زهور العلوي: امرأة اجتمع فيها من الفضائل ما تفرَّق في غيرها

زهور العلوي: امرأة اجتمع فيها من الفضائل ما تفرَّق في غيرها
الثلاثاء 7 يناير 2014 - 22:10

لم يطاوعني قلمي لكتابة هذه الكلمات في حق امرأة ليست ككل النساء اللواتي عرفتهن. لقد كان وقعُ الصدمة أكبر مما نتحمّله جميعا. هل حقا لن يكون بمقدوري الحديث معها واللقاء بها بعد اليوم؟ إنه السؤال الذي طرحْته على نفسي مباشرة بعد أن تلقيت نبأ مغادرتها إلى جوار ربها. كيف يمكنني -وكثيرون آخرون غيري- أن يتعايشوا مع حالة فراغ مُفزعة كهاته لم أكن أتصور مجرد التفكير فيها، فكيف الحال وقد أصبحَت واقعا يفرض نفسه علينا جميعا؟ لكنها الأقدار التي لا تُردُّ في النهاية.

لقد كان ألمي أنا بالذات مُضاعَفاً، أولا بسبب ما كان يربطني بها من أواصر الصداقة والمحبة والتقدير والنضال بلغت درجات عالية من السُّمو والصفاء، وثانيا لأنني لم أستطع حضور اللحظات الصعبة الأخيرة من حياتها وهي تواجه قَدَرها بصبر وعزيمة لا تلين، بسبب بُعْدي عن أرض الوطن وأنا الذي واكبْتُ معركتها الشرسة مع المرض الذي واجهتْه بمعنويات عالية، فهزمتْه بالرغم مما خلَّفه من تأثيرات على جسدها دون أن ينال من روحها وإنسانيتها التي ظلَّت كما هي دوما تُطاول عنان السماء.

كيف لي أن أُحدثكم عنها؟ وأنا المسحور بشخصيتها الجذابة، التي لا تحضُر مجلسا إلاّ وكانت سيدة المتحدثين بامتياز، بلُغتها العربية الجميلة التي تتدفق من ثنايا فَمها عَذبَة رقراقة بجزالتها وجمال تركيبها وبساطة أسلوبها البعيد عن كل تكلُّف أو تصنُّع. وكيف لا تكون كذلك وهي المُغرمة بعيون الشعر العربي الجميلة التي لم تكن تتوانى عن تسجيلها وحفظها. أذكرُ كَم كانت تعشقه بلا حدود، تطلب مني على الدوام بيتا أو قصيدة من روائعه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى. كما أذكر كيف كانت قصيدة ابن الفارض في “الحب الإلهي” تَسْحَرُها، فتتمنى سماعها حيث استحضرتُها لها أكثر من مرة:

زدني بفَرْط الحب فيك تحيرا / وارحم حشى بلظى هَواك تَسَعَّرا
وإذا سألتك أن أراك حقيقة / فاسمح، ولا تجعل جوابي: لن ترى
يا قلبُ! أنت وعدتني في حُبّهم / صبْرا فحاذر أن تضيق وتضجرا
إن الغرام هو الحياة فمُت به / صباًّ، فحقُّك أن تموت، فتُعذرا
قل للذين تقدموا قبلي، ومَن / بَعدي، ومن أضحى لأشجاني يرى
عني خذوا، وبيَ اقتدوا، وليَ اسمعوا / وتحدثوا بصبابتي بين الورى
ولقد خلوْتُ مع الحبيب وبيننا / سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سَرى
وأباح طرفي نظرة أمَّلتُها / فغدَوتُ معروفا وكنتُ منكرا
فدُهشْت بين جماله وجلاله / وغدا لسان الحال عني مُخبرا
فأدر لحاظك في محاسن وجهه / تلقى جميع الحُسن، فيه، مُصوَّرا
لو أن كُل الحسن يَكمُل صورة / ورآه كان مُهلّلا ومُكبّرا

هل أحدثكم عن أخلاقها؟ عن تواضعها؟ فقد كانت مثالا للتواضع، يُخجلها كل من يتحدث عنها شاكرا لها جميلا صنعَتْه أو فكرة مبدعة عبَّرت عنها. وكان خجلها الدائم أفضل رد فعل على ذلك. كنت أتأمل دائما تواضعها الجمّ، وهي التي دخلت غمار معركة النضال من أجل الحرية مبكرا منذ ما قبل استقلال المغرب، مرورا بالانخراط في صفوف الحركة الطلابية فالعمل السياسي المباشر في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية متأثرة بكاريزما الشهيد المهدي بنبركة وجاذبية مشروعه التحرري، ثم تصدّيها للعمل الحقوقي النسائي أو على صعيد مواجهتها لتداعيات سنوات الرصاص.

أذكر حديثها ذات مرة في حضور المئات من المشاركين العرب والأوروبيين في المنتدى المدني الأورومتوسطي المنعقد بمراكش سنة 2006 والذي قرر تكريمها باعتبارها من رواد العمل النسائي والحقوقي في الوطن العربي وعموم الفضاء المتوسطي، معبرة عن تقديرها للتكريم رغم أنها مجرد امرأة من ضمن ملايين النساء المغربيات اللواتي يستحقن التكريم والافتخار بمنجزاتهن. وكم حاولتُ إقناعها بكتابة مذكراتها، خاصة في السنتين الأخيرتين، لكنها كانت تتمنع بدعوى أن تجربتها متواضعة ولا تستحق أن تُذكر مقارنة بما قدمه مناضلون ومناضلات تذكُر أسماءهم واحداً تلْو الآخر. وحين أُقارنُ سلوكها هذا بمسلكيات طيف واسع من نخبتنا السياسية والفكرية أزداد إعجابا بها وبتواضعها الجميل.

عرفتُها عن قُرب منذ نهاية التسعينيات، ولا أذكُر أنها تحدثت عن أحد بسوء، بل كانت تنتقد انحراف النخب بانتماءاتها المختلفة وتتشدد في رفض السلوكات الانتهازية لمجموعة منهم، لكنها كانت تتحدث في المُجمل وتنتقد السلبيات دون تشخيص أو تجريح.

هل أحدثكم عن كَرَمها؟ لقد كانت المرأة التي لا يدخل ضيفٌ بيتَها إلا وكانت مائدتها مرآة لكل ما هو موجود في بيتها، مع إرفاق ذلك باعتذارها الشديد والدائم بأن مقام الضيف أكبر مما هو متاح، حتى ولو كان الضيف من أقرب المُقربين إليها ويمكن أن يزورها دون سابق إنذار مثلما كنتُ أفعل في معظم الأحيان.

هل أحدثكم عن روحها المرحة؟ لقد كانت الجلسة في حضرتها كافية لكي ينسى المرء ما يحيط به من هموم، وكان مرَحها دوما هادفا ولم يكن عبثيا ولا عشوائيا البتَّة، وكذلك الأمر في الجلسات والمؤتمرات الفكرية، غالبا ما كانت تتدخل في أحيان كثيرة بعد أن يحتد النقاش لتُضفي أجواء من المرح تُبدد كل شحناء، لتتيسر بعدها سُبل الحوار وتبادل الأفكار.

لقد كان الحوار معها لا يُمَل، كانت تطرح كل الموضوعات للنقاش وتتحدث عن كل الهموم؛ تُحدثك عن رموز وقادة رحلوا تستحضر إسهاماتهم بإكبار، تُحدثك عن الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وثورته التحريرية الكبرى في كل المغرب العربي، وعن جميلة بوحيرد ومساهمة المرأة في الثورة الجزائرية، وعن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي وأفكاره الإصلاحية وتصديه للفكر الخرافي ودفاعه عن تحرير المرأة، وعن إدمون عمران المالح وإبداعاته، إذ ما زلْتُ أذكر كيف غالبت مرضها لتحضر جنازته مُبدية أسفها عن خسارتنا الكبرى لقامة مغربية طالما عبّرت عن معدن اليهودية المغربية الأصيل المنافح عن فلسطين والمتصدي للمشروع العنصري الصهيوني، وقد كانت مساهمته في اليوم الوطني لمناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني قبل خمسة أشهر من رحيله متميزة. كانت تتحدث عن الفقيه البصري، محمد بنسعيد أيت يدر، عمر بنجلون، محمد باهي، محمد عابد الجابري، عبد الله العروي وعبد الفتاح سباطة…كانت تتحدث عن الحركة النسائية ومعاركها ومآلاتها، عن حقوق الإنسان وضحايا سنوات الرصاص وملفاتهم. عن الفن والشعر والأدب، إذ كانت تتحدث دوما باعتزاز عن تجربة إبداعية “للنساء فقط” تحت مُسمى “الرَّبوة” تلتقي فيها مبدعات مغربيات لتبادل الرأي حول تجاربهن الإبداعية المختلفة، وكان التركيز على تشجيع المبدعات الشابات واحتضانهن لأن إيمانها بالشباب كان كبيرا.

وعلى هذا الأساس كانت تُتابع حراكهم في المغرب من خلال حركة 20 فبراير، كانت تسألني عن كل التفاصيل، تتابع الحراك الثوري العربي، كانت منشغلة بكل الساحات العربية بدون استثناء؛ تفرح لكل انتصار وتأسى مع كل انكسار. أذكر كيف أثَّر فيها احتلال العراق والعدوان على لبنان والحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني. كانت تنتشي لكل انتصار تحققه المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين. لذا كانت وصيتها الأخيرة للأستاذ معن بشور حين زارها في بيتها بالرباط قبل سنة أن: “اعملوا على حماية واحدة من أجمل ما أنجبه لبنان في تاريخه، احْموا المقاومة، خاصة أنكم توجدون في مرمى النيران”.

أذكرُ كم كانت مُعجبة بالصعود المتجدد للاشتراكية في أمريكا الجنوبية، بدءا من تجربة فنزويلا الراحل الكبير شافيز وانتهاء بما حولها. لكن إن أنسى لا أنسى فرحها الطفولي بنجاح الحراك الثوري العربي في إسقاط مجموعة من رموز الفساد والاستبداد في الوطن العربي. وبقدر ما كان يؤلمها ما تعرفه القوى التقدمية من شتات، كانت مؤمنة بضروة العمل على بناء كتلة تاريخية تستطيع أن تحمل أعباء التغيير والانتقال الآمن نحو الديموقراطية في الوطن العربي.

لم يُسعفها المرض في السنين الأخيرة لحضور الفعاليات المختلفة، فكانت غالبا ما تُبادر إلى الاتصال بي معتذرة عن عدم قدرتها على مواكبة ما نقوم به على الصعيد الوطني سواء في مجموعة العمل الوطنية من أجل العراق وفلسطين التي كانت من أبرز مؤسسيها، أو على صعيد ما نقوم به من أنشطة حقوقية وثقافية متنوعة، أو على صعيد أنشطة المؤتمر القومي العربي، لكن ذلك لم يمنعها من المتابعة الدقيقة لكل تلك الفعاليات.

لقد كانت الراحلة الكبيرة أمَّة في امرأة، وأوجُه العلاقة معها أكبر من أن تُحكى، اجتمع فيها من الفضائل ما تفرَّق في غيرها؛ وعيا وصمودا وصبرا وتواضعا وكرما وعفة ونزاهة. حازت لقب امرأة السنة في بلادنا مرتين، لكنها كانت بحق امرأة كل السنين التي عاشتها. لروحها الرحمة في عليائها، وستظل أبدا حاضرة معنا وفينا، ولسان حال مُحبّيها وذويها أبيات الشاعر الوزير عبد المالك الزيات في إحدى مرثياته الجميلة:

يقول لي الخلاَّنُ لو زُرت قبرها # فقلتُ: وهل غير الفؤاد لها قبرُ؟

على حال لم أحدث فأجهل عهدها # ولم أبلغ السنّ التي معها الصبرُ

‫تعليقات الزوار

1
  • بلال الشاعر
    الثلاثاء 7 يناير 2014 - 23:48

    ان لله وان اليه لراجعون -الا ان لله ما أعطى وله ما أخد

صوت وصورة
منابع الإيمان: رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 14:00

منابع الإيمان: رمضان

صوت وصورة
هيستوريا: لي موراي
الأحد 18 أبريل 2021 - 00:00 1

هيستوريا: لي موراي

صوت وصورة
آش كيدير كاع: طبيب الأسنان
السبت 17 أبريل 2021 - 23:00 14

آش كيدير كاع: طبيب الأسنان

صوت وصورة
مع سهام أسيف
السبت 17 أبريل 2021 - 22:00 6

مع سهام أسيف

صوت وصورة
كوبل زمان .. مودة ورحمة
السبت 17 أبريل 2021 - 21:00 20

كوبل زمان .. مودة ورحمة

صوت وصورة
أساطير أكل الشوارع: أمرعاض الشهيرة
السبت 17 أبريل 2021 - 18:00 8

أساطير أكل الشوارع: أمرعاض الشهيرة