هل لدينا حقا ثقافة القرارات الكبرى في الاجتهاد القضائي؟

هل لدينا حقا ثقافة القرارات الكبرى في الاجتهاد القضائي؟
الأربعاء 25 يوليوز 2018 - 06:42

السؤال أعلاه معناه أن قاضي اليوم وبأية محكمة كان عليه أن يلتزم أدبيا باجتهادات قاضي النقض بالأمس والتي صدرت في سنة 1957؛ وهي اجتهادات غنية ورائدة بكل ما في الكلمة من معنى، سواء من حيث الشكل والمضمون والصياغة ومنهجية التعليل. ومن ينازع أو يجادل ما عليه إلا أن يرجع إلى الأعداد القديمة لمجلة قضاء المجلس الأعلى من 1 إلى 50 مثلا..

أم أنه في الواقع ليست لنا هذه الثقافة.. ومن ثم، فإن كل محكمة أو غرفة “تلغي بلغاها”… بمعنى تتكلم وتتحدث بلغتها وفهمها الخاص للقانون والوقائع، وتعول على فكرها واجتهادها دون أن تلتفت إلى ما سبق من قرارات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات مع أنها “قرارات كبرى” (les grands arrets) بالمقياس المغربي… والله أعلم..

ثقافة “القرارات الكبرى” لها شرط أساسي وجوهري، ألا وهو نكران الذات والنزاهة الفكرية والموضوعية في المناقشة واتخاذ القرارات، وإن الحقيقة القضائية نسبية وكل واحد يسهم فيها بما يسره ووهبه الله له من فكر والقدرة على الاجتهاد، وإلا ما كان القاضي الفرنسي الإداري في سنة 2018 ومعه الباحث الأكاديمي بل يجدان أدنى حرج أو عقدة للرجوع إلى حكم بلانكو الشهير arret BLANCO الصادر سنة 1873… انظروا إلى تواضع القضاة الكبار والفقهاء الراسخين في علم القانون وهم يحفظون تراثهم القضائي ولا يتبرؤون منه..

إنها ثقافة الاعتراف بمن سبق وبمن ابتكر وبمن أسس، ولا أحد عندهم نسب النجاح والمجد إليه وحده، كلهم يكملون بعضهم بعضا… كم يبدو المشهد الحقوقي عندهم رائعا..

ثقافة “القرارات الكبرى” تتعارض كليا مع مقولات فيها بعض الأنانية من قبيل: “احنا أولاد اليوم” أو “الماضي فات الاجتهادات عاد بدات”… الله أكبر !

الله يرحمنا ويغلبنا على خلافاتنا واختلافاتنا، وإن كان في الاختلاف رحمة، قولوا آمين يا رب العالمين؛ ولكن يجب الاعتراف كذلك بأن وزارة العدل لم تكن تتوفر، إلى غاية 2016، على مكتب فني تكون مهمته جمع هذه القرارات الكبرى في المدني والإداري والاجتماعي والجنائي إلخ… كما أن أية مؤسسة خاصة بالمغرب تهتم بالنشر والطباعة والتأليف الحقوقي لم تهتم بالموضوع كما تفعل دور DALLOZ دالوز وSIREY وLGDJ بفرنسا مثلا.. وإن كان المغفور له الحسن الثاني نبه، في إحدى خطبه الموجهة إلى القضاة والقضاء، إلى ضرورة نشر قرارات النقض وتعميمها ليكون المتقاضي على علم بها وبصناعة القضاء المغربي التي كان يفتخر بها المغفور له الحسن الثاني، إذ قال إنه يحتفظ في خزانته ببعض قرارات المجلس الأعلى التي يقدرها ويعزها.. وقد حاول محمد ميكو، الرئيس الأول السابق للمجلس الأعلى، تنفيذ التوجيهات الملكية قدر المستطاع منتصف التسعينيات من القرن الماضي؛ وهو ما أعاد الروح إلى بعض المجلات القضائية والحقوقية، وشجع بعض الأقلام القضائية والجامعية على الكتابة والمساهمة فيها، لله في سبيل الله، وبدون بزنس، الله يرحم الجميع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MOHAMMED MEKNOUNI
    الأربعاء 25 يوليوز 2018 - 15:23

    (( ومن ينازع أو يجادل ما عليه إلا أن يرجع إلى الأعداد القديمة لمجلة قضاء المجلس الأعلى من 1 إلى 50 مثلا..)).
    لقد صدقت يا أستاذ وصدقك يكمن في تفحيص وتمحيصك لهذه الأحكام .
    وحيث بما أن الشيء بالشيء يذكر ، فسأقدم بعض المعطيات الصادمة للغرفة الإدارية وعددها ثلاثة .
    فالرجاء الرجوع إلى قراءة قراراتها وخاصة في هذه الآونة الأخيرة فهناك مستشارون يصدرون أحكام في المادة التجارية والإدارية وهلم جرا .
    رجاء من السيد رئيس محكمة النقض وضع كل قاض في المادة التي يتقنها وإلا فذوي الحقو ق لم ولن يحصلوا على حقوقهم .
    عندما أتصفح بعض القرارات الصادرة عن هذه الغرفة أصاب بالدوران .
    عار ، عار . عار ضياع حقوق موظفين أفنوا شبابهم في الإدارة ويحرم من رخصه السنوية وبزكية أعلى سلطة قضائية في البلاد وإذا أراد الطعن بإعادة النظر يستوجبه دفع مبلغ 5000 درهم .
    يا أيها المشرفون على العدالة ، إتقوا الله في الموظف المغربي .

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 5

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت