التعليم في البرنامج الحكومي

التعليم في البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 08:41

التعليم في البرنامج الحكومي: من طموح الأرقام إلى سؤال الإنصاف

قدّمت رئيسة الحكومة أمام البرلمان، طبقًا للفصل 88 من الدستور، البرنامجَ الحكومي الذي تلتزم حكومتها بتنفيذه خلال ولاية 2026–2031. وفي الشق المتعلق بالتربية والتكوين، يتضمن البرنامج التزامين لافتين. الأول هو رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق 2031. والثاني هو بلوغ «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق 2030. ولتحقيق الهدف الأول، يراهن البرنامج على مواصلة تطوير نموذج مؤسسات الريادة وتعميمه، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية بالاستعانة بالوسائل الرقمية.

أن تلتزم حكومة بأهداف رقمية قابلة للقياس أمر يُحسب لها. فالوعد العام يصعب أن يُحاسَب عليه أحد، أما الرقم المعلن فيمكن أن يُراجَع ويُسأل عنه. غير أن الرقم يطرح بدوره أسئلة لا يجيب عنها البرنامج بعد: كيف سيُقاس؟ ومن سيقيسه؟ ومن هم الذين لن يشملهم؟

رقم ينتظر التعريف

لا يكتمل معنى هدف الـ80 في المائة إلا بتحديد ثلاثة عناصر يسكت عنها البرنامج:

– نقطة الانطلاق: كم تبلغ هذه النسبة اليوم؟

– المستويات الدراسية المعنية: نهاية الابتدائي، أم الإعدادي، أم كليهما؟

– أداة القياس: بأي أداة سيُقاس التقدم؟

فالفرق كبير بين أن تقيس التقدمَ الجهةُ المكلفة بالتنفيذ نفسها، وأن يقيسه تقييم وطني مستقل، كالذي تنجزه الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ويُقارن دوليًا عبر تقييمات مثل PISA.

وليس هذا تشكيكًا في النيات. فكل مؤشر يتحول إلى هدف سياسي يتعرض لضغط يدفع إلى تحسينه شكليًا: إعداد التلاميذ للاختبار بدل تعليمهم، أو تكييف أدوات القياس بما يرفع النتائج. والضمانة الأساسية ضد ذلك هي الفصل بين من ينفذ ومن يقيس، ونشر المنهجية والنتائج للعموم.

مؤسسات الريادة: تعميم النموذج لا يعني تعميم شروط نجاحه

ينبغي أن يسبق توسيعَ نموذج مؤسسات الريادة تقييمٌ مستقل ومنشور لنتائجه. ولا يكفي في ذلك عدد المؤسسات المنخرطة أو مؤشرات الإنجاز الإداري، بل المطلوب أثره الفعلي على التعلمات، مع الإجابة عن أسئلة محددة:

– هل تتحسن النتائج مقارنة بمؤسسات مماثلة لم تلتحق بالنموذج؟

– هل تصمد المكتسبات بعد السنة الأولى؟

– هل ينجح النموذج بالقدر نفسه في الأقسام المشتركة بالوسط القروي وفي المؤسسات الحضرية المكتظة؟

فالتجربة التربوية الناجحة في سياق معين لا تنجح تلقائيًا حيث تُنقل، لأن نقل النموذج يقتضي أيضًا نقل الموارد والتأطير والزمن التي صنعت نجاحه.

الإنصاف: الاختبار الحقيقي للإصلاح

لا ينطلق المتعلمون من الشروط نفسها، ولا تستقبلهم المؤسسات بالإمكانات ذاتها. وإذا لم تؤخذ هذه الفوارق في الحسبان عند تصميم السياسات وتقييمها، فقد يتحسن المتوسط الوطني بينما تظل الفئات الأكثر هشاشة في وضعها نفسه. فقد تُخفي نسبة وطنية تبلغ 80 في المائة أقاليمَ لا تتجاوز فيها النسبة النصف.

لذلك لا يكفي أن نسأل: كم تبلغ نسبة المتحكمين في التعلمات الأساسية؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: من هم الذين لم يبلغوا هذا المستوى، وأين يتمركزون؟ والسبيل العملي إلى الإجابة هو نشر النتائج مفصّلة حسب الجهة والإقليم والوسط الحضري والقروي والجنس، وجعل تقليص الفجوات هدفًا معلنًا قائمًا بذاته، إلى جانب رفع المتوسط.

ويتصل بهذا أن الشق التربوي من البرنامج لا يتضمن التزامًا صريحًا بشأن التعليم الأولي، مع أن جزءًا كبيرًا من التفاوت في التعلمات الأساسية يتشكل قبل أن يلج الطفل القسم الأول من الابتدائي.

فالإنصاف ليس مطلبًا اجتماعيًا يُضاف إلى الجودة بعد تحقيقها، بل هو أحد شروطها. والمدرسة الجيدة هي التي ترفع مستوى الجميع، وتمنح من يحتاجون إلى دعم إضافي الوقت والوسائل والمواكبة اللازمة.

المدرّس: الغائب عن الشق التربوي

يُلاحظ أن المدرّس لا يرد صراحة في الشق المخصص للتعليم من البرنامج، مع أن كل الآليات المعلنة تمر عبره: التقييم التشخيصي، والدعم التربوي، والمواكبة الفردية. أما الإشارة الوحيدة التي قد تعنيه، وبصورة غير مباشرة، فهي التزام الحكومة بتطوير حلول سكنية لفائدة موظفي القطاعات التي تعرف صعوبة في الاستقطاب.

والرهان على المواكبة الفردية يطرح أسئلة عملية:

– هل تسمح أعداد التلاميذ في الأقسام بتتبع فردي فعلي؟

– هل يتوفر زمن مخصص لمعالجة التعثرات؟

– هل يتلقى المدرسون تكوينًا ومواكبة يمكّنانهم من تحويل نتائج التقييم إلى تدخلات ناجعة؟

– هل يُنظر إليهم شركاءَ في بناء الإصلاح، أم منفذين لبرامج جاهزة؟

إن تحميل المدرسة مسؤولية النتائج دون توفير شروط إنتاجها يحوّل الإصلاح إلى سلسلة من الالتزامات الإدارية. والمدرّس لا يحتاج إلى مزيد من التعليمات بقدر ما يحتاج إلى وضوح الأهداف، وملاءمة الوسائل، والثقة المهنية، وإشراك فعلي في تشخيص المشكلات واقتراح الحلول.

«صفر انقطاع»: من 300 ألف إلى الصفر في أربع سنوات

يقرّ البرنامج نفسه بأن نحو 300 ألف تلميذ يغادرون الدراسة سنويًا دون تأهيل، وبأن 2,9 مليون شاب وشابة بين 15 و29 سنة يوجدون خارج التعليم والتكوين والشغل. والانتقال من هذا الواقع إلى «صفر انقطاع» في أفق 2030 هدف نبيل، لكنه يحتاج بدوره إلى تعريف دقيق.

فالبرنامج يبدو أقرب إلى معنى توجيه كل منقطع نحو بديل ملائم، سواء بإعادة الإدماج في التعليم، أو الالتحاق بالتكوين المهني، أو التكوين بالتدرج. وهذا فهم معقول، لكن ينبغي التصريح به وضبطه، حتى لا يُحتسب التلميذ «غير منقطع» بمجرد تسجيله في مسار بديل لا يتابعه فعليًا.

ثم إن الانقطاع نادرًا ما يكون قرارًا لحظيًا، بل يأتي غالبًا خاتمة لمسار طويل من التعثر والشعور بالفشل وضعف الاندماج، أو نتيجة صعوبة الوصول إلى المؤسسة وضغوط اجتماعية واقتصادية. لذلك لن يكون الرصد المبكر فعالًا إذا اقتصر على تسجيل الغياب. ينبغي أن يُفضي إلى تدخل تربوي واجتماعي في الوقت المناسب، بتنسيق بين المؤسسة والأسرة والفاعلين الاجتماعيين والسلطات المحلية، وبمسؤوليات محددة لكل طرف. فالمطلوب أن يجد التلميذ في المدرسة معنى للتعلم وإمكانًا للنجاح، لا أن يبقى داخلها فحسب.

أهداف بلا كلفة معلنة

تحمل التزامات عديدة في البرنامج أرقامًا تمويلية محددة: 12 مليار درهم على الأقل لفائدة الجهات ابتداء من 2027، ومليارا درهم لصندوق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، و40 ألف درهم دعمًا مباشرًا لكل أسرة مستفيدة من برنامج السكن القروي. أما أهداف التعليم، على طموحها، فقد جاءت دون كلفة معلنة ودون مراحل وسيطة.

والحال أن البرنامج نفسه يذكّر بدور البرلمان في الرقابة والتقييم. ولكي يكون لهذا الدور معنى، يحتاج الرأي العام وممثلوه إلى ثلاثة عناصر:

– اعتمادات مالية محددة لكل هدف.

– معالم وسيطة منشورة، في 2027 و2029 مثلًا.

– تقييم مستقل يميز بين ما تحقق فعلًا وما لا يزال قيد التنفيذ.

فالتغيير التربوي يحتاج إلى الزمن، لكن الزمن لا ينبغي أن يصبح ذريعة لتأجيل المحاسبة. والتقييم لا قيمة له إن لم يؤدِّ إلى تصحيح الاختيارات.

المدرسة التي نريدها

لا ينبغي أن يتحول الإصلاح التعليمي إلى سباق نحو مؤشرات كمية، ولا أن تصير الأرقام غاية مستقلة عن معناها الاجتماعي والتربوي. فقيمة المؤشر أنه يساعدنا على فهم الواقع وتغييره، لا أنه يعفينا من مساءلته.

إن السؤال الذي ينبغي أن يوجّه النقاش العمومي ليس فقط: كم تلميذًا سيتحكم في التعلمات الأساسية سنة 2031؟ بل أيضًا: أي مدرسة نريد أن نبني، ولمن، وبأي شروط، وبأي ضمانات للإنصاف؟

فالمدرسة العمومية ليست مجرد مرفق يقدّم خدمة تعليمية، بل هي مؤسسة لإنتاج الثقة الاجتماعية، وتوسيع الحريات الفعلية، وفتح المستقبل أمام الأفراد بصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية ومجالات عيشهم. وحين يصبح النجاح المدرسي امتدادًا للامتياز الاجتماعي، تفقد المدرسة جزءًا أساسيًا من رسالتها.

قد تنجح الحكومة في تعميم نموذج تربوي من دون أن تنجح في تعميم شروط نجاحه. وبين الأمرين تتحدد المسافة الفاصلة بين إصلاح يُعلن أهدافه وإصلاح يغيّر حياة المتعلمين فعلًا. والرهان الحقيقي هو أن تصبح المدرسة المغربية أقدر على الوفاء بوعدها الأساسي: ألا يكون مستقبل الطفل رهينًا بالمكان الذي وُلد فيه أو بالظروف التي نشأ فيها.

-باحث في الفلسفة، في قضايا العدالة العالمية وحقوق الإنسان – المغرب

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"

صوت وصورة
مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 12:50 2

مغاربة يشيدون بإنجاز أسود الفوتسال

صوت وصورة
استقالات وتعيينات بمجلس النواب
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 10:51 1

استقالات وتعيينات بمجلس النواب

صوت وصورة
التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 09:05 2

التوقيت الميسر بين الاختيار والإجبار

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري