نداء الحسن : أسطورة أغنية

نداء الحسن : أسطورة أغنية
الإثنين 9 نونبر 2015 - 23:09

قد لا نبالغ إذا اعتبرنا “نداء الحسن ” إحدى الأعمال الغنائية الكبرى التي بصمت تاريخ الأغنية المغربية خلال القرن العشرين ، فالزخم الذي حظي به العمل تجاوز حدث المسيرة الخضراء ، لتدخل الأغنية خانة الكلاسيكيات الخالدة

، وَيعجب المتتبع الموسيقي حقا لتواري كثير من الأعمال العاطفية الرائعة إلى ظل الاستماع مقابل الحضور المتجدد لأغنية اعتبرت في بداياتها أغنية مناسبات ألفت لحدث وطني ، فمالذي صنع أسطورة العمل الذي يفاجئنا إشعاعه كل يوم من خلال أداءته الجديدة من الهواة والمحترفين على السواء ومن توزيعاته الموسيقية والاوركسترالية الحديثة ومن إعاداته في مختلف أنحاء العالم .

ولدت الأغنية التي اشتهرت عند المغاربة بمطلعها ” صوت الحسن ينادي ” نظما ليلة 16 أكتوبر 1975 كما يحكي مؤلفها الزجال فتح الله المغاري ، فالرجل استمع كغيره من المغاربة لخطاب الملك الحسن الثاني بمراكش الذي أعلن من خلاله عن تنظيم المسيرة الخضراء ، لم يستغرق النظم حسب مؤلفه أكثر من عشرين دقيقة حتى يكتمل ، التقط الزجال معجم الخطاب الملكي وكلماته الدلالية الرئيسة ذات الصلة بالمسيرة المرتقبة ، فصاغها في قصيدته الزجلية الخالدة ، ويعتبر كثيرون أن فتح الله المغاري حالفه التوفيق منذ المطلع حين ابتدأه بصورة شعرية بليغة جعلت صوت الحسن مجرد مناد بلسان الصحراء ، ثم انساب النظم ملخصا نظرة الحسن الثاني للمسيرة .

بعدها أخذ النظم الملحن عبد الله عصامي صديق كاتب الكلمات والذي شكل معه ثنائيا فنيا ، وكانت المفاجأة أن اللحن – كما الكلمات – لم يأخذ من الملحن وقتا يذكر، فهرع هذا الأخير من بيت المغاري إلى مسكنه لتحويل اللحن إلى نوتة ومن بيته توجه إلى المايسترو عبد السلام خشان مدير الجوق الملكي لتبتدئ البروفات ، ويُحكي أن المدة بين كتابة الكلمات وصياغة اللحن والتدريب على الأغنية لم تستغرق إلا مدة قياسية لم تتجاوز 24 ساعة ، فكانت الأغنية عمليا جاهزة للأداء ليلة 17 أكتوبر1975 ، لكن لكي تسجل الأغنية وتذاع كان لابد من تأخذ تأشيرة الموسيقار أحمد البيضاوي رئيس قسم الموسيقى بالإذاعة الوطنية الذي تردد برهة بداعي عدم توصله بأمر من الملك الحسن الثاني أو من وزير الأنباء بابتداء تسجيل أعمال التعبئة للمسيرة الخضراء ، لكنه أعطى الضوء الأخضر في الأخير لتسجيل القطعة.

كانت السرعة التي تحرك بها مؤلف الأغنية وملحنها كبيرة ، لدرجه أنه أُسقط في أيدي باقي مبدعي الأغنية المغربية العصرية ، وصار من الصعب تجاوز هذا العمل المكتمل شعرا ولحنا وتوزيعا وأداء ، ودليلي على ذلك أن الأغنية الوحيدة التي طاولت نداء الحسن حينها كانت ” العيون عيني ” ، وهي على أية حال من جنس آخر هو غناء المجموعات الشعبية .

