ما بعد المثقف العضوي!

ما بعد المثقف العضوي!
الجمعة 1 نونبر 2019 - 04:27

لو سئل أحد المهتمين بالشأن الثقافي، في أي مكان كان، عن سمات المثقف الجدير بالتسمية لقال بداهة: هو “المثقف العضوي”، نظرا لذيوع هذا المفهوم الذي صاغه المفكر الماركسي غرامشي، وطارت شهرته في جل الجغرافيات الثقافية، وفي أوساط الثوار الذين وجدوا في مفهوم غرامشي النموذج الأسمى الذي ينبغي بثُّه في صفوف المثقفين التحرريين لخلق هيمنة ثقافية ثورية تقدمية بديلة ومناهضة للنموذج الماضوي وحراس معابده الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية، وفي طليعتهم المثقفون التقليدانيون.

لكن على الرغم من لباس القداسة الذي تسربل به مفهوم “المثقف العضوي”، وبخاصة من قبل لفيف من مثقفي العالم الذين يشتركون مع غرامشي في الانتماء الطبقي، والانتساب الإيديولوجي والسياسي، فلا جرم أن نقول: إن هذا المفهوم كان يحمل في طياته بذور موته، هاته البذور القاتلة التي ظهرت للوجود بمجرد اندثار الشروط التاريخية التي أفرزته، وأفول سلطان الإيديولوجية السياسية التي تبنته وأذاعته في الأوساط الثقافية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية المتماهية مع خطابها وتصورها لسلطة المثقف العضوي.

من هنا، يجوز لنا أن نسأل: هل مازال مفهوم المثقف العضوي صالحا للتبني في زمننا المعاصر؟ أو بتعبير آخر: ما هي سمات المثقف الذي يليق بعصرنا؟

في تقديرنا، إننا اليوم في حاجة إلى مشروع مثقف ما بعد المثقف العضوي، وما بعد المشاريع الثقافية التي تفرعت عن مفهوم غرامشي، في حاجة إلى مثقف ببعدين: بعد شعبي وبعد كوني.

فالبعد الشعبي، نعني به التحام المثقف الشعبي-وهو الاسم الذي نقترحه-بقضايا الشعب الذي ينتمي إليه، التحاما كليا لا جزئيا كالذي مارسه مثقف غرامشي العضوي الذي ازدوج خطابه الملحمي الجماهيري المعلن بتعصب طبقي مضمر وتعصب إيديولوجي مشرعن لكل ما يصدر عن الغرامشيين الطامعين في هيمنة ثقافية مؤدلجة ومعممة على الجميع، طوعا وقسرا.

أما البعد الثاني الذي ينبغي أن يتميز به مثقف اليوم،، فهو البعد الكوني، والأفق الموسع الذي يحركه الاستعداد الفكري لقبول الآخر ومحاورته، لا معاداته وشيطنته، وتثمين القيم المشتركة بين الشعوب في كل مكان، لا الإعلاء من النعرات الطائفية والطبقية والإيديولوجية، وفق استراتيجية “كل متكامل-كل رابح”، وهي استراتيجية أوسع-قيميا وتداوليا-من خِطة الهيمنة التي ابتدعها غرامشي، لأنها خِطة جعلت مثقفه العضوي مثقفا متعصبا ومستلبا، رؤيته للوجود تحكمها رؤية الجماعة الإيديولوجية التي ينتمي إليها والطبقة الاجتماعية التي ينتسب إليها، فهو مثقف بأفق ضيق تحدده الجماعة/الطبقة، وتسلب منه قوة الفعل الخلاق والمبادرة الحرة، وتجعله-أي المثقف العضوي-مجرد قناع تقدمي للمثقف التقليدي الخاضع لسلطة الجماعة، وسلطان الإيديولوجية، يأتمر بأمرها، ويبرر أفعال جماهيرها، ويطبل لدعاويها، ويحجب آفاتها وممارساتها السلبية.

من هنا، نجد أننا اليوم في حاجة إلى مشروع مثقف ما بعد مثقف غرامشي العضوي، والمشاريع الثقافية التي تفرعت عنه وتبنت رؤيته للفعل النضالي، واختزلتها في مبدأ الهيمنة الثقافية، والإيديولوجية الواحدة المعادية لكل من خالفها التصور والممارسة.

نحن في الحاجة إلى مثقف متكوثر نضاليا ورؤيويا، لا المثقف المحاصر بسياج فكري يصيبه بصر بصيرته بعمى الألوان، الذي يحجبه من تدبير الاختلاف وتثمين التنوع.

نحن في حاجة إلى مثقف يزدوج لديه البعد الشعبي بالبعد الكوني، والقضايا الوطنية بالقضايا العالمية، والهم الحضاري لأمته بالهم الوجودي الذي تشترك فيه جميع الأمم.

نحن في حاجة إلى المثقف الإنسان المتكوثر نضاليا وحواريا ورؤيويا وجماليا مع آخره، لا المثقف المقيد بأغلال الإيديولوجيا الواحدة، والطبقة الواحدة، والحزب الواحد، هلم واوات وأغلالا.

يتبع…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • tawfiq
    الجمعة 1 نونبر 2019 - 06:27

    يمكنك الاستفادة من المقال اسفله:
    R.Radhakrishnan, "Towards an Effective Intellectual: Foucault or Gramsci?"

  • خديجة وسام
    الجمعة 1 نونبر 2019 - 12:25

    لننطلق من متطلبات صالحة لكل البشر ولكل الطبقات كي نتمكن من رسم السمات التي يجب أن يتحلى بها مثقفنا المنتظر.

    من اللازم أن يكون المثقف ذا معرفة كافية بالتاريخ والجغرافيا التي أفرزت أهله وبلاده وكذلك تاريخ الشعوب الأخرى التي لها مصالح مختلفة إن لم تكن متضاربة مع ما تتوق إليه جماعته ومواطنوه : الأتراك، الكرد، إيران، روسيا، إسرائيل، أمريكا، أوروبا.

    نفضل أن يتحلى مثقفنا بتكوين نقدي ليتفحص كل ما يتلقاه من تعليم وما يقرأه ويسمعه ويكون لنفسه نظرة متحررة من الإيديولوجيات والتصورات المسبقة.

    نفضل أن يكون مثقفنا عادلا، قد يحكم لصالح المناهضين لجمعاته ولا يتحيز لأهله.

    نفضل مثقفا شجاعا لا يأبه لتهديدات أهله أو جيرانهم إن هو نبههم إلى غلطهم المتوارث وإلى تعصبهم على حساب معارضيهم.

    إنه إذامثقف راسخ المعرفة بنفسه وأهله وبالمجتمع الدولي ومنتقد وعادل وشجاع. إنه أشبه ما يكون بمثقف خيالي : سوبارمان.
    لكن الواقع يدلنا على أننا منحازون جبانون قليلو المعرفة بالجيران وبالآخرين وغير عادلين ولنا مصلحة في كسب الدعم ممن ينخرطون في الكفاح عن مصالح جماعتنا.

  • Slimane d'Argenteuil
    الجمعة 1 نونبر 2019 - 19:21

    Un intellectuel produit du savoir. il se confronte à ses pairs . Il vise à avoir leur reconnaissance.
    La question est : que faire de ce savoir? Faut-il le cantonner au champ de la recherche ou le rendre utile en l'investissant dans le champ social ?
    Autrement dit, en démontrant, par exemple, que la politique appliquée par les dirigeants est la cause de la pauvreté qui touche une partie important de la population, est -il dans l'obligation de s'engager en faveur de la société grâce à son savoir ?
    Son rôle ne se limite pas à chercher et à trouver.Il n'est pas là, non plus, pour donner des leçons aux petites gens qui souffrent à cause d'un programme imposé par la classe dominante . Il tire au jour les mécanismes de la domination et aide les opprimés à comprendre avant de décider d'agir.
    Il n'est pas un maître à penser. Il est plutôt un assistant qui offre des instruments permettant de comprendre d'abord, de résister ensuite et de proposer enfin.

صوت وصورة
رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05

رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 1

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 5

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم