فلاسفة من خشب..

فلاسفة من خشب..
الثلاثاء 20 يناير 2015 - 09:00

أتاحت لي فرصة متابعة المهرجان العربي للمسرح، الذي احتضنته الرباط مؤخرا، إمكانية التعرف على نوع خاص من الفلاسفة.. مسرحيون فشلوا في تقديم الفرجة إلى الجمهور فـ”دارو الفراجة فراسهم”، وبدل إطلاق خيالهم وفكرهم “طلقو علينا السلوكَية” فوق الخشبة، ومعها أطلقوا شعورهم وزغب ذقونهم.

“زغبني الله”، على هامش أحد العروض، وتوجهت إلى مُخرج من هؤلاء، أقول له إنني لم أخرج من عرضه المسرحي بأية فكرة واضحة عمّا أراد قوله، فـ”خرّج فِيَّ عينيه” ومسَّد لحيته ثم ابتسم بثقة كبيرة في النفس، وقال: في الحقيقة موضوع المسرحية فلسفي!

أغلب المسرحيات التي ينتجها “فلاسفة الخشب” (من الخشبة)، تجدها مليئة بالصراخ والأضواء المتنافرة، المؤذية للبصر، أكثر من أي شيء آخر؛ وإذا أراد ممثل، على خشبة مسرح “لا رونيسونس”، أن يقول لممثلة: أحبك، فالذين يسمعونه هم رواد مقهى “لاكوميدي” المجاورة للمسرح، أما من يوجدون داخل “لا رونيسونس” فلا يصلهُم غير “لغوات”؛ لذلك فإن الجمهور، أثناء هذا النوع من العروض، لا يطلب سوى مغادرة القاعة سليمَ السمع والبصر؛ أما من ابتلي -مثلي- بمناقشة المخرج والمؤلف، فسيتضرع إلى الله أن يخرج سليم العقل، لأن ما يصدر عن هذا النوع من المسرحيين، من خلط للمفاهيم والأشكال مع “دخول وخروج فالهضرة”، هو أمرٌ “يُخرج العقل” فعلا.. فلا هؤلاء “الفلاسفة” قادرون على إضحاك الجمهور، كما يفعل “المسرح الشعبي” “التجاري”، ولا هم قادرون على صدمه بإثارة أسئلة جريئة وحارقة، وتفجير إمكانات الجسد والفضاء، وتجريب كل ما هو متاح، كما فعل “المسرح الطليعي” حين أبدع أشكالا وقوالب جديدة للتعبير عن حيرة الإنسان الأوربي، غداة الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة، تجاه الوجود والدين والإحساس بـ”العبث” و”اللاجدوى”… ولا هم قادرون على طرح أسئلة، مسرحية – بالأساس، حول واقع الفقر والجهل والتخلف والعنف والاستبداد الذي نعيش فيه.

لقد ذكّرني هذا النوع من المسرحيين بـ”شاعر فيلسوف” كانت إحدى الجرائد الحزبية قد نشرت له، في بداية التسعينيات، قصيدة من “الكسايد” التي دأبت على نشرها، تحت عنوان: “اللاّزورد”. الغريب هو أن هذا “الشاعر لم يكن يعرف معنى العنوان الذي ارتضاه لـ”كسيدته”، ولم يكلف نفسه حتى عناء فتح “منجد الطلاب” للبحث عنه. وحدث، على هامش أمسية شعرية، أن فاجأه أحد الحاضرين: ماذا تعني كلمة لازورد يا أستاذ؟ فما كان من “الشاعر” إلا أن سَحب نفسا عميقا من الغليون الذي لم يكن يفارقه، ثم وضع أصبعه على “الذبّانة” التي توَشّي ذقنه، ونظر إلى السماء علها تسعفه بجواب، وقال: “اللازورد، مفهومٌ يصعب الإمساك بشرحه خارج سياق القصيدة لأنه معنى زئبقي”! فطنَ السائل إلى قلة حيلة “الشاعر”، فقاطعه مستهزئا: “قول كاع ما عارفها وبلا فلسفة”، فانفجرت القاعة ضحكا. يومها، قال لي شاعر حقيقي، تعليقا على الحادث: صاحبنا يصدُق فيه قول الله تعالى: “وما علمناهُ الشعرَ وما ينبغي له”.

الخلاصة التي خرجت بها من متابعتي لعدد من المسرحيات التي عُرضت خلال المهرجان العربي للمسرح، واللقاءات الصحافية التي واكبتها، هو أن المعاهد والمحترفات العربية للمسرح ملتزمة بالوحدة العربية في إفراغ وتسطيح الأجيال الجديدة؛ وإذا كانت تضطر إلى تعريف طلبتها، في حصص تاريخ الفن، بملحمية بريخت وسوريالية أنطوان آرطو وعبثية بيكيت… فإنها تتجنب أن تربط الاختيارات الفنية لهؤلاء المبدعين بالأفكار الفلسفية والسياقات السياسية والاجتماعية التي وجدوا فيها وتفاعلوا معها؛ لذلك فأغلب هؤلاء الطلبة المسرحيين يعتقدون أن آرطو قام من النوم بمزاج عكر فقرر أن يقسو على نفسه وعلى واقعية زمانه، هكذا تجدهم متأثرين بهؤلاء المسرحيين الطليعيين، في نوع القبعات وطريقة التدخين والمشية وتسريحة الشعر، و”الفلسفة” طبعا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • مغربية
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 11:32

    السينما باقي المصريين هم اعلامها، الدراما توهجت السورية منها و الخليجية، و المغرب الكبير عندهم فرصة انهم ينهضو بالمسرح يديرو شي حاجة جادة و مفهومة للناس و توعي الاجيال و تربي و تتثقف، بدون فلسفة الجنون، لانه كاين الفلسفة الجادة التي تؤدي دورا و تساعد العقول على حسن الادراك للاشياء،
    المسرح اصعب الفنون، و اقواها رسالة، و لا يجب ان ينزل بمستواه للحضيض وملء الوقت بالخرابيق و النشاز، (ف الاصوات و الاضواء و الحركات و السكنات و الكلمات و النظرات) بل خاص هدشي كلو يكون مدروس و يتماشى مع الرسالة و المعنى المراد ايصاله بطريقة فنية معقولة مقبولة و فعالة و مبدعة و متناسقة، لان الانسان حين يدفع تدكرة و يعطيك عقله و انتباهه فلا تعمر راسه بالضجيج و ال confusion
    ان سالت احدا في العالم المسمى مزحا عربي ماهي المسرحية الاشهر ف كل هاته الدول و المعروفة لدى الجميع و التي يمكن ان تشاهدها اكثر من مرة بدون مللل هي مسرحية الزعيم لعادل امام، كل مرة تشوفها كترد البال لشيء فاتك، و ف كل سن تكتشف فيها الجديد، اعتبرها المسرحية الصالحة لكل زمان و مكان،
    مسرحية عسل و عادل امام ابدع فيها باجرام !!

  • marrueccos
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 11:36

    هذا دليل ٱخر أن الهدف من هذه الملتقيات ومثيلاتها أيديولوجي صرف !
    تكاثر مثل هذه الملتقيات فرصة للإعلام المؤدلج كي يثبت في عقلية النشء مفاهيم لا صلة لها بالواقع ! إعلام التسطيح لا يكلف نفسه مساءلة سبب نزول ( المسرح العربي ) ! فالأمر يحتاج متخصصين وليس بهلوانيين !
    صدق السيد " بودهان " ؛ فأنهار مياه الصرف الصحي لن تغير من طبيعة مياه البحر شيئا !!!!

