حسناء بوعزّة .. مغربيّة تعمل على محاربة "تنميط الجاليات" بهولندا

حسناء بوعزّة .. مغربيّة تعمل على محاربة "تنميط الجاليات" بهولندا
الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 23:00

اضطرّت حسناء بوعزّة، مغربيّة الأصل هولندية الجنسية، إلى تغيير وعائها الثقافيّ قبل تحقق الوعي لديها بوجودها، لكنّها سرعان ما عادت، عند وصولها إلى مرحلة الاختيار في حياتها، إلى الفعل في الثقافة من أجل الفعل بالثقافة؛ وبذلك كرّست كلّ جهدها المهنيّ، وشقّا غير يسير من حياتها الشخصيّة، لكسر الصور النمطيّة التي تُتداول بهولندا بخصوص من يعيشون على الضفّة الجنوبيّة من الحوض المتوسطيّ عموما، ومن يتواجدون بالتراب المغربيّ، أو ينحدرون منه أصلا، على وجه التحديد.

بين ثقافَات

مرّت قرابة 38 سنة على وصول المغربيّة حسناء بوعزة إلى الديار الهولنديّة، وذلك بعدما غادرت بيئة عيشها الأصليّة في وجدة صوب بيئة بديلة، في الرابعة من عمرها، من أجل العيش في أحضان أسرتها بمملكة الأراضي المنخفضة؛ فكان لها أن تموقعت، حاليا، فاعلة إعلاميّة وثقافيّة متمكنة من الكتابة والإخراج.

مضت طفولة بوعزّة بين بيئتين متباينتين، أولاهما أسريّة ذات خلفيّة مغربيّة إسلاميّة سائدة في البيت، من خلالها استطاعت الحفاظ على لسانها العربيّ الدارج، بينما الثانيَة كانت متمظهرة خارج المسكن، بمقومات متذبذبة ما بين الثقافة الهولنديّة وباقي الثقافات الوافدة على المجتمع عينه الذي احتضنها.

وتقول بوعزّة: “خلال مرحلة الطفولة كانت الصعوبات غائبة بشكل تامّ، إذ تأقلمت مع المجتمع الهولنديّ وتعلّمت لغته بسرعة، مستفيدة من الاستيعاب الذي أتاحه لي صغر سنّي عند حلولي بهذه التجربة البعيدة مكانيا عن الوطن الأمّ؛ بينما لم تَلُح الصعوبات إلاّ عقب مرور الوقت، خاصّة في مرحلة الشباب التي يحضر خلالها الوعي بأي تقلّب كان”.

فِعل بالثقافات

بعدما أتمّت حسناء بوعزّة طورَي التمدرس الابتدائي والثانويّ، سلكت المغربيّة الهولنديّة نفسها مسارا نحو دراسة اللغتين الإنجليزيّة والفرنسيّة وآدابهما بجامعة أوتريخت، مفردة أربع سنوات كاملة للتكوين الأنجلوساكسونيّ مقابل عام واحد للتخصص الفرنكوفونيّ؛ وفي السنة الموالية لتخرّجها شرعت في أدائها المهنيّ من بوابة الترجمة.

كان الاستهلال بالتعاطي مع منتجات سمعيّة بصريّة تتوفر فيها قوّة الصورة التي استمالت حسناء بوعزّة منذ طفولتها، فأخذت في ترجمة أشرطة وبرامج من العربيّة إلى الإنجليزيّة والفرنسيّة والهولنديّة. وبتوالي الإشادات التي طالت أداءها، تمكّنت بوعزّة من الظفر بفرصة عمل داخل قناة VPRO التلفزيّة، واستمرّت تجربتها بهذا المنبر طيلة 7 سنوات.

وطورت حسناء كفاءاتها بما مكّنها من الاشتغال في برامج متنوّعة، وكان ذلك بميولات واضحة نحو التعاطي مع كل التيمات ذات الصلة بالقضايا السياسية والاجتماعية والثقافيّة، كما وازت بين هذا المسار وتكوين جعلها متمكّنة من أجرأة الرؤى الإخراجيّة الخاصّة بها.
وانفتحت بوعزّة على الكتابة الصحافيّة من خلال تجارب متنوعة، متناولة في ذلك قضايا منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، المشتهرة بتسميّة “العالم العربيّ” لدى المتلقِّي الهولنديّ.

تباين ثقافيّ

تقول بوعزّة إن رهانها يبقى دوما، كما كان أبدا، متصلا بتقريب هوّة التباين الثقافي التي يحملها المخيال الهولنديّ بين ثقافته الأصل وتلك المرتبطة بثقافات “العالم العربيّ”، وتزيد: “التعاطي الهولنديّ يميل إلى إبراز صور نمطيّة عن الحيز الجغرافي الممتدّ من المحيط الأطلسيّ إلى الخليج العربيّ، مهتما بالإرهاب والكره والعداءات وباقي المشاكل التي تغيّب وجود أناس حاملين لأحلام راقيّة وطموحات متميّزة، ولذلك حاولت أن أخاطب هذا المتلقّي الأجنبيّ من مواقع عدّة، تارة بالحرف والكلمة، وأخرى بالصوت والصورة”.

وتضيف المتحدّثة ذاتها: “على سبيل المثال لا الحصر، يتكلّم الهولنديون عن المرأة المسلمة، لكنّهم لا يتكلمون معها، وبالتالي تبقى العديد من الأحكام المسبقة ساريَة دون نيل فرصة لدحضها..وقد اخترت الاشتغال على برنامج تلفزيون يتحدّث إلى هذه الفئة الأنثويّة، مع تمكينها من سرد حكاياتها وإبراز طموحاتها بدلا من الاقتصار على رؤى الغربيات المدافعات عن حقوق النساء.. ولازلت أشتغل عبر هذه المقاربة إلى جوار مواظبتي على الكتابة في مواضيع شتّى، بميز إيجابيّ للتعاطي مع الثقافة وتأثيراتها الكبيرة”.

وترى حسناء بوعزّة أن الانتماء إلى البيئة المغربيّة المسلمة يجعل الفرد عرضة للمحاصرة، على المستوى المهنيّ، في زاوية التعاطي مع هذه البيئة نفسها؛ ومن هذا المنطلق تكتسب المغربيّة الهولنديّة عينُها الإرادة في معالجة إعلاميّة لمواضيع تمتدّ إلى الطبخ والموسيقى والسينما وآخر تقليعات الأزياء، وغيرها.

“لا أرغب في التخصّص لأنّ ذلك يجعل المرء محاصرا ومُزكيّا للتنميط الذي يرنو إليه الأغيار، ويمكنني التصريح بأنّي انفعاليّة حتّى درجات قصوى حين أرصد اشتغالات إعلاميّة مسيئة إلى المغاربة والمسلمين، ولذلك ترتفع دينامية الفعل والتفاعل لديّ بمجال اشتغالي؛ لكنّي، من جهة أخرى، أحبّ الحياة وأقبل على ما تحمله من جمال، وهذا يحقّق الوصول إلى قصص ووقائع قادرة على خلق المتعة لدى الآخرين بعد مشاطرَها معهم؛ فعيشة ذوي الأصول الأجنبيّة أكبر من هواجس التجنيس والاندماج التي يخالها الهولنديّون”، تعبّر حسناء بوعزّة.

ثقافة التحدّي

تؤمن حسناء بثقافة التحدّي حتّى النخاع، وتُقرّ بأن هذا الإيمان هو الذي جعلها تحقق ما تصبو إليه، خاصّة الانفتاح على تجارب موازيّة ذات صلة بمختلف أجناس الكتابَة، معلنة رضاها عن كل الخطوات التي قامت بها في هذا الإطار المهنيّ، ومعبّرة عن خيارها الرفع من إنتاجيتها في مجال القصّة.

“لديّ طموح جامح يجعلني أستمرّ في الخيارات التي اتخذتها ببيئة العيش الهولنديّة، ولذلك أريد أن أحكِي للناس قصصا لم يسمعوها بعد. وأرمي إلى مواصلة المشوار بتركيز على الاستقلالية في الإنتاج الإعلاميّ التي تمكّن من النأي عن قرارات تقييديّة لبعض مسؤولي منابر شتّى، فأنا لا أميل إلى المقاربة التي تجعل الغير يحسم في قبول مقترحاتي أو استضافتي، ولذلك أبحث لنفسي، ما دمت حيّة، عن مساحات أكثر تحرّرا”، تقول بوعزّة.

وأكدت حسناء بوعزّة أنها تغرف من توالي الدروس التي تعلّمتها على طول تجربتها الحياتيّة، قبل أن تسترسل: “من أراد النجاح ينبغي عليه أن يواصل السير، تماما مثل مخطاط دقّات القلب الذي ترسم عليه منحنيات صاعدة وأخرى منحدرَة، فالسهولة لا محل لها، والبحث عمّن يساعد في تخطّي الصعوبات أمر محمود، لا أن ننظر إلى الناجحين ونعتبر أن ما حققوه قد تمّ بين عشية وضحاها، فهذا غير صحيح.. لا أومن بالمثل الإنجليزيّ القائل: إن أردت شيئا فإنّك ستناله..بينما أوافق قول الشاعر: ومَا نيل المطَالب بالتمنّي، ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • محمد من كندا
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 23:16

    يجب معرفة الفرق ما بين النجاح و الفلاح..
    النجاح سهل اما الفلاح صعب
    الفلاخ هو النجاح في جميع الامور في الجانب الاجتماعي في الجانب الديني في الجانب المهني في الجانب الترفيهي في الجانب الاسري..الخ
    الفلاح غير موجود اﻻ في فاة نادرة

  • Bilbao abdo
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 23:48

    يا بنت بلادي جلت في اروبا عرضا وطولا والان اعيش في الشمال الاسباني.
    اقول لك ولكل القراء الاعزاء بان هناك تحامل على الاسلام والمسلمين في كل انحاء اروبا.
    اعلامهم خبيث ويجتهد ويثابر بدون كلل او ملل لالصاق صورة قبيحة ومشوهة عن الجالية المسلمة باروبا.
    يجاهدون فينا بحملات التنصير والصاق التهم والتهميش في مجال التشغيل والتوظيف.لكن مالقيناش عليهم هروب .هذا هو الواقع والله المستعان

  • مفكر حر
    الأربعاء 15 يونيو 2016 - 09:42

    اقول للمغاربة وللمسلمين عامة ان الامر مدبر. اي ما يقال عن الاسلام في هولندا او الغرب هو مخطط لتشويه صورة الاسلام والكلام مفهوم..

  • مفكر حر
    الأربعاء 15 يونيو 2016 - 10:06

    الاعلام في هولندا يساهم في الفوضى يريد بذالك ان يفتنوا المسلمين.. ترى وتسمع المسلمين يرددون ما يذكره الاعلام. وانصح المغاربة ان ينظموا لقاءات في المسجد وخارج المسجد لللتعارف على الاسلام.والعلم الحديث في القران والسنة لم يتطرق له احد ويجب ان تنظم ندوات في هذا الموضوع وشكرا.

  • hiba
    الأربعاء 15 يونيو 2016 - 12:19

    bravo madame malheuresement la majorité des marocaines quand elles partent à l'etranger elles restent à la maison entrain d'attendre le prince charmant et en train de cuisiner avoir des enfants , , elles s'habillent comme au maroc elles mangent comme au maroc et vivent dans des maison avec salon marocain , et ne font que shopper les malls sont plein de marocains, si c'est comme ça restez chez vous il faut étudier , il faut participer à la vie active il faut faire du sport aller au théatre, au cinéma , chose que tu ne peux pas trouver au maroc.

  • شابو من الرباط
    الثلاثاء 15 نونبر 2016 - 11:44

    لقد قرأت لك عدة مقالات كما قرأت لأخيك حفيض وفضيلة ايام الطفولة وتاترت كتيرا ب كتاباتها وقد كانت أسرة بوعزة وستبقى خير سفير للجالية المغربية فى الخارج فى نشر الثقافة العربية والاسلامية

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27 4

السوق والغلاء

صوت وصورة
التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 09:42

التاريخ يعيد أسئلة الذاكرة