباط، إلى الآن على الأقل، شباط الذي فقد أعصابه في الآونة الأخيرة، لكن مازالت في يد النقابي أوراق للعب يضغط بها على أكثر من طرف ليجدوا معه حلا.

حزب الأحرار، ورغم أنه «خلق» لكي يكون «عجلة بديلة» «roue de secours» فإنه بقي وفيا لطبيعته.. حزب لا يتحرك بدون «ريموت كونترول». تصريحات مزوار «المتناقضة» تقول: أريد دخول الحكومة لكن الغالب الله.

كان يمكن أن تكون «الأزمة» بين الغريمين، الاستقلال والعدالة والتنمية، مناسبة لدخول تمرين ديمقراطي ودستوري جيد ومفيد لصحة التجربة الديمقراطية ما بعد الدستور الجديد، لكن الفاعلين الحزبيين، للأسف، «أفسدوا» هذا التمرين، مرة عندما استعمل حزب الاستقلال الفصل 42 من أجل الاختباء وراء ظهر الملك في الصراع مع رئيس الحكومة، دون مراعاة لمبدأ استقلال القرار الحزبي، ولا للتأويل الديمقراطي للدستور، الذي يطمح الديمقراطيون إلى جعله أداة لتقوية الطابع البرلماني لنظامنا السياسي، والتقليل تدريجيا من الطابع الرئاسي. أما المرة الثانية التي «أُجهض» فيها التمرين الديمقراطي، فهي عندما رد بنكيران على خصمه بأسلحته نفسها، أي الاختباء وراء الملك بادعاء أن الحكومة مازالت تحظى بثقة الملك، مع أن الملك ليس هو من سيصوت على القوانين في البرلمان إذا فقدت الحكومة الأغلبية، ولا هو من سيعصم الحكومة من ملتمس رقابة يمكن أن يسقط المؤسسة التنفيذية…

الحكم هو عملية «تفاوض» مستمرة، وتقنيات الخروج من الأزمات، وقرارات استراتيجية لا تبنى فقط على أخطاء الخصوم، بل على تخطيط بعيد المدى…

ماذا لو ذهبنا إلى انتخابات سابقة لأوانها من أجل الخروج من الأزمة والدخول إلى مرحلة جديدة من انبثاق حكومات منسجمة وبرلمانات عصرية، ومشهد حزبي «عقلاني» وليس مبلقنا. الانتخابات تكلف جوالي 80 مليار سنتيم، ولمدة شهر أو أقل خسرت البلاد أكثر من هذا الرقم في المجال الاقتصادي والاستثماري منذ دب الخلاف بين المصباح والميزان.

لقد خسرت ميزانية البلاد مليارات الدراهم بسبب التلكؤ في إصلاح صندوق المقاصة، وأكثر من هذا.. لا توجد ضمانات بعدم تجدد الخلاف بين «الضرتين» شباط وبنكيران، وستخسر البلاد أكثر إذا لم يتغلب كل الأطراف على الخوف من صندوق الاقتراع. ألم يصبح الخيار الديمقراطي أحد ثوابت المملكة إلى جانب الإسلام والنظام الملكي والوحدة الترابية؟

شعبية حزب العدالة والتنمية التي يخشاها الكثيرون لن تتآكل بمعارضة شباط، أو تكبيل رجلي بنكيران، أو مناورات التلفزيون الرسمي عبر الأثير، بالعكس، كل هذه التوابل لن تزيد «المصباح» إلا توهجا، لأنها ستعطيه عن حق أو عن باطل غطاء ليظهر بمظهر الضحية، الحزب الذي كان يريد أن ينقذ المغرب من أزماته لكن خصومه منعوه من ذلك بطرق غير مشروعة.

الذي سيحكم على شعبية الحزب وقوته في المستقبل أو ضعفه، هو احتكاكه بالسلطة وإدارته للملفات والسياسات العمومية والقرارات الصعبة وقدرته من عدمها على إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية لبلاد على حافة الإفلاس.

❊ مدير نشر “أخبار اليوم المغربية”

‫تعليقات الزوار

12
  • زكرياء
    الأحد 26 ماي 2013 - 19:15

    " شعبية حزب العدالة والتنمية التي يخشاها الكثيرون لن تتآكل بمعارضة شباط، أو تكبيل رجلي بنكيران، أو مناورات التلفزيون الرسمي عبر الأثير، بالعكس، كل هذه التوابل لن تزيد «المصباح» إلا توهجا، لأنها ستعطيه عن حق أو عن باطل غطاء ليظهر بمظهر الضحية، الحزب الذي كان يريد أن ينقذ المغرب من أزماته لكن خصومه منعوه من ذلك بطرق غير مشروعة."

  • patriote
    الأحد 26 ماي 2013 - 19:51

    YA WACHE AYTILINE GH GRE IFOLLOSNE IFFIYASNE AMANE.
    هذا المثل الامازيغي معناه ان ديكا طائشا يمكن ان يكون سببا في سكب الماء وبالتالي هلاك الدجاج عطشا.
    اظن ان ديكنا الطائش يتبختر وينفش ريشه هذه الايام
    ميزانكم اصابه الخلل
    فاتكم الكضار يا حزب الاستغلال

  • abou fus
    الأحد 26 ماي 2013 - 22:23

    هذا عين العقل:

    "شعبية حزب العدالة والتنمية التي يخشاها الكثيرون لن تتآكل بمعارضة شباط،
    أو تكبيل رجلي بنكيران، أو مناورات التلفزيون الرسمي عبر الأثير، بالعكس،

    كل هذه التوابل لن تزيد «المصباح» إلا توهجا، لأنها ستعطيه عن حق أو عن

    باطل غطاء ليظهر بمظهر الضحية، الحزب الذي كان يريد أن ينقذ المغرب من

    أزماته لكن خصومه منعوه من ذلك بطرق غير مشروعة."

    أليس هذا ما يقع اليوم بكل وضوح؟؟؟

    منذ الأزل المغربي والحكومات تتعاقب ولم يحدث أن تم عرقلة وفرملة

    حكومة من الحكومات بمثل هكذا طريقة، معارضون ومن كل الأصناف

    حتى قبل أن تنصب الحكومة ،وقبل المصادقة على قانون المالية

    معارضة تليها معارضة وقد كان حسن طارق الاتحادي نبيها حينما اعتبرها

    معارضة بهلوانية في وقتها وفي شكلها وفي طرقها وفي خرجاتها

    الكل يعارض حتى القناة الثانية المفلسة أصلا نسأل لماذا؟؟؟؟؟؟

    جاؤوا بشباط بعدما فشل الجميع لماذا ؟

    كان الأجدر قول :لانريد أن تحكمنا

    العدالة والتنمية=الإسلاميون

  • sadi9
    الأحد 26 ماي 2013 - 23:15

    للنجاح درجاة صعود وللفشل سلا لم هبوط.حزب الميزان اخترع ازمة وبعدها تسرع في اقتراح الحلول ضاربا عرض الحائط مبدئ وجهة نظري ووجهة نظرك ووجهة نظر طرف محايد اي التحكيم.حزب القنديل رد بالصمت وقيل ان الحكمة عشرة اجزاء تسعة منها في الصمت والعاشرة في اعتزال الناس.اما عن حزب الاحرار فقد غابت حريته في اتخاذ القرار.هو بالفعل تمرين ديمقراطي سيد بوعشرين ولكن الدستور الجديد لا يزال في مهده ولم يعتد سياسيو بلادنا على دساتير تفصل السلطات بشكل واضح والبرلمان لن يكون قويا الا اذا زاد من مستواه الحالي في الدستور كنظام في التحكيم.العدالة والتنمية حزب معارض بالاساس ويظم احلام الملايين في المغرب وهي رئية بلدهم يحكم من طرف اشخاص تستطيع ان تنتقدهم على الملئ مهما تبوئو مناصب عليا في البلاد دون ان تخاف على تحليلك او تقريرك او كميرتك او كلمت حق تقال في حقك او حق غيرك.

  • محمد
    الإثنين 27 ماي 2013 - 03:05

    العدالة والتنمية هو الحزب الذي يريد الناس أن ينقذ المغرب من أزماته لكن خصومه منعوه من ذلك بطرق غير مشروعة.

  • معادلة فارغة
    الإثنين 27 ماي 2013 - 07:05

    كيف لأحزاب تدافع عن رموزها أكثر ماتدافع عن مصالح الشعب أن تتطلع لمطالب الشعب وكيف لأحزاب تبحث عن هويتها و تهتز عقيدتها بعد الوصول لكراسي الخشب أن تصل لمستوى خدمة الشعب وتملك قوة لإزاحة جبل الملفات المتراكمة عن طريق التقدم

  • رضــا
    الإثنين 27 ماي 2013 - 10:47

    أخي بوعشـريـن, لقـد أحسنـت في تحليلـك للوضـع السيـاسـي الراهـن, الحمـد للـه علـى وجـود صحـافـة محترفـة في وطننـا الحبيـب.

  • منا رشدي
    الإثنين 27 ماي 2013 - 11:43

    " بن كيران " تحالف مع " عباس الفاسي " الذي إحتل حزبه ( الإستقلال ) للمرتبة الثانية في تشريعيات 2011 حينها كان " الفاسي " يرأس الحزب وبرنامج الحزب الإنتخابي ٱنذاك هو من أعطاه المرتبة الثانية ! " شباط " ورث الحزب وهو في الحكومة التي سطرت سياسة حكومية لأربع سنوات ببرامج واضحة إتفق عليها التٱلف الحكومي وما على " شباط " أخلاقيا إلا الإلتزام بتعاقدات السابقين له في رئاسة الحزب ! أما الإبتزاز الشباطي الحالي فهو لعب مراهقين يريدون إثبات الذات ليس إلا !
    لنفترض أن الحركة الشعبية عقدت مؤتمرها وجاء بقيادة جديدة ، هل معنى ذلك مطالبة " بن كيران " بتعهدات جديدة ؟ هذه ليست سياسة إنما تخرميز سياسي سيدخل الأحزاب والحكومات داخل متاهة لا مخرج منها قد تنتهي بإنتخابات سابقة لأوانها ! فمن يضمن غدا عدم تكرار بدعة " شباط " ؟
    إلتزامات التحالف الحكومي تظهر أن " بن كيران " على صواب ! فإن أراد " شباط " الشرعية فليبحث عنها في صناديق الإقتراع المباشر وليس شرعية صناديق حزب الإستقلال !

  • متتبع سياسي
    الإثنين 27 ماي 2013 - 12:37

    هناك تناقض في كلام صاحب المقال حيث يقول قي بدايته"حزب الاستقلال يلعب آخر أوراقه للضغط على بنكيران من أجل الاستجابة لمطالبه المعلنة والخفية"، لكي يعود ويقول في فقرة لاحقة عكس هذا الكلام بقوله "لكن مازالت في يد النقابي أوراق للعب يضغط بها على أكثر من طرف ليجدوا معه حلا". ببساطة شديدة، ليست الكائنات السياسية من أحزاب وغيرها هي فقط من تتخبط في أزمات قيميةـ إيديولوجية وفكرية بل هناك أزمة لا تقل خطورة وتتجلى في الضحالة الفكرية والسياسية واللغوية لما يسمى "مثقفين ""وصحفيين". شخصيا أخجل و أشعر بالحرج في مقارنة تدخلات وتحليلات الساسة والصحافيين المغاربة بنظرائهم في بلدان أخرى كمصر مثلا، ما سبب هذا الإنحطاط في المستوى الأكاديمي و اللغوي وفى مستوى تحليل الخطاب السياسي و غير السياسي بالمغرب، هل يا ترى مستوى التعليم المتدني أم أن ذلك يتجاوزه لأى عوامل جينية، لا أدري

  • saifeddine
    الإثنين 27 ماي 2013 - 16:28

    تحليل جيد اسي بوعشرين تحليل و اقعي علمي يضع النقط على الحروف و لكن هل التماسيح و العفاريت و منهم شباط يفهم هذا لا يمكنهم فهم هذا لأن صاحب الحاجة أعمى و من كانت حاجته هي مصالحه و مصالح زبنائه و المناصب التي يبحث عنها يبقى اعمى حتي ينطح الحيط حينها سيعلم أنه كان مخطئا و عندها لن يكون عليه إلا مسح الدم الذي يخرج من جبينه و يلملم نظارته المكسورة و يجلس إلى الأرض من ليسترجع وعيه من شدة الضربة التي تصيبه جراء صدمه الحائط.

  • أبو سامي
    الإثنين 27 ماي 2013 - 16:57

    لقد أحسنت في تحليلك يا سيد بوعشرين، ولماذا لاتكون انتخابات سابقة لأوانها؟ ولكن بنمط اقتراع يمكن من افراز أحزاب فائزة بأغلبيات محترمة تضع حدا للبلقنة الحزبية الموجود داخل البرلمان حاليا ، وحتى نرتاح من شباطيات هذا الجشع المراهق السياسي ولتكن صناديق الاقتراع هي الفيصل وولد النعجة يأكله الذئب!

  • أوعزّي لحسين
    الإثنين 27 ماي 2013 - 20:13

    كلّ التّكهّنات كهنوتية في حقّ السّياسة فالبلاد السّعيدة لأنّ صناديق لّعاقا هي الّتي تحدّد و ترسم الطّريق الرّشيد تحت مظلّة حامي حمى …

    خويا بوعشرين الذهب الخالص كايدوز فالنّار باش يتصفّا مليح و تصنع به لّي حبّينا و التّمنيا8 قال بروكسيل و لّعاقا و الحسد و دابا كاري حنكو
    لمغرب بلاد لعزّ و النّصر و تفو علغشّاش

صوت وصورة
مع فاطمة الزهراء القرطبي
الجمعة 26 فبراير 2021 - 13:53

مع فاطمة الزهراء القرطبي

صوت وصورة
أسرة دون معيل
الجمعة 26 فبراير 2021 - 12:50

أسرة دون معيل

صوت وصورة
رواج تجارة التمور بكلميم
الجمعة 26 فبراير 2021 - 11:36 3

رواج تجارة التمور بكلميم

صوت وصورة
طريق مهملة بالدار البيضاء
الجمعة 26 فبراير 2021 - 10:36 1

طريق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
دار الورد العطري
الخميس 25 فبراير 2021 - 18:39 2

دار الورد العطري

صوت وصورة
غضب مهنيي النقل السياحي
الخميس 25 فبراير 2021 - 17:39 3

غضب مهنيي النقل السياحي