الجائحة ومنظومة الإعلام

الجائحة ومنظومة الإعلام
الخميس 10 شتنبر 2020 - 23:58

يفتقد المغرب لسياسة إعلامية تواصلية مؤسسة على حاجيات الوطن وتطلعات المواطنات والمواطنين، وتستجيب لتطورات مجالات الإعلام والتواصل متعددة المستويات.

وقد يكون غياب سياسة بهذا المعنى والمضمون في حد ذاته سياسة، أي اختيارا واعيا ومقصودا، فغياب تلك السياسة لا يعني غياب توجهات سياسية في الاتجاه المعاكس، أي تلبي ما تعتبره مراكز القرار “حاجياتها وأولوياتها”، بمضامين تعتقد أنها في خدمة السلطة أو بتعامل براغماتي لا يقبل أي رؤية أو منظور.

ركائز الإعلام هي منطلق المنظومة

لا ريب أن البحث في أسباب نجاح البلدان التي استطاعت مقاومة وباء كورونا سيؤكد أن تشغيل واشتغال منظومة الإعلام والتواصل كان من الأسباب الحاسمة في هاته الحرب التي تعددت معاركها …

فقد فرضت الجائحة على العالم أن ينتبه أكثر إلى الإعلام كشريك لا محيد عنه في أي عملية مواجهة، كما رسخت الاندماج والتشابك بين وسائل الإعلام ووسائط التواصل …

وفي هذا السياق وجه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رسالة إلى الحكومات وغيرها من الأطراف المعنية، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، 3 ماي الماضي، ناشد فيها ضمان تمكين الصحافيين من أداء عملهم طوال فترة تفشي جائحة كورونا وما بعدها.

ونبه غوتيريش إلى أن “الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام يضطلعون بدور بالغ الأهمية في مساعدتنا على اتخاذ قرارات مستنيرة”، وأضاف: “في وقت يكافح العالم جائحة كوفيد-19 فإن تلك القرارات يمكن أن تنقذ حياة الناس”.

وتحيلنا فقرات رسالة الأمين العام على بعض ركائز الإعلام التي بدونها لن يوجد، وإن وجد فلن يكون إلا إعلاما هشا أو قاصرا أو منخورا، أو كل ذلك وغيره في الوقت نفسه. ومن تلك الركائز الحرية، والاستقلالية، والمهنية، والتعددية والتمحور حول الخدمة العمومية ومناخ وبيئة الحق في المعلومات.

وسيكون من الوهم الوصول إلى منظومة للإعلام والتواصل دون توفير تلك الركائز.

ولا يتيح هذا الحيز الوقوف ولو عند بعض الأسئلة التي طرحتها الجائحة على الحياة، على العالم، على وجود الإنسان، على العلاقات بين مكونات الحياة في ما بينها، وما بينها وبين عناصر الوجود المادية واللامادية، ليس آخرها علاقة الفرد بالجماعة…وما أوضحته في ممارسة الغرائز، بما فيها تجليات التناقض والتقابل بين غريزة الحياة ومعنى الموت.

ولا ريب أن عدة أسئلة طرحتها فترة الجائحة على مختلف جوانب الإطار العام الذي يشتغل ضمنه الإعلام والتواصل، وبالتالي على أدوار الإعلام والتواصل ومهامهما وعلى محتوياتهما وآليات عملهما. فالناس أنواع ونفسياتهم أصناف، والإعلام والتواصل من أكثر الأدوات والمجالات اهتماما بالتنوع البشري واعتمادا عليه لخلق اللحمة بين التنوع وتنمية المشترك داخل التعدد…

مقومات منظومة الإعلام في أفق نظام للاتصال والتواصل…

لم يكن المغاربة في انتظار الجائحة ليعرفوا ألا منظومة إعلامية ببلادهم، لكن من كان من هم يحتاج إلى تأكيد فقد تبين له الأمر جليا بقدوم الجائحة والفيروس الملعون.

ومع ذلك فالمغرب يتوفر على شبكة إعلامية عبر وجود وسائل إعلام عديدة ومتنوعة، كما يتوفر على تجارب إعلامية بعضها لها تاريخ ورصيد لا بأس بهما. غير أن ذلك لا يكفي للحديث عن منظومة إعلامية مغربية، فالمنظومة لا تتشكل بواسطة وسائل إعلام فقط، لاسيما إن كانت مشتتة وقاصرة وقليلة التأثير؛ بل لا بد من سياسات مرتكزة على إستراتيجية وطنية تبلورها وتساهم في صياغتها كافة الأطراف المعنية بالقضية.

وتوجه أغلب وسائل الإعلام المغربي نحو نمطية معينة لا يفيد البتة بأن هناك تنسيقا وتكاملا كما هو مطلوب في أي منظومة؛ لأن منظومة الإعلام والتواصل ترتكز على الحرية وتضمن التعدد في الاختيارات والتوجهات وليس التعدد بالمعنى العددي. ويبتعد الإعلام عن المنظومة كلما تشابهت أو تطابقت خطوطه التحريرية.

الأسئلة المطروحة على علاقة الإعلام بالمنظومة مطروحة أيضا على قطاع التواصل، فلم يعد من الممكن الفصل بين الإعلام والتواصل في أي سياسة حديثة. للأسف مازال المغرب الرسمي يمارس التواصل بما تفرضه الطبيعة والتقاليد وغالبيتها لا علاقة لها بالإنتاجية والمردودية والممارسة العصرية؛ ما يبعد البلاد عن نظام متكامل للاتصال والتواصل لا يعوضه وجود مؤسسات داخل الدولة ووسط المجتمع تتواصل بشكل جيد أو مفيد.

الإجابة عما تتطلبه مقومات المنظومة الإعلامية والتواصلية يمر عبر عدة روافد لمأسسة الإعلام والتواصل ولتطوير وظائفهما وأدائهما؛ فليس الإعلام والتواصل كما يتعامل معه بعض صانعي القرار مثل الفرن نمده بالعجين “فيحمره ويجمره” ويقدمه للمواطنين.. بل لا يكون الإعلام إعلاما إلا وهو شريك في الخبز والعجين، وفي اختيار أنواع الطحين والحطب وانتقاء الألوان وأشكال التقديم؛ وفي كل ما يحتاجه لإخراج ما يعرضه بالوجه الأفضل والصورة الأجود… والأهم أن تكون المادة الإعلامية مساهمة في النمو الصحي للناس وللمجتمع. وهنا يتعلق الأمر أساسا بالصحة العقلية والصحة النفسية، والوجدانية…

ويساعد تعدد أنواع وسائل الإعلام على خلق تكامل الأدوار بينها، سعيا إلى ترسيخ التعددية المنتجة؛ فما لا يستطيعه المكتوب يستطيعه السمعي البصري، والعكس صحيح، والإعلام الإلكتروني يمكن أن يتقاطع معهما أو يساهم بامتدادات جديدة …

كل ذلك وغيره يقتضي نوعا من التخطيط؛ إنما التخطيط في مجال الإعلام والتواصل لا يكون بهدف التوجيه، بل بهدف تسهيل التفاعل داخل المجتمع لتتحرك مكوناته من أجل بناء الوعي المشترك وتجديد وتطوير ما هو مكتسب منه.

هل تكون الجائحة فرصة لبناء منظومة إعلامية وتواصلية؟

في القطاعات الأخرى هناك منظومات، أبرزها المنظومة التعليمية والمنظومة الصحية، تعاني من اختلالات ومن عجز وخصاص، ومطلوب الارتقاء بها وإصلاحها وتطويرها، أما الإعلام والتواصل فهو يحتاج إلى وجود منظومة؛ إذ هناك إعلام وليس لدينا منظومة إعلامية بناء على مقومات ودعائم على أرض الواقع.

لئن سبق وأضاع المغرب عدة فرص لبناء إعلام ضمن منظومة قابلة للتطوير فها قد أتاحت الجائحة وانعكاساتها فرصا في العديد من المجالات، ومنها حقلا الإعلام والتواصل، فهل ستستثمر للشروع في بناء منظومة إعلامية وتواصلية؟… رغم غياب مؤشرات في هذا الاتجاه، يظل الأمل قائما.

*باحث في الإعلام والتواصل والمساءلة الاجتماعية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • محمد بلحسن
    الجمعة 11 شتنبر 2020 - 14:16

    مقال يستحق تنظيم جلسة عمل بمقر اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي يحضره رئيس المجلس الوطني للصحافة وبعض رؤساء جمعيات تهتم بحرية التعبير والإعلام.
    مقال ممتاز بعض فقراته ذكرتني بـ إنجازات حققتها بعض الدول إفريقيا جنوب الصحراء .. لم تمر بعد 48 ساعة على نشر أخبار تطرق إليها الصحفي المقتدر طلحة جبريل حول تجربة السنغال ضد كورونا واحتلالها المرتبة الثانية عالميا حسب تصنيف أحد المجلات الأمريكية المتخصصة. هذا خبر جديد نشر يوم 9 شتنبر 2020 أعتبره خبر مهم جدا للبحث عن جواب لسؤال محوري: لماذا نجحت دولة رغم محدودية إمكانياتها ؟
    أنصح قراء هسبريس وكاتب المقال للبحث عن تصريحات المسؤولين السنغاليين أجدها أنا شخصيا جد محفزة قاريا ودوليا على الالتزام بمناهج التدبير العصرية التي تعتمد على الاتقان في العمل والشفافية والتواضع والتواصل المستمر مع المواطنين.
    أنا مغربي محظوظ كوني اشتغلت بالسنغال طيلة 4 سنوات كانت كافية لفهم المجتمع السنغالي وخاصة المجال الإعلامي يتميز بوجود صحفيين ملتزمين بالأخلاق المهنية يسعون لترسيخ ثقافة حرية التعبير المسؤول والإنصات الجيد وممارسة صحافة التحقيق والتدقيق للحد من هدر المال العام

  • النرويجي الأسمر
    السبت 12 شتنبر 2020 - 00:42

    الجائحة جاحت و إكتسحت الأجهزة التنفسية للمغاربة، و "الإعلام" يقرع طبول "المخزن" ببرمجتنا على "التطبيع" مع الوباء و ليس "التعايش" معه، فشتان بين "التطبيع" و "التعايش".

    فــ"التطبيع" في السياق الكوروني، يعني جعلنا نستهين بالوباء، من أجل أن يستمر الإنتاج و تدور عجلة الإقتصاد، إنتاج و إقتصاد لصالح "الباطرونا" أما العمال و أسرهم فمجرد "آلات إنتاج"، إذا توفي أحدهم بكوفيد19، يمكن تعويضه بــ"آلة إنتاج" أخرى.

    أما "التعايش" فهو أكثر إنسانية، و يعني أخد الحيطة و الحذر، من طرف الجميع مواطنين و سلطات و أرباب عمل، دون هلع و خوف، و دون توقف لعجلة الإقتصاد، و بإتخاذ التدابير الوقائية بكل جدية و صرامة.

    أليس "الإعلام" من هلل و كبر للإنجازات العظيمة للـ"مخزن" في مواجهة الجائحة، و بعبقريته في الحد من إنتشاره، هو نفسه الآن الذي يحمل المسؤولية للمغاربة؟ و بكل وقاحة

    فالإنجازات العبقرية و العظيمة من إنجاز "المخزن" و الفشل و الإخفاقات بسبب الشعب!!!

    ألا يعلم "الإعلام" أنه لا يمكن تحميل المسؤولية لشعب جُهِل و فُقِر بشكل ممنهج، طيلة عقود من الزمن، حتى يكون شعبا فوضيا و بعيدا عن الإنضباط و الوعي؟؟؟

  • ازدهار
    السبت 12 شتنبر 2020 - 19:30

    الجائجة من المفروض أن تكون حدا فاصلا بين الاعلام العشوائي والاعلام المتحضر المبني على التواصل الحقيقي و الحوار الهادف .بمقومات صحيحة .

  • فريد
    الأحد 13 شتنبر 2020 - 06:39

    أتذكر دائما الفيضانات التي عرفها الجنوب المغربي سنة 2014 والتي أدت إلى وفاة أكثر من 50 شخصا ولا أحد تحرك لنقل ما يقع في تلك المنطقة المنكوبة وترشيد أهاليها حتى الحكومة لم تعط للكارثة أهمية وأنتظرت وصول التعليمات لوزير الداخلية محمد حصاد لزيارة المنطقة والإطلاع على أحوال أهاليها وذلك بمرافقة وسائل الإعلام الرسمية، بمعنى أن الإعلام الرسمي لاقيمة له وهو الذي كان عليه أن يلعب دور السلطة الرابعة لأنه يتوفر على كل الوسائل للقيام بذلك ولكن سياسة التعليمات تحد ليس فقط من دوره بل من دور كل السلط الأخرى. بعد الجائحة لن تتغير الأمور لأن كل من يحكموننا يحاولون الخروج منها بأقل الأضرار ليس للوطن والمواطن بل لهم ولترجع الأحوال لما كانت عليه من قبل أي ليس هناك درس ولاهم يحزنون الأمور كانت على خير (بالنسبة لهم) فلتعد كما كانت عليه،نظام قائم على تقديس شخص لايمكن له تحقيق طموحات شعب لأن التقديس مسألة دينية والأديان لاتحارب الفقر بل تعتبره أمرا محتوما وبشرى للفقراء الذين سيصيرونا أغنياء في الآخرة، والمستحيل هو أن يقوم إعلامي مغربي بحوار صحفي مع ملك البلاد وإذا تحقق ذلك فسيعتبر من الخوارق.

صوت وصورة
تفكيك سرديات نشأة المرابطين
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 15:17

تفكيك سرديات نشأة المرابطين

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 08:55

لقاء خاص | عبد اللطيف وهبي

صوت وصورة
الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 07:48

الشعر الصوفي ''إكسير الشفاء''

صوت وصورة
دراسات أثرية حول العصر المرابطي
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 00:30

دراسات أثرية حول العصر المرابطي

صوت وصورة
أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 23:48

أمطار غزيرة وسيول جارفة بوجدة

صوت وصورة
التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 20:32

التسعيرة ثابتة و''المازوط'' غالي