قبيل انطلاق المسيرة صدرت الأوامر بتصوير النشيد للتلفزيون ، أعد أستوديو التلمساني بالتلفزة وزينت خلفيته بلوحة تشكيلية ضخمة تجسد معاني المسيرة الخضراء ، تهافت كبار مطربي المغرب على المشاركة في هذه الملحمة ، فآنذاك لم تعم البلوى بمدراء الأعمال كاليوم ، ولم يكن المطرب يشترط أن يكون شمس والباقي كواكب ، وحتى الهندام لم يُتشدد فيه فقد حضر الجميع بلباسه المختار من القفطان والسموكيينغ إلى القيمص الرياضي ، كان في الصف الأول من اليمين إلى اليسار ملحن العمل عبد الله عصامي والموسيقار إسماعيل أحمد والمطرب أحمد الغرباوي وعندليب المغرب محمد الحياني والسيدة بهيجة إدريس ، وفي الخلف كان هنالك محمود الإدريسي وعبد المنعم الجامعي ومحمد علي وعماد عبد الكبير ومحمد بلبشير والجيلالي زراد بالإضافة إلى مجموعة من كورال فرقة الإذاعة ، أما العزف فكان للجوق الملكي بقيادة المايسترو عبد السلام خشان ، والذي يجهله كثيرون أن التسجيل التلفزيوني نفذ بطريقة البلاي باك ، بمعنى أن الأصل في التسجيل كان الشريط الإذاعي الأول ، أما المجموعة التي صورت الأغنية فاكتفت بالترديد الذي لم يسجل صوتا وإنما وثق صورة .

بعد مرور أربعين سنة لازالت الأسئلة تتناسل حول سر نجاح هذا العمل ، فمما أثيرعن العمل هو عن الجانب الذي أنجح العمل ، هل هي الكلمات أم اللحن ؟

لا يختلف اثنان في أن الزجال فتح الله المغاري أبدع بكلمات بسيطة تندرج فيما يصطلح عليه بالسهل الممتنع ، كما لا يمكن أن يختلفا في التناغم الشديد في الأغنية بين النظم والميلوديا ، لكن المتخصصين يرون بأن لحن عبد الله عصامي هو الذي حقق الفرق لأنه كثيرا ما يكون هنالك نظم مبدع ، لكنه لا يمكنه أن ينجح في الغناء إذا لم يُصغ الصياغة اللحنية المتماسكة التي تجسد موسيقيا روح وجو الكلمات ، فاللحن يبتدىء بمقدمة موسيقية رصينة هادئة تميل إلى الحزن ثم سرعان ما يتسارع اللحن لينتقل من السكون إلى الحيوية مع دخول المجموعة في تريد التكبير ” الله أكبر ” ، بعدها يستقر اللحن في هذا المنحى ، ويأتي كوبليه صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحراء ليحسس المستمع بأنه أمام عمل وطني من خلال حضور كورال رجالي يجيب عنه كورال نسائي بخلفية موسيقية راقصة ، ثم سرعان ما يحقق عبد الله عصامي نقلة مبدعة من خلال كوبليه مسيرة أمة وشعب بولادو بناتو حيث يدخل اللحن في التطريب الذي تستطيبه الأذان الشرقية ، ثم يبلغ اللحن دروة التطريب إبتداء من كوبليه حاملين كتاب الله وطريقنا مستقيم حيث يوظف الملحن الفلكلور المغربي الذي تسنده الآلات النحاسية النفخية والإيقاع المكثف ، كان اللحن مسبوكا بشكل بديع وبعيد عن الأجواء اللحنية للأغاني الوطنية التي تعتمد المارش العسكري وضجيج الآلات النفخية وكثافة التوزيع الموسيقي ، بحيث لم يبتعد اللحن كثيرا في ميلوديته عن أجواء الغناء العاطفي .

ومما حقق ميزة العمل أنه لم ينسب لمؤد واحد ، وإنما اعتمد غناء المجموعة ، مما جعله أغنية للمغاربة كلهم ، وهو ما شجع كثير من المحترفين بإعادة غنائه ضمن مجموعات كنعيمة سميح ولطيفة رأفت و حياة الإدريسي وغيرهم دون حرج ، بينما التقليد المتبع في الغناء الاحترافي ظل إلى اليوم هو تجنب إعادة القطع من الغناء المنفرد درءا للمقارنات بين المؤديين ، ثم اكتسب النشيد الطابع الرسمي حين صار عمليا النشيد الرسمي للمسيرة الخضراء ، وسُجل لمؤلفه الزجال فتح الله المغاري تأثيره في معجم المسيرة الخضراء ، فقد إقتبس بعده الإعلام الرسمي

معاني كثيرة من نظمه منها وصف المسيرة الخضراء بمعجزة الزمان .

بقي جانب لابأس من التطرق إليه هو عن علاقة الحسن الثاني بهذا النشيد ، يحكي فتح الله المغاري بأن ” الحسن الثاني رحمه الله كان يحب هذه الأغنية كثيرا ، ويبكي عندما يسمعها ، كنا نغنيها في القصر الملكي ، فيختفي الملك الراحل ويبكي ” ، وكلام مؤلف الأغنية قد لاينطوي عن مبالغة ، فقد أتيحت لنا نحن المغاربة أن نعاين التفاعل المباشر للملك الحسن الثاني مع الأغنية في إفتتاح دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط بالدار البيضاء في سنة 1983 ، ففي إحدى فقرات حفل الافتتاح كانت أغنية نداء الحسن ترافق إحدى الرقصات الفلكلورية المغربية ، وإتجهت الكاميرا للحسن الثاني الذي وقف مزهوا يلوح بيديه وفي عينيه بريق حاد كالذي يغالب دمعه حتى لا ينزل .

النجاح الساحق للأغنية وإرتباطها بالمسيرة الخضراء وبالأحداث الوطنية الكبرى اللاحقة ، جعلت البعض يتساءل عما إذا لم يفكر الحسن الثاني في أن يتخذها نشيدا وطنيا رسميا للمغرب تماما كما فعل صديقه الحميم محمد أنور السادات حين جعل نشيد ” بلادي بلادي” أحد الأعمال الوطنية لسيد درويش في أعقاب ثورة 1919 نشيدا وطنيا لمصر ، شخصيا لا أستبعد أن يكون هذا الخاطر قد ورد في ذهن الحسن الثاني ، لكن الرجل بذكائه المعهود وعلى كل إرتباطه الوجداني بالمسيرة الذي هو مبدعها ، لم يشأ أن يربط النشيد الوطني للمملكة بحدث واحد مهما علا شأنه .

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • العربي الرودالي
    الثلاثاء 10 نونبر 2015 - 08:28

    إنه الإبداع الصادق الذي يولد الطفرة، لما يطلق عليه "السهل الممتنع"..إن الفن قادر على أن يتجاوز السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها، إذا كان نقيا صافي السريرة…تحية للمسيرة الخضراء التي جمعت المغاربة على وجدان واحد، والشكر للفن الغنائي الذي هذب بخصلة الصدق الرفيعة الحس الوطني..نفخر بفنانينا الذين أعطوا الكثير لأغنيتنا المغربية/الوطنية، في الزمن الجميل..وتحية للملحن عبد الله عصامي وفتح الله المغاري بحجم إبداعهما الوطني هذا..

  • karim rbali
    الثلاثاء 10 نونبر 2015 - 08:56

    تحليل انيق وقراءة رائعة . شكرا

  • المهدي
    الثلاثاء 10 نونبر 2015 - 15:09

    ممتاز يا استاذ ، لطالما أعجبت بهذه الملحمة الرائعة التي تذكرنا بالزمن الجميل حيث الوطنية الصادقة يزيد من وهجها مثل هذا الأناشيد الحماسية لعمالقة من صنف عبد الله عصامي ، عبد الرحمان الكواكبي في رائعته " باسم العروبة والإسلام ، والقدس سيناء والجولان "بمناسبة التحاق فيالق من الجيش المغربي بسوريا ومصر خلال حرب 73 ، شكرًا على هذه القراءة والتحليل الشيق الذي أضاء جوانب من كواليس هذا العمل الرائع .

  • رضوان ع.
    الأربعاء 11 نونبر 2015 - 10:25

    أبدأ أولا بتحية تقدير للقاضي والدكتور والصديق العزيز المهدي شوبو..
    مقالة رائعة كثفت الكثير من المشاعر الوطنية الصادقة الصافية لكاتبها ..وقوف جميل على عظمة أرواح صنعت ملحمة حقيقية في وقت وجيز بدأ بخطاب الملك مرورا بأرواح كتبة وملحنين ومغنين وفنانين وتقنية وتلقي …
    قراءة مبدعة تنم عن ترابط الأجيال وعن روح وطنية خالدة تسكن أبناء هذا الشعب…أجمل التحايا لكم جميعا.

  • زيب شقرون
    الأحد 6 نونبر 2016 - 13:58

    لا يختلف اثنان إن اللحن ضروري لأية أغنية لكن ما يميز هذه الأغنية هي كلماتها الصادقة المنبعة من وجدان شاعر زجال مبدع و خلاق (فتح الله المغاري) و يشهد له منجزه الإبداعي و رصيده الشعري بذلك و هناك ايضا الصور الشعرية التي أظفاها الشاعر على الصحراء المغربية. إذ أنسنها و جعلها تثحدت بصوت الحسن إضافة إلى العلاقة الوطيدة و التفاهم الكبير بين الشاعر فتح الله المغاري و الملحن عبد الله عصامي و التجاوب الروحي بينهما هو ما ساهم غي نجاح هذه الأغنية خاصة و أن الأستاذ الشاعر (فتع الله المغاري) تتبع اللحن في كل مراحله لأنه صاحب العمل الأصلي.

صوت وصورة
رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا
الأحد 20 شتنبر 2026 - 15:05

رسالة يحيى يحى لملك إسبانيا

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23 1

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 5

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم