شعرية الالتزام

شعرية الالتزام
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:10

اهتمت الدراسات النقدية بمسألة الالتزام في الشعر العربي واعتبرت «أنّ الواقعية كانت صاحبة الفضل الأوّل في توجيه الأدب نحو الالتزام». وتُعدُّ واقعية قصائد الشاعرة سمية قرفادي دينامية تكشف عن حالات شكل حياة داخل تحوّلات سوسيو-ثقافية، حيث إن القصائد الشعرية التي تشكل مجمل متن الديوان الشعري تمثلت مبدأ الالتزام في بناء القصيدة من خلال جمالية لغة الوصف والتصنيف وهذا الأخير –التصنيف- يعدُّ من المفاهيم المركزية التي أسعفت القارئ في إدراك كيف يُشيّد النص الشعري وكيف يُبنى المعنى من خلال الدينامية الطبقية للمجتمع باعتبار أنّ هذه الدينامية هي «مجال الدينامية السيميوطيقية، إنه مجال التوتر الذي ترى فيه اللغات الجديدة النور».

فالقصيدة الشعرية النسائية المغربية رامت تجديد لغتها الخاصة بها لكشف معنى المجتمع من منظور تجربة تفاعل المرأة داخل المجتمع، هذه الدينامية داخل القصيدة الشعرية تولَدُ وتتناسل وتتطوّر داخل المجتمع في علاقة باختلاف طبقاته من الهامشية الاجتماعية إلى السلطة والعلاقة تستضيحها القصائد في شكل حِداد على قيم إنسانية هي على وشك الانحلال والاضمحلال والتلاشي بسبب اللا-صلاح الذي أسهم في تفشي البؤس والفقر واللا-عدالة اجتماعية واللا-تربية:

«في يدي نصف خبزة حريفة لمن سأمنحها؟

والفقراء في تناسل، يتماهون مع أصوات المنابر

(…)

المقابر تزحف نحو الأحياء

والأحياء يتقشفون من أجل شراء الأكفان

… أين أنت صرخة دمي؟» (قصيدة، صرخة دمي، ص.62-63).

إن قلب المرأة-الأمّ حين يحزن تصير القصائد صرخات ودموع ريّ وألم مقاومة لحفظ القيم الإنسانية المغربية من المعايير الاصطناعية وزيف الخطاب الذكوري المهيمن على السلطة في أبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية.

إن ارتكاز القصيدة النسائية على آلية الدينامية عند الشاعرة سمية قرفادي هو انتقال من حاضر يشكو التمزق الطبقي لاستشراف مستقبل جيّد وهذا الانتقال يصطدم بحالة مجتمع مُثقلة بالصعوبات والمعاناة والجحود؛ إنها عوامل معيقة تبوح بها القصيدة، أيضا هي صعوبة الانتقال الثقافي، والشاهد عندنا هو تضييق المشاركة النسائية في الحقل الثقافي، وقد عرف المغرب الدور الذي قامت به االمثقفة والفنانة ثريا جبران حين أسهمت في تثمين صورة المرأة المغربية المناضلة من خلال إسهامتها ضمن حكومة 2007 كأول وزيرة حظيت بشرف تسيير وزارة الثقافة في تاريخ السياسة المغربية وبعد سنتين قدمت استقالتها لأسباب صحية. وعديدة هي النساء المغربيات اللواتي ناضلن داخل دينامية الصراع السياسي والثقافي لتعزيز قيم المجتمع المغربي.

ومن منظور آلية «الالتزام» التي ارتكزت عليها الذات الشاعرة لمَسرحَة حالات وأشكال حيوات المجتمع فالقصيدة الشعرية في ديوان «دِفلى لم تجد ريّها» الصادر عن منشورات الأطلس في طبعته الأولى سنة 2026 تستند إلى منظومة قِيَّم جديدة ورؤية جديدة تتطلّع إلى إشباع حالة نقص-حِرمان في مواضيع-قيمة التي تشكو الزيف والكذب، تقول الذات الشاعرة في قصيدة: (دفلى لم تجد ريها، ص.35):

«ويلك يا زمان…

يا كيذبان…

صرت كثير دسم الباطل

سريع السيلان على نار البهتان

(…)

وقد تبعثر من حولي كل الخلان

فمن سيرش على سهوي

كي أتحرر من انكماشي

ومن الخذلان»

الذات الشاعرة تُقحِم ذات الجماعة بدون استثناء أي طبقة اجتماعية ما؛ لأن الزمن يطوّق ويحاصر الجميع «ويلك يا زمان» إنه نداء الحسرة والألم والحزن والخذلان الذي حلّ بزمنية «النحن» وهي زمنية تستضيحها القصيدة كحالة عدم التزام أخلاقي، إنها حالة مُشوّهة بالكذب والذات الشاعرة تخاطب «النحن» بلغة الواقعية التي أفضت إلى تعرية رمزية الزمان الذي ألحقت به إحدى سمات الإنسان وهي «الكذب» بصيغة مبالغة ساخرة «يا كيذبان». وبالرجوع إلى مُفتَتحَة قصائد الديوان مباشرة بعد الإهداء تقول الذات الشاعرة:

«جسد منزوع الكتفين أمشي

على رجل واحدة من طين

وتطاردني زخات الألم الدفين

هكذا صرت بفقدك أمّي»

شعرية المرأة المغربية: لغة أمومية.

إن حضور الأمّ يتقابل ورمزية الأرض إنه حنين الجذور والاعتزاز بالجيل الذي لم يستسلم وقاوم وانتصر وحقق حريته التي سلبها المستعمِر لكن نجد هذا الفخر بالهوية المغربية بدأ يتلاشى أو يفقد توازنه «رجل واحدة من طين» إن الصورة الشعرية التي أسندت لها الشاعرة رمزية الآسى والألم تُحيل على العلامة «الأمّ» إنها علامة دالّة على حالة وجود جماعي تعيشه المرأة المغربية بكبرياء حليب الأصل الأوّل، إن المشي دينامية متعثرة فاقدة للتوازن لغياب الكتفين وغياب رِجل ثانية وهنا قد نغامر ونقول؛ إن غياب التوازن داخل المجتمع أسهم في الدفع بالمرأة إلى اقتحام باب البوح وفضح واقع مزيّف، فقلب الأمّ لا يخطأ، وبتعبير غاستون باشلار: «حين يحزن قلب الأمّ تصير كل الأنهار دموع». فالمجتمع حين يفقد المرأة الحقّة الجيّدة يفقد توازنه فتسأل الذات الشاعرة:

«أحلال أن يخوصصك الوطن؟

النادلة تلبس وزرة الذكورة

(…)

جوع، عطش، أجزم أنك أمة مقهورة

ولست حرّة مسرورة» (قصيدة: فرّي إلي، ص.9-10).

من منظور التزام الذات الشاعرة بقضايا مجتمعها كشفت زيف البنى الفوقية انطلاقا من البنى التحتية أي الهامشية الاجتماعية التي تعاني أبسط حقوقها في امتلاك شغل وكرامة، إنها واقعية القصيدة الشعرية في «دِفلى لم تجد ريّها» هي دِفلى تسأل:

«أين الرفيقات؟ أين الرفاق؟» (ص.9).

المقوم «الرفيق» يعتبر أصغر علامة دالّة على جيل قاوم وناضل لكنه انكسر وانطفأت مبادئه داخل نسق فوضوي سيطر فيه الكذب واللا-إنصاف، فالعلامة الصغرى «الرفيق/ الرفيقات» تُحيل على مبدأ الالتزام الفنيّ الإبداعي القادر على دمج الفرد بالجماعة وربط «الأنا الشاعرة» ب «النحن» التي حلِمت بالخروج بالجهاد الأصغر الذي هو الاستقلال إلى عوالم السرور التي هي الجهاد الأكبر وبناء الإنسان المغربي داخل أرضه بعيدا عن المنفى وحزن المطارات وحداد بحرنا وأرضنا:

«آسفة صرخة دمّي

(…)

وتراب الأوطان مصدر العذاب

ليس جرمي.. ليس جرمي صرخة دمّي..

لا تصلبوني كما الحلاق في أعلى الصومعة

هل شبهت لكم؟

انظروا.. انظروا… اللقالق تفر من أعشاشها

والأعشاش أوطان عربية واهية» (ص. 64-65).

هل يستطيع شاعر ملتزم أن يقطع لسانه أو يطَّري لغته بمساحيق تجميل، طبعا لا؛ هي هكذا طبيعة الشعر، إنه نشاط إنساني يصدر عن قلب وعقل سليمين ويحكّ لغة بلغة استعارية ليخدم مجتمعه وما دون الالتزام والارتباط بقضايا الإنسان والأرض فهو باطل.

القصيدة أفضت إلى تعرية الباطل من خلال آلية سخرية متداولة في المجتمع المغربي، (طاحت الصمعة علقو الحجام) وأين هي محاسبة المهندس المعماري والبناء والمقاول؟ ما علاقة الحلاق بسقوط صومعة المسجد؟ وكأن الشاعرة تعلن حالة الإفلاس الأخلاقي فتصير القصائد الكلّ المشترك الذي يسعى إلى كشف حالات أزمتنا وأزمة مجتمعنا الذي يقاوم سيطرة الظلام، القصيدة شعلة واحتراق لتنير طريق الأمل لتحقيق أحلام يقظة، فالذات الشاعرة تروم إقحام الجماعة «النحن» داخل عوالمها باعتبار أن القصيدة هي مرآتنا الاجتماعية، وهذا ينِمُّ على أن الذات الشاعرة تُشيِّد قصائدها ارتكازا على فهمها للعلاقات الاجتماعية والسياسية وكذلك من خلال مسارات وظيفتها التربوية والتعليمية.

إن الإنتاجية الفنية الشعرية للذات الشاعرة هي مرثية لواقع يشكو اللا-توازن في كل شيء من خلال صُوَّر التأمل التي تستضيح حالة واقع مجتمعنا من خلال اللغة الفنية كأداة تعبير وتواصل روحية تبوح بمشكلات المجتمع وتُصوّر تحولاته سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

الشِّعر أثر ويستمر إنّه مذاق ولذة أمومية.

تحضر الإنتاجية الإبداعية الشعرية للشاعرة سمية قرفادي كأثر نفعي واستيضاح حالات مجتمع الذات الشاعرة من خلال معالجتها بعض قضايا ومشكلات المجتمع وعليه فالذات الشاعرة رامت بناء قصائدها كما سلف ذكره على مبدأ الالتزام داخل الحياة المغربية بوعي ومسؤولية لتثمين الحياة في كونيتها، تقول في قصيدة: (الحلم العربي، ص.47):

«إنها سنوات القيم العجاف

والحلم العربي لم يصر

محمولا على الأكتاف

نحن شعوب همنا في بطوننا»

من منظور الصورة الساخرة التي تُساوي فيها الذات الشاعرة بين الإنسان والحيوان في غريزة المعدة حيث يغيب العقل والقلب وتنتصر في الأزمات شهوة البطن، وكأن أزمتنا هي بطوننا:

«نخشى نفاذ الأعلاف

ننافق ونرافق..

نصفق للخسارات ونعانق»

إن الصورة الساخرة أفضت إلى كشف أن الحيوان علىى الأقل يصارع من أجل إشباع غريزة الأكل والبقاء داخل الطبيعة من خلال فطرته التي فطره عليها الخالق، عكس الإنسان الذي توّسل النفاق والكذب والخيانة وفي حالات لا-إنسانية يعمد إلى التصفية والقتل:

«ونرشق كل من أينع

رأسه ونشاقق..

وأخيرا نرفع أيدينا

استجداءً وتقربا للخالق».

نتبيّن من خلال هذه الصورة الشعرية أن الإنسان العربي سيطر على قلبه وعقله الفساد وصعب أو ربما لا أمل في إصلاحه بعدما أخذته الغريزة الوحشية وهذا ممكن إصلاحه، لكن أن ينافق خالقه فهذا يستحيل تهذيبه. لقد صار الحلم تشاؤما واقعيا بتعدد الخيبات والانكسارات التي نادت بها النهضة العربية في القرن التاسع عشر، إن الذات الشاعرة جاءت بعدما تحطّمت قدمها الثانية وأنها فقدت توازنها لغياب كتفين يحملان رسالة وأمانة صناعة النهضة، فخرجت القصيدة الشعرية النسائية المغربية والعربية عموما مُحطّمة مرهقة ومتذمرة تشكو الضعف والظلم والغشاوة في رؤية المستقبل:

«فالترميم حلم مسافر عبر أجنحة الظلم» (ص. 45)

إن حاضر القصيدة الشعرية النسائية المغربية هو حاضر أزمة وكما هو معروف ففي الأزمات تزدهر الصوّر الساخرة والنكتة الواقعية الساخرة ويزدهر القول الحقيقي بعيدا عن الزخرفة والزيف والكذب، وكأننا نحاول من خلال اللغة صناعة أثر أمل لحلم قد يتحقق أو لا يتأخر تحقيقه، لكن بالرغم من معاناة الذات الشاعرة نجد أن المرأة تحاول الجمع بين فوضى رجل المسؤولية ونظام نسق استمرارية الحياة باعتبارها أمّا أولا ومدرسة ثانيا.

فقصائد الديوان الشعري تتخذ حركيتها وفق مادة اجتماعية شعبية بوعي والتزام داخل حياة استضاحت لنا عن بعض أشكالها الحزينة وفرحها المعطوب:

«لست آلهة كي أغفر لك

يغلبني حنيني إلى داخل قصيدة

ويجرني فضول خيالي لقصة فريدة

هنا .. وهناك

بائعون حفاة الجيوب

ليمون.. رمان…

سيارات ودخان وزفرات بأطنان

كيف سأنجو من الأزقة العتيدة

ومواء القطط الشريدة؟

كيف أدري..؟

ومتى سأدري..؟

أن الهجر بالصمت عبادة وتفقير الشعوب عقيدة

(…)

آيا أيتها الحياة

لست آلهة كي أغفر لك» (الديوان، ص.54-55).

لماذا تكتب المرأة المغربية؟

هل هو شكل حداد حين خاصم مجتمعنا الفرح والحلم والأمل ونخوة الفارس الذي سقط من فوق صهوة خيل الشرف والحروب العادِلة؟ أم هي المرأة رامت اقتحام حقل مقاومة شفافة إلى جانب الرجل في محاولة أخيرة لإصلاح عطب ما أصاب القيم الإنسانية فتسلل الخراب والفساد إلى بيوتات الأسرة المغربية؟ وماذا إن انهزم الإثنان؟ هل سيكتب الطفل أم سيُبدع شيئا آخر مثل ما نعيشه اليوم من كلام في موسيقى جديدة على مجتمعنا اصطُلِح عليها «بالراب المغربي»، تتعدّد الأجوبة ويبقى الحلم والأمل دمعة كتابة نسائية تذكِّرنا بشعلة الاستمرارية

ودينامية المعنى في ديوان «دِفلى لم تجد ريّها» كرغبة في كشف حالات نقص وحرمان يرتبطان بأزمة قيم يعاني منها إنسان المجتمع العربي عامة والمجتمع المغربي خاصة.

«هل سيصير الإنسان في هذا الزمان

مغشوش في مصيره كالألبان والأجبان؟

(…)

أسيقود سفن أيامنا ربابنة عميان؟» (ص، 44-45).

نختم على أنّ القصيدة النسائية المغربية رامت تضحيات كبرى ودرفت دموعا أنهارا على حالات الفقد وأبدعت في تجديد الصورة الشعرية الملتزمة وهي حالِمة بفجر جديد مستعينة بنساء القصص الديني خوفا أن يضيع الرّحِم الأمومي فتضيع الأجيال القادِمة وقد تمثلت الذات الشاعرة استعارة الصرخة مُوظِفة رمزية أمّ النبي يوسف، تقول:

« ويقظة راحيل تصرخ:

رحمة بأبنائي… رحمة بأبنائي

قطعت الأيادي التي تصفق للبطلان» (ص.45).

إجمالاً، هي ستة عشر قصيدة حققت دينامية اعترافات وبوح شفاف واستفهامات عن واقعية حالة مجتمع، وقد شيّدت جلّ القصائد على الموسوعة المعرفية للذات الشاعرة من خلال توظيفها لأسماء أعلام فلاسفة ودين وتاريخ وأدب وزعماء امبراطوريات ودول، أيضا على آلية التشبيه حيث ألحقت سمات الحيوانات المفترسة ببعض الذوات الأدمية مثل: الذئاب الجائعة. ورغم هذا اللا-سرور المجتمعي فالذات الشاعرة أسندت المعنى إلى مقوّم «الصبر»، تقول في اللحظة الشعرية الختامية من القصيدة الختامية (صرخة دمّي):

«صر لي كفيلا أيها الصبر»

والقليل من الصبر لا يضر إنّه يُجدد الحياة ويجعلها أعمق وعيا في ديناميتها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري

صوت وصورة
مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 19:00

مباشر | أول امرأة رئيسة للحكومة بالمغرب

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى مقر ''البام''
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:30

المنصوري تصل إلى مقر ''البام''

صوت وصورة
الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 16:55

الملك يعين المنصوري رئيسة للحكومة

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28

محطة عشوائية في حديقة بسلا