بهذا التساؤل ختمت الدكتورة رحمة بورقية محاضرتها، التي احتضنتها مؤسسة أبو بكر القادري والتي قارب عنوانها واقع التعليم ببلادنا «المنظومة التربوية على محك الأزمة». هذه الأزمة التي طال أمدها، على الرغم من المحاولات العديدة والميزانيات الضخمة التي رصدت لإقلاع قطار التعليم؛ فإنه يأتي في آخر الكوكبة بين الأمم، باستثناء إنجازات فردية تبرق ويسطع نجمها هنا أو هناك.
كل حديث عن التعليم وقضاياه يجعل التاريخ مبتدأه، والتوصيات والآمال منتهاه. المنهج ذاته اتبعته الدكتورة رحمة بورقية، المديرة السابقة للهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي؛ فبعد أن أشارت إلى المحاولات الإصلاحية التي امتدت لما يقرب من 67 سنة، والتي أفلحت في نقل تعليمنا من تعليم تقليدي إلى تعليم عصري، لكنها لم تستطع أن تتخلص من الكثير من المعيقات المرافقة له، مما جعل سؤال الإصلاح والتجديد لا يفارقه. يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي بالبشري، لكن خيوطه الناظمة يمكن حصرها في:
1- أزمة النموذج القيمي الهويتي: المرتبطة بقضية التعريب، التي ترى الدكتورة أنه أربك التعليم لسنوات طويلة. ينضاف إليه الموقف من العلوم الذي جعلها تتضارب بعد إلغاء الفلسفة وتعويضها بالفكر الإسلامي أو المزاوجة بينهما. وهكذا بدت المدرسة وكأنها حلبة للصراع بين دعاة الأسلمة والتعريب من جهة، ودعاة الحداثة والانفتاح من الجهة الأخرى.
لقد ارتبط تعليمنا بالقيم أكثر من غيره من النواظم، فالتربية على القيم مدخل مركزي في بناء المناهج الدراسية، ولا تكاد تجد قيمة يُراد محاربتها أو تكريسها في المجتمع إلا وتجد المدرسة الجبهة الأمامية لخوض معاركها. فالبرامج الدراسية خصصت وحدة ديداكتيكية للقيم، بأبعادها المحلية والكونية. كما تشهد فضاءات المؤسسات التربوية حملات تحسيسية وتوعوية بالظواهر التي تؤرق المجتمع، ويسعى إلى استئصالها، عملا بالحكمة: «إذا ربينا الأطفال ، فلا حاجة لعقاب الرجال». وأيضا فضاء لكسب السلوكات المدنية والتنشئة عليها منذ الصبا؛ فهي وسيلة لتحلية المجتمع بكل جميل من الأخلاق، كما هي وسيلة أيضا لتخليته من كل دنيء من السلوكيات.
بالاهتمام نفسه تحظى الهندسة اللغوية للتعلمات، حيث نجد التعريب شعارا ضمن الشعارات الكبرى للتعليم الوطني منذ التأسيس؛ لكن الطريق إليه عرف منعرجات عديدة ومد وجزر، أسهمت الفرنسة في كبح مسيرته، واستقرار مكانته في المنظومة التربوية. كما الدعوى قائمة لتدريس الأمازيغية والتدريس بها، بعد إقرارها دستوريا، وإن كان الرواد من علماء الأمازيغ لهم رأي آخر، جاء في كتاب (المعسول) لمحمد المختار السوسي: «اللغة العربية هي شعار المغرب وكنزه الموروث المحافظ عليه، كلغة رسمية، حتى يوم عمَّمتْ تركيا لغتها في جميع أنحاء بلاد العرب منذ أوائل القرن العاشر الهجري». كما كتب محمد المختار السوسي كذلك في هذا الشأن: «لقد صرنا نحن أبناءَ (إلغ) العجم نذوق حلاوة العربية وندرك طلاوتها، ونستشف آدابها، ونخوض أمواج قوافيها حتى لنعد أنفسنا من أبناء يعرب».
واليوم الحديث عن التناوب اللغوي مرتفع منسوبه بعد إقرار القانون الإطار، كما أن ضرورة الانفتاح على العالم قد تقتضي تولية الوجه نحو لغة هي الأكثر تداولا إعلاميا وحضورا علميا.
2- صعوبة التطابق بين زمن الإصلاح والزمن السياسي: حيث نجد كل مشروع إصلاحي لا يصل إلى مبتغاه، فكل حكومة تنسخ وتلغي ما تم إنجازه، وتختار البدء من الصفر. فنجد أنفسنا أمام كم هائل من المبادرات، لكن بينها قطائع، وتواجه بممانعة بعض الفاعلين التربويين. مما جعل المتتبعين ينظرون إلى كل إصلاح وكأنه حدث موسمي، يستعجلون مرور قطاره،
والانتهاء من ضجيجه. ويخلف من الشكوك حوله أكثر مما يذكي من الحماس والثقة في قدرته على علاج أورام المنظومة. وهكذا، يفقد الإصلاح داعميه، ويوقع السياسة العمومية في مأزق. لذا، كانت المناداة من طرف عدد غير قليل من النخب التربوية بجعل التعليم وقضية تدبيره في يد مؤسسة لا تخضع للمنطق الانتخابي، ورهانات الفاعل السياسي، كالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بسلطات تقريرية ملزمة، حتى يكتب للمشاريع الاستمرارية والتراكم المطلوب لإنضاج المشروع، وتعبيد الطريق له التطبيق، دون انتظار إفرازات صناديق الاقتراع.
3- عدم التطابق بين المشروعيتين القانونية والاجتماعية: سجلت الدكتورة بورقية ملاحظة بشأن الميثاق والقانون الإطار اللذين تولدا عن تشاور مجتمعي، ونقاش حاد بين كل الفاعلين والفرقاء؛ لكن بعض الخطط والمشاريع تبدو فوقية، رغم الحديث المرتفع منسوبه عن اللامركزية واللا تمركز مع غياب شبكات جهوية تتبنى قضية التعليم، وتناقش تحدياتها، حيث يمكنها أن تحافظ على معاني النصوص الجيدة، وكسب المزيد من الدعم الاجتماعي لها، لكي يعلى من سقف آثارها، وتحقيق أكبر نسبة من أهدافها.
ويمكن القول، بشهادة العديد من الخبراء، إن الميثاق الوطني يعد وثيقة من أفضل ما أنتجه الفكر التربوي الإصلاحي بالمغرب للحاضنة الاجتماعية التي كانت خلفه. وكل المشاريع التي تلته، بدءا من الرؤية الاستراتيجية، وصولا إلى خارطة الطريق، مشكاة من قبس نوره الذي ينتظر التفعيل حتى يعم كل أرجاء المنظومة. ولعل الرفض الاجتماعي للقانون مهما كان جيدا، فبالأحرى إن كان معيبا، مآله الخرق. هنا نستحضر البعد الديمقراطي في بناء مصفوفة القوانين، فالأغلبية هي الضامن لتفعيلها، والإقناع بجدواها.
4- أزمة الجودة: انشغل المغرب حينا من الدهر، وبذل مجهودات كبيرة لتعميم التعليم، وأن لا يتخلف أي طفل عن المدرسة؛ لكنه مطمح لم يعد ذا بال رغم أهميته بعد تحققه، مما جعل الطبول تقرع، كما قُرعت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد صدور تقرير «أمتنا في خطر». ليس من أجل ضمان مقعد في فصل دراسي، بل من أجل تجويد التعليم في رحابه، بعدما لم تخل أي نقطة جغرافية مهما نأت من بنيانه. هكذا سيتم التأكيد فيما بعد على نفعية المدرسة، وأن جودة المنظومات تقاس بتعلمات وكفايات التلميذ. فكسب مقعد في فصل دون تحصيل دراسي، يصبح هو وفقده سيان أو عبث، و«أفعال العقلاء، منزهة عن العبث”.
ولأهمية الجودة ومركزيتها في كل جهد تعليمي وما تمثله مؤشراتها من قيمة في الرفع من شأن منظومات تربوية والحط من شأن أخرى، سينخرط المغرب في برامج التقييمات الدولية: بيرل، وتيمز منذ 2018، بالإضافة إلى البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات، والتي للأسف تكشف ضعف ما نقدمه وقلة ما نكتسبه، والتي يرجعها البعض إلى حجم الإمكانيات الضعيفة المرصودة للتعليم. والحال أن منظومات تدبر بموارد مالية لا ترقى إلى ما يُصرف على تعليمنا، وتقدمت على منظومتنا بمراتب، أحيل على التقارير العربية والإفريقية عدا الدولية. الشيء الذي يعطي لمقولة «حسن تدبير الإمكانيات المتاحة، أساس الجودة» النصيب الوفير من المصداقية.
في ختام العرض، تساءل الحاضرون من رجال التربية والفكر، هل مازالت لهذه المداخل الأربعة- والتي نعتها أحدهم بالبؤر الأربع حيث تسكن الثعابين- راهنيتها؟ فالكثير يتحدث عن الجودة وهو يخفي السياسة كما أشار البعض، وهم يستحضرون المطالبة بالكرامة. فما نشهده اليوم من تعميق للفوارق الاجتماعية تعليميا، وفقدان المدرسة لوظيفتها في الترقي الاجتماعي، الذي سلبته منها الخصوصية في حدود. فنحن في حاجة إلى وعي جماعي تضامني، كذلك الذي لمسناه في فاجعة الحوز، حيث هب المغاربة إلى احتضان القضية وتبنيها؛ الشيء الذي عجل بتجاوزها، وهو السلوك نفسه المطلوب اليوم في قضية التعليم، بخلق شبكات جهوية للتفكير والسهر على الإنجاز وتجسيد ما يسطر في الأوراق الميدان.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.