الجامعة والذكاء الاصطناعي

الجامعة والذكاء الاصطناعي
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:10

ليست عودة جامعية عادية

مع بداية كل موسم جامعي، تنشغل المؤسسات بمواعيد التسجيل، واستقبال الطلبة، وتوزيع الجداول، وإطلاق المسالك الجديدة، وتدبير الخدمات الرقمية. غير أن الدخول الجامعي لسنة ‎2026-2027‎ يأتي في سياق يتجاوز هذه التفاصيل؛ فالجامعة المغربية تواجه تحولاً يمس طبيعة المعرفة نفسها، لا الوسائل التي تُنقل بها فحسب.

فالطالب الذي يلتحق بالجامعة اليوم يدخل عالماً أصبحت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على البحث والتلخيص والترجمة والبرمجة والتحليل وإنتاج النصوص والصور. وما كان يُطلب من الطالب أو الباحث إنجازه في ساعات أو أيام، قد تنتجه آلة في دقائق. لكن السرعة لا تعني الفهم، وإنتاج جواب لا يعني امتلاك القدرة على التحقق منه أو مساءلة افتراضاته.

ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز رقمنة الجامعة أو إدخال تطبيقات جديدة إلى المدرجات: إذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج جزء متزايد من المخرجات التي اعتادت الجامعة تكليف الطلبة بها، فما الذي ينبغي للمؤسسة الجامعية أن تعلّمه؟ وكيف ينبغي أن تقيسه؟ إن الأمر يتعلق بإعادة تعريف وظيفة الجامعة في مجتمع تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والمعلومة والمعرفة والعمل.

الذكاء الاصطناعي يغيّر معنى التعلّم والبحث

لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على إضافة أداة إلى أدوات التدريس؛ إنه يفرض مراجعة طرق التعلم والتقييم، وطبيعة الواجبات والأبحاث، ودور الأستاذ، ومهارات الطالب، وشروط إنتاج المعرفة العلمية. وحين يصبح الوصول إلى المعلومة أسرع وأيسر، تزداد أهمية القدرة على صياغة السؤال، وفحص المصدر، ومقارنة الأدلة، واكتشاف الخطأ والتحيز، وبناء حكم مستقل.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن المعرفة الأساسية أو عن الجهد الذهني؛ بل العكس تماماً. فكلما اتسع استعمال الأدوات الآلية، ازدادت الحاجة إلى معرفة تمكّن الطالب من التمييز بين نتيجة موثوقة ومعلومة مضللة، وبين تحليل متماسك ونص يبدو مقنعاً فحسب. كما يصبح ضرورياً أن تضع الجامعات قواعد واضحة لاستخدام هذه الأدوات، بما يحمي النزاهة الأكاديمية وحق الطالب في التعلم الحقيقي.

فالجامعة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع ما كانت تقوم به بالأمس ليست بالضرورة جامعة تحولت معرفياً. يبدأ التحول حين تعيد النظر في مناهجها وطرائق تقويمها، وتكوين أساتذتها، وصلتها بالبحث وبالمجتمع. وليس المطلوب أن تتحول كل التخصصات إلى علوم الحاسوب، بل أن يكتسب كل مجال القدرة على فهم ما تتيحه هذه التقنيات وما تفرضه من حدود ومسؤوليات.

البنية التحتية الكبرى تحتاج إلى ذكاء يضاعف أثرها

لقد أطلق المغرب، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، أوراشاً كبرى تعيد تشكيل خريطته الاقتصادية واللوجستية والمجالية: من الموانئ الجديدة، وفي مقدمتها الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، إلى المنشآت الرياضية المرتبطة باستحقاقات ‎2030‎، والقطار فائق السرعة، وتوسيع شبكات السكك الحديدية والطرق السيارة والمطارات. وهي استثمارات استراتيجية تفتح آفاقاً واسعة للربط والتنافسية وجذب الاستثمار وخلق فرص الشغل.

غير أن تشييد البنية التحتية، مهما بلغت أهميته، لا يضمن وحده بلوغ كامل مردودها الاقتصادي والاجتماعي. فالميناء لا يصبح منظومة لوجستية ذكية بمجرد اكتمال أرصفته، والملعب لا يتحول إلى رافعة تنموية بمجرد افتتاحه، وشبكة النقل لا تبلغ أقصى كفاءتها من دون تدبير متكامل للتدفقات والصيانة والطاقة والطلب. هنا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه طبقة معرفية وتشغيلية قادرة على مضاعفة قيمة الاستثمار المادي.

يمكن للتحليلات التنبؤية أن تساعد على استباق أعطاب السكك والقطارات، وتحسين جداول الصيانة، وتدبير حركة السير حول الملاعب والمطارات، وتوقع تدفقات المسافرين والبضائع، وترشيد استهلاك الطاقة، وتعزيز سلامة المنشآت. كما يمكن للتوائم الرقمية، ونظم الاستشعار، وتحليل البيانات في الزمن شبه الحقيقي، أن تجعل البنية التحتية أكثر قدرة على التكيف مع الطلب والمخاطر.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي بديل عن التخطيط أو الهندسة أو الخبرة البشرية؛ بل إنه أداة لرفع جودة القرار، بشرط توافر البيانات الموثوقة، والتشغيل البيني بين الأنظمة، والكفاءات المؤهلة، والأمن السيبراني، والحوكمة الواضحة. ومن دون هذه الشروط، قد تبقى المنشآت متقدمة مادياً، بينما تظل طرق تدبيرها دون الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا.

من الصحة والتعليم والتشغيل إلى الماء والطاقة

في الصحة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم قراءة الصور الطبية، وفرز الحالات بحسب درجة الاستعجال، ورصد بعض المخاطر، وتحسين تدبير المواعيد والمخزون وتوزيع الموارد بين الجهات. لكنه ينبغي أن يظل أداة مساعدة للطواقم الصحية، لا بديلاً عن مسؤولية الطبيب، مع احترام سرية المعطيات وحق المريض في الفهم والموافقة.

وفي التعليم، يتيح إمكانات للتعلم الشخصي، ورصد التعثر مبكراً، وتكييف الموارد مع حاجات المتعلمين، ومساندة الأستاذ في إعداد المحتوى والتقويم. غير أن نجاح هذه الإمكانات يتوقف على ألا تتحول إلى وصفات آلية موحدة، أو إلى وسيلة لتكريس الفوارق بين من يملكون الاتصال والأجهزة والمهارات ومن يفتقدونها.

أما التشغيل، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على استشراف المهارات المطلوبة، ومواءمة التكوين مع التحولات القطاعية، وتحسين خدمات التوجيه والوساطة. وفي المقابل، يفرض التحول إعادة تأهيل مستمرة، وحماية من التمييز الخوارزمي، وسياسات استباقية تهيئ العاملين لتغير المهام والمهن، لا الاكتفاء بالتفاعل مع آثاره بعد وقوعها.

وتكتسب هذه الأدوات أهمية خاصة في مواجهة الإجهاد المائي والجفاف. فمن خلال صور الأقمار الاصطناعية، ومعطيات الطقس والتربة، وأجهزة الاستشعار، يمكن تحسين توقع الطلب على المياه، وتوجيه الري، ورصد التسربات، وتحديد المناطق الأكثر تعرضاً للإجهاد.

وفي الطاقة، تساعد التنبؤات على تقدير إنتاج المصادر المتجددة، وموازنة الشبكات، وإدارة الطلب، وتحسين الصيانة. لكن هذه الحلول لن تعوض الاستثمار في الموارد المائية والطاقة المتجددة، ولا الخيارات الصعبة التي تفرضها ندرة المياه؛ إنها تمنح القرار العام أدوات أدق وأسرع وأقدر على الاستباق.

خمس قارات، ودروس لا تُستنسخ

لا توجد وصفة واحدة تصلح لكل البلدان، ولا يجوز نقل التجارب كما هي من دون مراعاة اختلاف الموارد والمؤسسات واللغة والبنية الاقتصادية. ومع ذلك، تقدم مبادرات موزعة على القارات الخمس دروساً يمكن للمغرب أن يستلهمها، لا أن يستنسخها.

في إفريقيا، تقدم رواندا مثالاً على وضع سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي تربط التقنية بالتنمية الشاملة، وبناء المهارات، والبيانات، وتحديث القطاع العام، مع اهتمام معلن بالصحة والتعليم والزراعة. والدرس هنا أن الطموح التكنولوجي يمكن أن ينطلق من حاجات التنمية المحلية، لا من سباق استعراضي نحو أحدث الأدوات.

في آسيا، اختارت سنغافورة نهجاً وطنياً يربط البحث والتكوين وتطوير المواهب بتطبيقات عملية في الصحة والتعليم والنقل والخدمات العامة. كما شددت استراتيجيتها المحدّثة على توسيع الاستخدام المسؤول وتعزيز جاهزية القوى العاملة. وتبرز التجربة أهمية التنسيق بين الدولة والجامعات والقطاع الخاص، وتحديد مشكلات واقعية يمكن للتكنولوجيا أن تسهم في حلها.

في أوروبا، تجمع خطة «القارة الذكية بالذكاء الاصطناعي» للاتحاد الأوروبي بين البنية الحاسوبية، وإتاحة البيانات عالية الجودة، وتنمية المواهب، وتوسيع اعتماد الذكاء الاصطناعي في القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب بناء إطار للثقة والتنظيم. والدرس الأبرز هو أن الابتكار والسيادة التكنولوجية والثقة العامة ليست مسارات متعارضة، بل عناصر ينبغي بناؤها معاً.

في الأمريكتين، تضع الاستراتيجية البرازيلية للذكاء الاصطناعي البحث والابتكار والاستخدام الأخلاقي ضمن محاورها، وتدعم مراكز متخصصة في مجالات من بينها الزراعة والصحة والصناعة والمدن الذكية. وهي إشارة إلى أهمية توجيه البحث نحو تحديات ملموسة في اقتصاد متنوع، مع تطوير القدرات المحلية.

وفي أوقيانوسيا، يربط البرنامج الوطني الأسترالي بين بناء اقتصاد يستفيد من الذكاء الاصطناعي، وتوسيع منافعه على مختلف المناطق والفئات، وتدريب العاملين، وتحسين الخدمات العامة، ووضع أطر للحد من المخاطر. وتذكّر التجربة بأن البنية التحتية الرقمية نفسها تطرح أسئلة عن الطاقة والمياه والاستدامة، وهي أسئلة ينبغي أن تكون حاضرة في التخطيط المغربي.

القاسم المشترك بين هذه النماذج ليس شراء التكنولوجيا فحسب، بل بناء منظومة: أولويات محددة، واستثمار في الكفاءات، وبيانات قابلة للاستخدام، وشراكات بحثية وصناعية، وحوكمة مسؤولة، وتقييم مستمر للأثر. وهذه هي العناصر التي يمكن تكييفها مع الخصوصية المغربية.

أسلحة المعرفة الجديدة

يمكن استعمال عبارة «أسلحة المعرفة الجديدة» استعارةً للقوى التي تحدد قدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتوجيه استعمالهما، لا بمعناها العسكري. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد القوة العلمية تقاس بعدد الجامعات أو الخريجين أو الأجهزة وحدها؛ إنها ترتبط بمنظومة مترابطة من البيانات، والقدرة الحاسوبية، والبنية التحتية والطاقة، والكفاءات، واللغة، والملكية الفكرية، والمعايير، والأمن السيبراني.

فالبيانات ليست مجرد مادة خام؛ إنها مورد ينبغي أن يُدار وفق قواعد الجودة والإتاحة المسؤولة وحماية الخصوصية. والقدرة الحاسوبية لا تختزل في إتاحة تطبيق جاهز، بل تشمل إمكانات البحث والتجريب والتدريب والتقييم. أما اللغة، فهي وعاء للمفاهيم والذاكرة والمعرفة؛ ومن ثم فإن بناء موارد رقمية بالعربية والأمازيغية، وتطوير المحتوى العلمي والمعاجم والبيانات اللغوية، جزء من بناء القدرة المعرفية المغربية.

والجامعة ليست مستهلكاً للتكنولوجيا فقط؛ إنها فضاء يمكن أن ينتج الباحثين والبيانات والنماذج والتطبيقات والأفكار والسياسات. والسؤال الحاسم هو: هل توجد الجامعة المغربية داخل سلسلة إنتاج المعرفة الجديدة، أم تبقى في نهايتها، حيث تستهلك منتجات صُنعت وفق أولويات ومعايير حُددت في أماكن أخرى؟

المغرب: من تبنّي التكنولوجيا إلى بناء القدرة

يقتضي تناول الحالة المغربية تجنب خطابين متقابلين: خطاب احتفائي يفترض أن وجود مؤسسات ومبادرات يكفي لضمان التحول، وخطاب تشاؤمي يصور البلاد باعتبارها مجرد مستهلك عاجز. فالمغرب يتوفر على جامعات ومدارس هندسية ومراكز بحث، وعلى تجارب في الرقمنة والابتكار وريادة الأعمال. غير أن التحدي الاستراتيجي لا يتمثل في جمع هذه المكونات على الورق، بل في ربطها ضمن منظومة قادرة على العمل والاستمرار.

ويقتضي ذلك سياسة وطنية متكاملة للبيانات العلمية، وقدرات حاسوبية مشتركة، وتمويلاً مستداماً للبحث، وتكويناً متعدد التخصصات، وشراكات مع المقاولات والمراكز الدولية، وآليات لنقل التكنولوجيا وحماية الملكية الفكرية. كما يتطلب تطوير حلول ملائمة للسياق المغربي، بما فيه تنوعه اللغوي والمجالي، وحاجاته في الماء والطاقة والصحة والتعليم والفلاحة والصناعة.

ويضع القانون رقم ‎59.24‎ المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي إطاراً جديداً للحكامة والهندسة البيداغوجية والتقييم والتمويل وربط الجامعة بمحيطها. غير أن التحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي يطرح سؤالاً يتجاوز النصوص: هل تستطيع المؤسسات والقواعد التنظيمية مواكبة تغير تكنولوجي ومعرفي سريع؟ لا يتعلق الأمر بمواجهة القانون للتكنولوجيا، بل بتمكين الجامعة من التكيف المستمر، عبر التجريب والتقييم والتعلم من الممارسة.

فالسيادة المعرفية لا تعني الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي المطلق؛ بل تعني القدرة على الاختيار والتقييم والتكييف، وعلى التفاوض بشأن شروط الاستخدام، والمشاركة في إنتاج البدائل. والتعاون الدولي، واقتناء التكنولوجيا، والاستفادة من الخبرات المتاحة أمور ضرورية؛ لكن أثرها يتعاظم حين تنطلق من قدرة محلية على الفهم والإضافة.

ما الذي ينبغي أن يكون على جدول الأعمال الوطني؟

يمكن تحويل هذه الأسئلة إلى أجندة وطنية تجمع الدولة والجامعات والقطاع الخاص والباحثين. أولاً، تحديد أولويات وطنية واضحة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية والصحة والتعليم والتشغيل والماء والطاقة، مع مشاريع تجريبية قابلة للقياس. ثانياً، بناء بنية وطنية مترابطة للبيانات والحوسبة، تتيح للجامعات والباحثين الوصول المسؤول إلى الموارد اللازمة. ثالثاً، دعم البحث في الذكاء الاصطناعي نفسه، لا الاقتصار على توظيف منتجات جاهزة، وتشجيع البحث البيني الذي يصل العلوم الرقمية بالطب والهندسة والاقتصاد والعلوم الإنسانية والاجتماعية. رابعاً، تعميم الثقافة الأساسية للذكاء الاصطناعي بين الطلبة والأساتذة والموظفين، بما يشمل فهم الإمكانات والحدود، والتحقق من المخرجات، والأخلاقيات وحماية المعطيات.

خامساً، الاستثمار في الموارد الرقمية العربية والأمازيغية، حتى لا تتحول الفجوة اللغوية إلى فجوة معرفية إضافية. وسادساً، إرساء قواعد للشفافية والمساءلة والأمن السيبراني، مع إبقاء القرار البشري حاضراً في المجالات الحساسة. وسابعاً، ربط البحث بالاقتصاد عبر جسور عملية مع المقاولات والشركات الناشئة، من دون إخضاع الجامعة لمنطق السوق أو التفريط في استقلال البحث.

وأخيراً، ينبغي أن تقاس النتائج بما يتغير فعلياً في حياة الناس: جودة الخدمة، ووقت الانتظار، ودقة التوقع، وكفاءة استهلاك الموارد، وفرص الشغل، ونجاح الطلبة، وقدرة الباحثين على إنتاج معرفة قابلة للتحقق والتطوير. فالمؤشر الحقيقي ليس عدد الأدوات التي اقتنيناها، بل مقدار القيمة العامة التي استطعنا خلقها.

أي خريج نريد؟

لا ينبغي أن يبقى النقاش محصوراً في البنية التحتية والسياسات؛ فالمعيار النهائي لأي تحول جامعي هو ما يكتسبه الطالب من قدرة على التفكير والعمل والتعلم. وفي بيئة تتسع فيها إمكانات الأتمتة، تزداد أهمية التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والتواصل، والعمل الجماعي، والتحقق من المعلومات، والأخلاقيات، والتعلم المستمر.

ولا يعني ذلك أن المعرفة التخصصية أصبحت أقل قيمة؛ بل إن قيمتها تتعزز حين تقترن بالقدرة على الحكم. فإذا كانت الآلة تستطيع الوصول إلى المعلومات وإنتاج إجابات، فعلى الجامعة أن تمنح الطالب أدوات تقييم هذه الإجابات، وفهم سياقاتها، وتحمل مسؤولية قراراته. كما ينبغي إعادة التفكير في قابلية تشغيل الخريجين، لا باعتبارها مجرد مطابقة آنية بين الشهادة ووظيفة، بل قدرة على العمل والتكيف والتعلم داخل اقتصاد تتغير مهنه ومهاراته.

الدخول الجامعي: من موسم إداري إلى تحول بيداغوجي وبحثي

بدأ الدخول الجامعي الجديد، لكن التحدي الحقيقي لا يقتصر على استقبال دفعة جديدة من الطلبة، ولا على تحديث بعض البرامج أو الأدوات. إنه يتعلق بكيفية ضمان دخول الجامعة المغربية عصر الذكاء الاصطناعي وهي تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة، لا مجرد استهلاكها.

نحتاج إلى مقاربة بيداغوجية متجددة تجعل الطالب فاعلاً في بناء المعرفة، وتعيد الاعتبار للمشاريع وحل المشكلات والتعلم بالممارسة والتقييم المستمر. ونحتاج، بالتوازي، إلى تحول بحثي شامل يربط المختبرات بحاجات المجتمع والاقتصاد، ويشجع الفرق متعددة التخصصات، وييسر الوصول إلى البيانات والحوسبة، ويحوّل نتائج البحث إلى ابتكار وأثر.

كما ينبغي أن يكون هذا التحول شاملاً لا يقتصر على مؤسسات أو تخصصات بعينها، وألا يوسع الفوارق بين الجامعات أو بين الطلبة. فالتحول الرقمي الذي لا يراعي الإنصاف قد ينتج تفاوتاً جديداً، والذكاء الاصطناعي الذي لا يخضع للمساءلة قد يسرّع الخطأ بقدر ما يسرّع الإنجاز.

إن مشاريع البنية التحتية الكبرى تمنح المغرب أفقاً تنموياً واسعاً؛ والذكاء الاصطناعي قادر على مضاعفة أثرها، إذا أُحسن توظيفه ضمن رؤية وطنية متكاملة. لكن الرهان الأعمق يظل جامعياً ومعرفياً: أن نكوّن الإنسان القادر على فهم هذه التحولات وتوجيهها، وأن ننتقل من استيراد الأدوات إلى المشاركة في إنتاجها، ومن رقمنة الخدمات إلى تجديد وظيفة الجامعة.

لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم في هذا الدخول الجامعي: كيف ستستخدم جامعاتنا الذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا نريد أن تصبح عليه الجامعة المغربية عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من شروط إنتاج المعرفة ذاتها؟ فالمستقبل لن يكون لمن يستخدم الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما لمن يمتلك القدرة على فهمه وتكييفه، وإنتاج المعرفة التي تمنحه اتجاهاً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 2

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 3

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00 14

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى مقر ''البام''
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:30 2

المنصوري تصل إلى مقر ''البام''

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55 10

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 11

محطة عشوائية في حديقة بسلا