نظّم مختبر البحث حول المغرب والعالم الأيبيري والأيبيروأمريكي، بتعاون مع سفارة المغرب بالشيلي ومركز محمد السادس لحوار الحضارات بمدينة كوكيمبو الشيلية، برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين شق بالدار البيضاء، ملتقى دوليا تحت عنوان: “أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا تلاقحات ثقافية”، بغرض بحث سبل امتزاج ثقافات الشعوب المختلفة عوض إلباس الآخر قالبا نمطيا مغلوطا يحول دون الاحتكاك به والتثاقف معه.

وشهد الحفل الافتتاحي حضور شخصيات دبلوماسية وازنة، من ضمنها السفير الباراغوياني أوسكار بينيتيث إستراغو، الذي شدد على أهمية إضفاء دينامية أكبر على الدبلوماسية الثقافية بين المغرب وجمهورية الباراغواي عبر تعزيز برامج تبادل الطلاب المستفيدين من منح جامعية، مشيرا إلى أن قواسم مشتركة عديدة تربط البلدين، إلا أنه يلزم القيام بعدة أشياء من أجل بلوغ مستوى التطلعات المرغوبة على جميع الأصعدة.
من جهته، أوضح عبد القادر الشاوي، الكاتب والسفير المغربي السابق بالشيلي، أن الحوار مهمة تتطلب بصورة أساسية جهدا لا بد منه ورغبة لا غنى عنها، مبرزا أن أهمية الحوار تكمن في البحث عن مجال تكون فيه الحقوق والواجبات مشتركة يتقاسمها المتحاورون بغية طرح وبلورة قواعد مناسبة تسمح بالتوصل معا إلى توافق، من خلال إدراك حقيقي وعقلي بمبدأ التنوع والاختلاف كمدخل أساسي للحديث أيضا عن الهوية.

وقال الشاوي، في معرض مداخلته التي اختار لها عنوان “الحوار، من المستحيل إلى الممكن”، إنه بدون الاعتراف بالحاجة إلى إعلان الحوار وإجرائه لا يمكننا الوصول إلى الاعتراف بالتنوع، مؤكدا أن “حوار الحضارات هو في المحصلة النهائية العلمية الدائمة لتطوير التفاهم وبناء معرفة مشتركة، وفي الوقت نفسه تحويل كيانات إلى هويات من الممكن أن تتوافق وتقبل بعضها البعض بشكل تلقائي دون معيقات”، بتعبيره.
ويرى المعتقل اليساري السابق، وصاحب رواية “كان وأخواتها”، أن فكرة الحوار أخذت مجراها نحو التبلور بطريقة تدريجية، إذ يبدو من الطبيعي تماما اعتبار التقاء الإرادات أمر أساسي من أجل تطوير وتقوية جميع الفرص بغرض رفع التحديات التي قد تواجه المتحاورين، موردا في السياق نفسه أن معطى الحوار في طريقه نحو إنجاز مهمته الحضارية المطلوبة، لاسيما بعدما أخذ يسجل علامة واضحة في تحويل حساسية المتحاورين إلى أفعال ومبادرات.

وزاد الناقد والروائي المغربي أن هناك في الحقيقة نصوصا مقدسة، دينية وغير دينية، لا تخلو من كلمات تُدافع وتحث على المواجهة والتدافع في احتقار كلي للعقل وللمنطق وللاختيار الإنساني المنفتح على الاختلاف، وقال أيضا إنه “يمكن الافتراض بأنه في كل نسق تفكيري وفي كل الاعتقادات درجة معينة من الإطلاق والكلية، اللذين يمكن اعتبارهما نابعين من التطور الداخلي للفكر نفسه أو لتلك الاعتقادات عينها”.
“الحوار بين الثقافات هو فرصة سانحة لتحويل التنوع الجماعي القائم والموجود إلى تحديات ومهام نابعة من التكامل الإنساني المتفاعل والمستدام بواسطة القيم”، يضيف الكاتب الشاوي، الذي أبرز أن للحوار ثلاثة مقومات، أبرزها الوجود والتنوع والتفرد التي تعطي لمفهوم المجموعة البشرية معنى التطبيع، انطلاقا من منح المجال للجميع بهدف عرض أطروحاته وحججه دون أن يمنع الآخر من أن يقوم بالشيء نفسه.

من جانبه، أشار عبد العالي باروكي، الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أن التاريخ المشترك بين المغرب ودول أمريكا اللاتينية يمر عبر إقليم الأندلس الإسباني، من خلال الرحلات والهجرات العديدة التي عرفتها القرون الموالية لما بعد وصول كريستوفر كولومبوس إلى هذه الضفة من العالم، على الرغم من أن بعض الدراسات تتحدث عن وصول بحارة مغاربة إلى الضفة الأخرى من الأطلسي حتى قبل الرحالة الإيطالي.
وتابع باروكي أن “المشترك الآخر بين الطرفين هو اكتواء كليهما بنار الاستعمار والاستغلال المفرط للثروات من قبل القوى الأوروبية، وهو ما عكسه الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا في كتابه ” El sueño del celta” (حلم السيلتي)، من خلال الشخصية التاريخية الايرلندية البريطانية -Roger Casment- روجير كاسمانت، الذي وقف على الإبادة التي تعرض لها الأفارقة بالكونغو من طرف الاستعمار البلجيكي.

وأثار المتدخلون أهمية الترجمة في مد جسور الحوار والتواصل بين الشعوب، إذ قال الأستاذ الباحث خالد لحرش، في معرض مداخلته المعنونة “الترجمة، الرابط المُوَحد للثقافات”، إن الترجمة تلعب أدوارا كبيرة في عملية التلاقح الثقافي بين الأمم التي تتكلم لغات مختلفة، إذ لا يخفي على أحد أن لكل شعب لغة خاصة تشكل أداة ضرورية لتحقيق التواصل بين أفرادها؛ بيد أنها عادة ما تصير حاجرا يحول دون تحقيق هذا المبتغى”.
وأضاف لحرش أنه يتم الاستعانة بالترجمة قصد التغلب على هذا الحاجر اللغوي الذي يحول دون تحقيق التلاقح بين شعوب المعمور، باعتبارها أداة لا مناص منها لمد جسور التواصل، مبرزا أن الأمم تستطيع أن تتعارف فيما بينها بفضل الترجمة، الأمر الذي يقود إلى ربط علاقات على جميع الأصعدة، خاصة الثقافية منها، لاسيما أن نجاح العلاقات متوقف على مبدأ الاعتراف بالأخر ككيان قائم الذات عوض احتقاره.

وخَلُصت لجنة تنظيم هذا الملتقى الدولي، الذي عرف مشاركة طلبة باحثين في سلك الدكتوراه وكتّاب أجانب، إلى سلسلة توصيات؛ أبرزها العمل على تعزيز الحوار من خلال تشجيع مثل هذه الأنشطة العلمية بين مختلف المؤسسات الأكاديمية والثقافية الموجودة بأوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، إضافة إلى تقوية التعاون بشأن برامج تبادل الطلاب الجامعيين والسهر على استعادة الذاكرة المشتركة بهدف تصحيح الصور النمطية.
لقاء أكاديمي ناجح بكل المقاييس يبلور المجهودات الجبارة التي يقوم بها مختبر البحث في المغرب و
لشؤون الايبيرية و الايبيروامريكية بكلية الاداب عين الشق، فتحية خالصة لكل القائمين على المختبر ولكل الأساتذة و الطلبة وباقي الشركاء.