  • الى marruecos
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 17:35

    ادمن السيد بودهان الخداع النفسي حتى استحالت لديه الأصوال فروعا وغدا الفرع مصدرا، فصار سكان شمال افريقيا أبناء مازغ سلف قدامى مستوطني هذه المنطقة فيما صير الكنعانيون سكان الجزيرة او دخلاء على شمال افريقيا. وأضحت مدن كأجدير وايفرن وازرو وايشاون مسميات طالها التعريب فيما غيب اصلها العربي، اي جدار وحفر وحجر وقرون. لست ادري ما قول فقيهكم المحدث في امر تمزgيدة وزوم. فهل هي أيضاً كلام غير عربي طاله التعريب فحسب؟
    علاقتكم بالجزيرة، بالزج او بالخاطر، بديهية بداهة الملامح واللسان، وما التبس عليكم فادعوا الأقوام الاخرى من فنيق وقرطاجيين وبونيق ووندال وروم يفسرونه لكم، سواء تعلق الامر بالكلام او بالخلقة.
    بخصوص المقال اعلاه، اقول لصاحبه الظاهرة مشهودة في جل المجالات وكنا لنستصغر الطامة لو انها اقتصرت على الخشبة. وبالمناسبة افضل ما قرات في المسرح لا يمت للكتاب الذين أوردتهم بصلة، بل ولا صلة لهم البتة ببلدان هؤلاء او بمشارب فكرهم. أكاد اجزم انك تعرفهم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  • youssef
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 18:29

    هل كاتب المقال ناقد مختص في المسرح؟ام ممثل مسرحي او مخرج او كاتب سيناريو مشهود له بالكفاءة في الميدان؟ام ضالع في المسرح و يهوى هدا الفن و يحيط بكل تفاصيله و الغازه؟ام محترف يلم بالفن؟ ام فيلسوف باحث يتقن تخصصه؟ ام متطفل يحب أن ينتقد كل شيء و اي شيء فقط للركوب على مختلف الاحدات؟ ام شخص وجد في شساعة و رحاب الانترنيت ما لم يجده في مجالات الاختصاص المحمية من التطاول؟للمسرح اهله و هم ادرى به و بنقده.و ان وجدت نفسك ناقدا فلتفعل ما هو احسن و اقل مللا و اغزى حكمة و اعمق فلسفة

  • Mohamed
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 18:56

    السينما و المسرح عَنْدْهَا نَاسْهَا و هم الأمريكيون ثم وراءهم تاتي بعض الدول الأوروبية و 3 دول أسيوية هي اليابان ب فنونها المختلفة ابتداءا من المانغا وُصُولا الى الفن السابع و أيضا كوريا و الهند ب إنتاجاتها الضخمة من الافلام.
    أما باقي الدول مثل مصر و سوريا و الخليج و إيران ف هم مُجَرَد مُتَطَفِلِينْ على هذه المجالات إذ لا يوجد في هذه الدول فن و لا أدب إلا نادرا وإن وُجد أديب أو مُبدع حقيقي فلَن يجد جمهورا
    لأن الأدب و العلم و الفلسفة تحتاج أن تكون خارج ما هو إعتيادي و مألوف و لكي يحصل هذا يجب أن يعيش الكاتب أو المسرحي أو الفيلسوف في جو من الحرية و في بلد يحترم الحقوق الطبيعية ل الانسان ف كيف يُعقل ان يكتب أديب في بلد ديكتاتوري لا تُحترم فيه حرية التعبير و حرية الرأي ؟؟؟؟
    نفس الشيء ب النسبة ل العلم ف كيف سيتطور العلم والتكنولوجيا في الدول الفاسدة وأيضا كيف سيتشتغل العلماء في دول ثيوقراطية مثل السعودية ؟ العالِم يحتاج نفس الحرية لكي يستطيع النُبوغ
    هل تضنون ان علماء مثل hawking كان سيستطيع العمل في دولة ثيوقراطية ,اذا لم تعرف الجواب ابحث عن رأي ابن باز وابن العثيمين حول دوران الأرض

  • هاوي مسرح
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 20:29

    أنا حضرت بالرباط عروضا مسرحية في إطار هذا المهرجان. وفي ما عدا استثناءات قليلة، على ما عليها من خصاص، فإن التسطيح هو سيد الخشبة بالنسبة لباقي العروض. مؤسف كثيرا أن ينحدر المسرح المغربي إلى هذا الحضيض. أنقذونا من التفاهة والضحك على الذقون. أين نحن من مسرح بودلال ومسكين وحوري والصغير والصديقي ولحلو وبرشيد والكغاط وبناني وتيمد والكنفاوي…إلخ؟ تكاثر خريجو معهد المسرح بالمئات اليوم بالمغرب وبالمقابل تزايدت الضحالة المسرحية. لماذا؟ وكيف؟ ما بهذه العروض نخدم المسرح ونكون أجيالا من الشباب والمسرحيين ونهذب الذوق الجمالي والفني ونؤسس لثقافة جديرة بمغرب القرن 21!!!!!!

  • مغربي وكفى
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 20:36

    الى المسمى marrueccos, اتمنى ان تؤسس فكرا خاصا بك، وتتحرر من فكر بودهان وعصيد وكل كاتب يستخدمك انت وامثالك للوصول الى اهدافهم، واتمنى ان تحرر ذهنك من العنصرية والوهم الكببر الذي تعيش فيه انت وامثالك وتعيس حياة طبيعية كأي مواطن محب لهذا الوطن، السيد الكاتب موضوعه في واد وانت فكرك في واد اخر، لأنك بمجرد مارأت عينك (المسرح العربي) طار صوابك رغم انه لا احد تكلم عن صرف صحي ولاغير صحي، القضية ومافيها ان بعضهم في المغرب منهم امازيغ ومنهم عرب الكل يتحدث العربية وبالتالي فهو عربي، ليس بينهم وبين الفن سوى الخير والاحسان، ورغم ذلك يلبسون جبة الفنان ويتحدثون باسمه، وكذلك شأن بعض الاشخاص ليس بينهم وبين الامازيغ الا الخير والاحسان ورغم ذلك تجدهم يكتبون في كل المواضيع وفي كل المجالات، فمثلا بودهان الذي استشهدت بقولته، لو عرضت مايكتبه على متخصص فإنه سيقول لك ان السيد بودهان يقول يكتب كلاما غير منطقي وليس له اي سند علمي، كل مايكتبه من وحي اوهامه، فلا هو اعتمد على مخطوطات وعلى على حفريات ولا على تشريح لبقايا انسان قديم استوطن المغرب ولا ولا، يعني يتكسب من وراء الامازيغية بإذكاء الفرقة بين المغاربة.تنمير

  • عاشق لرصاد
    الثلاثاء 20 يناير 2015 - 22:34

    اصاب صاحب المقال في وصفه لهؤلاء الناس بفلاسفة من خشب وهم كذلك اما بودهان وحواريوه فهم فلاسفة الصرف الصحي والفكر الطحلبي الاسن

  • صوت من مراكش
    الأربعاء 21 يناير 2015 - 00:47

    توقعت في تعليق قديم ان يكون الموضوع عن الاحتباس الحراري ويتم اقحام العرب والمسلمين فيه من طرف البعض
    من علامات الانحطاط الثقافي ان يصبح النكرات اعلام يستشهد بهم
    رحل عنا الجابري والمنجرة وسكت العروي اولئك الاسود واحتل مكانهم القرود
    و لابي الفنون اتمنى نهضة تقيمه

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة

صوت وصورة
"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:00

"الأحرار" يدعو المغاربة إلى التصويت لـ"الحمامة"

صوت وصورة
نداء نبيل بنعبد الله للناخبين
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 17:18

نداء نبيل بنعبد الله للناخبين

صوت وصورة
شراكة لتعزيز القراءة والثقافة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 16:01

شراكة لتعزيز القراءة والثقافة

صوت وصورة
حكايات كتردنا لبلادنا
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 11:43

حكايات كتردنا لبلادنا