من المدينة إلى القرية .. "الاقتصاد الجنائي" يوصل الكوكايين إلى البوادي

من المدينة إلى القرية .. "الاقتصاد الجنائي" يوصل الكوكايين إلى البوادي
الجمعة 4 أبريل 2025 - 07:00

وسط منطقة “القطوط” بالجماعة الترابية ونانة في إقليم وزان، وبعيدا عن الأضواء الكاشفة للمدن الكبرى، باغتت فرقة مكافحة العصابات بولاية أمن تطوان، بناء على معلومات استخباراتية، شقيقين يبلغان من العمر 29 و41 سنة، وذلك للاشتباه في ارتباطهما بشبكة إجرامية تنشط في ترويج الكوكايين والمؤثرات العقلية.

بين الحقول والمداشر نما نشاط ترويج المخدرات القوية في هدوء مريب، مستغلا العزلة الجغرافية والهشاشة الأمنية. وسط التضاريس الوعرة تدور معارك صامتة بين أجهزة الأمن والمروجين، فيما يواجه الشباب القرويون خطرا متصاعدا يهدد استقرارهم ويدق ناقوس الخطر حول مستقبل هذه التجمعات السكنية التي كانت حتى وقت قريب بمنأى عن هذه الآفة.

المدينة والقرية

شكل تضييق الخناق على العصابات وشبكات ترويج المخدرات القوية في الحواضر دافعا لإعادة رسم خارطة هذا النشاط الإجرامي، إذ تحولت القرى والمداشر إلى ملاذ آمن ومستودع خفي لتخزين وترويج الكوكايين وأقراص الهلوسة.

يرى محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، أن انتقال ترويج الكوكايين من المدن إلى القرى المغربية يعكس تحولات عميقة مرتبطة بعوامل اجتماعية، اقتصادية وأمنية، مبرزا أن المخدرات القوية، التي كانت تعتبر ظاهرة حضرية بامتياز، باتت تجد طريقها إلى المناطق القروية، خاصة في الشمال.

وأرجع الفاعل الحقوقي هذا التحول إلى عدة أسباب، منها تنامي الطلب على المخدرات القوية في الأوساط القروية بفعل تغير أنماط الحياة وتصاعد الضغوط الاجتماعية، ولاسيما مع التراجع الاقتصادي الناتج عن تضييق الخناق على زراعة القنب الهندي، مضيفا أن هذا الوضع دفع بعض السكان إلى اللجوء إلى الكوكايين والهيروين، سواء كمستهلكين أو موزعين.

وأشار بن عيسى إلى توسع شبكات الترويج خارج المدن، مؤكدا أن القرى لم تعد مجرد نقاط عبور، بل أصبحت أسواقا استهلاكية، ما يعكس تلاشي الحدود التقليدية بين المجالين الحضري والقروي.

واعتبر رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان تدهور الأوضاع الاقتصادية في القرى عاملا أساسيا لهذا التحول، إذ دفع الفقر والبطالة وانعدام الفرص العديد من الشباب إلى الانخراط في تجارة المخدرات القوية كبديل اقتصادي بعد تراجع سوق القنب الهندي.

ومن بين أسباب تحول ترويج الكوكايين من المدن إلى القرية، وفق بن عيسى دائما، هشاشة الوضع الأمني في المداشر وضعف المراقبة مقارنة بالمدن، ما أتاح للمروجين مساحة أكبر للمناورة والاختباء، مستفيدين من التضاريس الوعرة والمجال الجغرافي الواسع الذي يجعل ملاحقتهم أكثر تعقيدا.

كما قال رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان إن التحول في مسارات تهريب الكوكايين من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا جعل من المغرب نقطة عبور رئيسية، وأدى إلى اندماج شبكات تهريب القنب الهندي التقليدية في تجارة الكوكايين، بل والعمل على إغراق السوق المحلية بمخدر كان في السابق مقتصرا على الطبقات الميسورة.

اقتصاد جنائي متنام

أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، قال إن جرائم الاتجار وترويج المخدرات تنتمي إلى الاقتصاد الجنائي، حيث يتم تحدي القانون والاعتبارات الاجتماعية والدينية بشكل سافر.

وأوضح درداري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن العمليات الأمنية النوعية التي نفذتها المصالح الأمنية بولاية أمن تطوان، وأسفرت عن حجز 3 كيلوغرامات من الكوكايين وآلاف أقراص الهلوسة في جماعة ونانة القروية ضواحي وزان، تعكس تحولات إستراتيجية لدى مروجي المخدرات، موردا أن الشبكات باتت تفضل الترويج في القرى النائية تفاديا للرقابة الأمنية “المشددة” بالمدن الكبرى.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات تتبع نمطا واضحا، بينما تستورد المواد الأكثر فتكا، مثل الكوكايين وأقراص الهلوسة، نظرا للعائدات المالية الضخمة التي تحققها هذه التجارة غير المشروعة.

وأضاف الأكاديمي المغربي ذاته أن مكافحة الاتجار بالمخدرات عملية معقدة، إذ لا تنتهي بمجرد توقيف المروجين وتقديمهم للعدالة، لأن هذه التجارة تجد دائما من يعوض الغائبين، بفعل الإغراءات المادية السريعة، وزاد: “كما أن بعض المعاقبين يسجلون حالة العود، ويحافظون على شبكة زبنائهم ومورديهم، وأحيانا يوكلون من ينوب عنهم في إدارة العمليات من داخل أسوار السجون”.

كما أكد درداري إلى أن مروجي المخدرات يستخدمون ذكاء جنائيا متطورا لمواجهة الأجهزة الأمنية، إذ يعتمدون على القاصرين والنساء في التوزيع والنقل، بل يلجؤون إلى إخفاء المخدرات وسط سلع ومواد تجارية.

وأردف الأستاذ الجامعي بأن “أقراص الهلوسة تصنع في الجزائر، بينما يأتي الكوكايين من أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى”، خاتما بأن الشبكات الدولية تضم كبار التجار والعصابات المسلحة، لذلك يرى أن معالجة هذه الظاهرة تحتاج إلى مقاربة دولية ووطنية متكاملة للقضاء على مصادرها وتجفيف منابعها.

وكانت عناصر الشرطة بولاية أمن تطوان، بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، تمكنت أمس الخميس، من حجز 94 ألفا و728 قرصا مخدرا وثلاثة كيلوغرامات من مخدر الكوكايين، وتوقيف شقيقين يبلغان من العمر 29 و41 سنة؛ وذلك للاشتباه في ارتباطهما بشبكة إجرامية تنشط في ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية.

هذه العملية الأمنية أسفرت عن حجز 94 ألفا و728 قرصا مهلوسا من أنواع مختلفة وثلاثة كيلوغرامات من الكوكايين، علاوة على 14 كيلوغراما من مخدر الشيرا وثمانية أسلحة بيضاء ومبالغ مالية بالعملة الوطنية والأوروبية يشتبه في كونها من متحصلات هذا النشاط الإجرامي.

ومكنت عملية التفتيش من حجز ثلاثة موازين وبخاخ غاز مسيل للدموع وجهازين للاتصال اللاسلكي (Talkie walkie )، فضلا عن ست لوحات ترقيم مزورة وسيارتين يشتبه في استعمالهما في تسهيل ارتكاب هذه الأفعال الإجرامية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • Redy
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 07:35

    ارفع القبعة لرجال الأمن. هذه الفئة تقوم دائماً بتصحيح الأخطاء التي تشوب سياسات الدولة في مجال المخدرات. لأنه هناك غياب تام لحلول استباقية أو تعويضية. من الطبيعي ان يلتجأ شباب بدون أفق واضحة إلى أساليب تعوضه ضياع مدخول وضياع مادة مخدرة في دهاليب الاتفاقيات الدولية. التنمية الحقيقية هي التي تعنى بالقرى والبوادي.
    نعلم جميعا ان الرياضة والثقافة و الفن وحتى التدين في مفهومه الاصلاحي يمكنون من الابتعاد عن الاستهلاك. مما يفشل عمليات عديمي الظمير في هذه المناطق. والمرجو هو احداث خلية تدرس التحول الاجتماعي والأخلاقي لدى المراهقين والفتيات في هذ المناطق لقطع الطريق على عديمي الضمير وشكراً

  • متقاعد
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 08:10

    اصبح تجار المخدرات يشكلون خطرا كبيرا على ساكنة البوادي والقرى لاكتساح عصابات في تهريب وترويج المخدرات والمؤثرات العقلية هذه المناطق حيث ترى فيه مجالا فسيحا ومريحا لترويج تجارتها بعيدا عن اعين السلطات الأمنية والمراقبة وقد ألقى هذا الاقتصاد الجنائي اقبالا كبيرا وترويجا نشيطا بين اوساط الشباب و الشابات من مستهلكين وباعة متجولين بين المداشر والحقول بالاستعانة بالدواب لشق الطرق الوعرة ابالمناطق الجبلية والحقول بحيث أصبحت حتى النساء يتاجرن في هذه السموم او نقلها مقابل اجر مادي وبذلك من محاربة هذه الآفة الضارة بالصحة العقلية والنفسية والتي ينتج عنها حذوث جرائم خطيرة لذا يتطلب الأمر بالتفكير باستعمال التكنولوجيا الحذيثة باستخدام طائرات الدرون للرصد والمراقبة المستمرة تشمل جميع المداشر والحقول والجبال المشبوهة التي يتخذها هؤلاء المجرمون اوكارا لهم لتهريب وترويج هذه السموم بين اوساط الساكنة

  • عبد الرحيم
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 08:36

    أصبح لزاما على الأجهزة الامنية ان تطور من ادواتها وطرق عملها بحيث اغلب تجار المخدرات أصبحوا يتفنون في طرق ترويج هته السموم سواء تعلق الامر بالمدن او القرى فمثلا مدينة الدار البيضاء او نواحيها فرغم الرقابة الامنية المفروضة من طرف الدرك والامن الا ان جل التجار اصبحو يتقنون طرق لا تخطر على بال احد من أجل الترويج

  • ملاحظ
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 09:48

    للقضاء على هذه الآفة الخطيرة يجب تطبيق الردع الذي تستعمله ايران أو الصين ألا وهو الإعدام بالرصاص لكل من يتبث التجاره في المخدرات، أما السجن فلا يردع هؤلاء الجناة، بل يسيرون تجارتهم من داخل السجون بواسطة أطفال أو نساء

  • رضوان
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 11:32

    في غياب اجراءات استباقية وقوانين صارمة من الصعب التصدي إلى هذه الآفة التي خربت العقول وشتت المجتمع والعائلات…هذا الذي يبيع المخدرات للناس ومنها شباب وقاصرين من الجنسين ويؤدي ذلك إلى فقدان الوعي وارتكاب الجرائم البشعة…أليس فعله هذا خطيرا؟وبالتالي الاستباق ضروري لتفادي هذا الإجرام،وفي حالة وقوعه لا بد من عقوبة صارمة رادعة للفاعل وم يريد اتباع نهجه…وإلا فالشباب ومقدرات الوطن في خطر مححق.

  • مثقف
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 12:27

    كيف يمكن يكون استهلاك كوكايين في القرى و شمة وحدة ب 700 درهم والقرى ينخرها الفقر و الحاجة غريبب ربما أنني لم أفهم المقال جيدا؟

  • Max
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 12:37

    المخدرات القوية خطيرة جدا على المجتمع المغربي و دول في طريق النمو
    تدمر العقول و الصحة و المال و تشجع الإجرام بشتى أنواعه و تشتت الأسر و الطلاق و الإفلاس بصفة عامة .

  • المحاميد
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 14:05

    سبب الإجرام حتى وصلو الولد يقتل امه او ابوه اوخوه هو هده المصيبة يجب كل يتجر في هده المصيبة الحكم عليه أحكام قاسية بدون رحمة يبيع السموم للناس هده الآفات خطر على الانسان والمجتمع

  • Melan
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 19:42

    العقوبات الخفيفة هي التي تشجع على بيع و تعاطي المخدرات..تحية للدول التي تعدم كل من سولت له نفسه تدمير حياة شباب الأمة لانها هي من تقدر قيمة رجال المستقبل

  • عبد الله
    الجمعة 4 أبريل 2025 - 22:24

    السلام عليكم
    الفساد في كل شيء ينخر البلاد وهناك حل واحد لا تاني له لمحاربة الفساد والمخدرات هو قطع يد اللصوص كبار وصغار بالعدل
    تم اعدام كل تاجر مخدرات صغير او كبيرا المجرم وتاجر المخدرات عندما يرى ان
    يد العدالة سوف تقطع راسه بدون رحمة سوف يفكر مليار مرة قبل ان يتاجر في المخدرات ويدمر الشباب ويساهم في الاجرام بسبب المخدرات يعني لن ترى تاجر مخدرات في البلاد لان الموت يدور في مخه رادع قوي من الله من اجل سلامة وامن مجتمع يحترم حرمات الله وحدوده و ما امر به في حكمه ومن غير هدا الحكم سوف يتفسخ المجتمع تفسخا ويضعف ويهلك تم يسهل على اعداء الامة احتلالها وادلالها وادلال حكامها كدالك…
    الله المستعان.

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 4

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 3

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل