العياشي المنصوري .. شذرات من ذاكرة الحركة الإسلامية بالمغرب

العياشي المنصوري .. شذرات من ذاكرة الحركة الإسلامية بالمغرب
الخميس 9 فبراير 2017 - 06:00

تمثل هذه الشهادة جزءًا من كتاب قيد الإعداد يتناول سيرة الأستاذ العياشي المنصوري؛ ويتضمن شهادات لشخصيات مُهِمّة عايشته عن قرب في مجالات مختلفة. ويقدم الدكتور أحمد الريسوني في هذا المقال الذي توصلت به هسبريس شهادة في حق أحد رموز العمل التربوي والدعوي بالمغرب، امتد نشاطه حوالي ربع قرن حتى رحيله سنة 1984.

ويتعلق الأمر، كما تحكي تلك الشهادات، بشخصية تميزت بتداخل دوائر اهتمامها وابتعادها عن التعصب للانتماءات السياسية الضيقة داخل ما كان يُعرف حينها بالحركة الإسلامية، وداخل تيارات الحركة الوطنية في المغرب.

بدأ عمله الإصلاحي والاجتماعي والدعوي منذ مطلع الستينيات من القرن الماضي، انطلاقا من علاقاته مع مجموعة من علماء الدين، خاصة أستاذه محمد كنوني المذكوري الزيداني، مفتي رابطة علماء المغرب حينها (وبعد ذلك من خلاله بالفقيه والأديب عبد الله كنون) في الدار البيضاء، التي انتقل إليها في أوائل ستينيات القرن الماضي، قبل مساهمته في تأسيس الحلقات الأولى لتنظيم الشبيبة الإسلامية..

كان معروفا بنزوعه نحو التعاون بين العاملين في الحقول المختلفة، داعيا إلى الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن بين الفرقاء في الساحة الوطنية، نابذا العنف واستخدام القوة في العمل العام، ومنتصرا للفقراء والمستضعفين.

إليكم مقال الدكتور أحمد الريسوني: العياشي المنصوري .. شذرات من ذاكرة

علاقة ومغامرة

فُرَص العلاقة المباشرة بيني وبين الأخ الأستاذ العياشي المنصوري كانت قليلة ومتقطعة، ومع ذلك كانت على درجة كبيرة من المحبة والثقة والتقدير؛ فبحكم إقامته وعمله بالدار البيضاء، وبسبب كثرة أسفاره وتحركاته داخل المغرب وخارجه، وأيضا – إلى حد ما – بسبب الفارق في السن، إذ كان يكبرني بأزيد من عشر سنين، لهذه الأسباب ظلت لقاءاتنا موسمية ومحدودة.

أكثر لقاءاتنا كانت في أواسط سبعينيات القرن العشرين، وكان مسرحها مدينة القصر الكبير، وبصفة خاصة مسجد الفتح، التابع لجماعة الدعوة والتبليغ. في هذا المسجد، أو انطلاقا منه، كان تعارفنا ومذاكراتنا، وفيه استمعت إلى بعض دروسه ومواعظه.

العياشي المنصوري يسارا مع الدكتور القاضي برهون والعربي لكريمي

كنت يومها أعمل كاتبَ ضبط بدرجة “محرر قضائي” لدى النيابة العامة بمحكمة القصر الكبير، وكان هو يتردد على المدينة لسبب عائلي، باعتباره ابنَ المنطقة الجبلية المتاخمة للمدينة، ولسبب دعوي، وهو نشاطه مع جماعة الدعوة والتبليغ.

كنت أراه رحمه الله شعلة من النشاط والاندفاع الدعوي.. كان يتحرك في كل اتجاه، ويتكلم في كل مناسبة، ويؤدي رسالته في كل فرصة.

كان في الغالب وفي الظاهر يبدو لي أنه تبليغي ملتزم مع جماعة الدعوة والتبليغ؛ وحين كنت أقترب منه وأتحدث إليه في شؤون الدعوة والسياسة، كان يبدو لي كأنه واحد من رجال حركة الشبيبة الإسلامية، خاصة وأنه يعمل في قلعتها التأسيسية مدينة الدار البيضاء، وحين كنت أسمعه يتكلم عن السنة والبدعة والعقيدة، كنت أراه داعية سلفيا..وعلى كل، فقد ارتبط في ذهني أكثر ما ارتبط بمسجد الفتح وجماعة التبليغ والخروج في سبيل الله.

العياشي المنصوري مُتهَما

الواقعة التي لا تنسى بيني وبينه رحمه الله، كانت حينما جاءنا في النيابة العامة بمحكمة القصر الكبير ملف جنحي يحمل اسم “المتهم العياشي المنصوري”. الملف جاءنا من قائد منطقة “تَطَّفْتْ” التي تقع فيها قرية العياشي المنصوري، وهو عبارة عن محاضر استماع أعدها “القائد” بصفته ضابط شرطة قضائية.

وأما التهمة التي تضمنها الملف، وكما كيَّفَها وكيل الملك، فهي: الاعتداء على المقبرة وانتهاك حرمة الموتى، المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 268 من القانون الجنائي المغربي. وقد تضمن الملف بالإضافة إلى تقرير القائد المتحامل، وتصريحات “المتهم”، شهادة عدد من الشهود من عين المكان، ضد المتهم، ومفادها أن السيد العياشي المنصوري اعتدى على ضريح أحد الأولياء الصالحين، وقام بأعمال هدم وتخريب فيه.

قرر وكيل الملك متابعة “المتهم” في حالة سراح، وأحال عليَّ الملف لفتح المتابعة وإحالته إلى المحاكمة.

قرأت الملف وتأملت ما فيه، وفكرت في أن التهمة الآن جاهزة، وشهادة عدد من الشهود كافية للإدانة، رغم إنكار “المتهم”. والإدانة ستعني استتباعات عديدة، منها احتمال الفصل من الوظيفة العمومية.

وكنت أعرف أن شهادة الشهود يمكن أن تكون من صنع القائد وبرعايته وضغوطه، من أولها إلى آخرها، ويمكن أن تكون عبارة عن وشاية كيدية ممن يقتاتون من الأضرحة وزوارها، باعتبارهم متضررين من التوعية الدينية التي كان ينشرها الداعية العياشي المنصوري ضد ممارساتهم الخرافية.

وضعت الملف بالدرج، وقلت في نفسي: لِأتريثْ، حتى أرى هل سيأتي سؤال عنه أو تفقد له من أي جهة، أم لا. وبقي الملف في درج مكتبي عدة أشهر، لم يسألني عنه أحد. بعدها لقيت الأستاذ العياشي، فذكرت له الموضوع وتأكدت منه أن التهمة مفبركة لا أصل لها.

حينئذ اتخذت قرارا صعبا، ولكنه كان مريحا لنفسي وضميري؛ أخذت الملف برمته وسلمته للأستاذ المنصوري، ليطلع عليه أولا، وليُعدمه ثانيا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • محمد المزابي
    الخميس 9 فبراير 2017 - 07:23

    كان رحمه الله أستاذا ومعلما داعية إلى الله درست عنده في المرحلة الابتدائية بمدرسة بشار بن برد بعين الشق بالبيضاء

  • chakir
    الخميس 9 فبراير 2017 - 07:40

    هذه القصة سمعتها من والدي سنة 1999، حيث كانا السي العياشي ووالدي متهمان في القضية المذكورة في المقال!!

  • ميم
    الخميس 9 فبراير 2017 - 07:45

    كان الاسلام اسلاما يوم كان كما امر به ربنا تبارك وتعالى. قل آمنت بالله ثم استقم.ولاكن لما ارجعه علماء ودعاة الله اعلم بنواياهم حركات اصبح كما نراه الان.حزب اسلامي. جماعة اسلامية. تنظيم اسلامي.الجناح المسلح للجماعة .مخابرات الجماعة .اسرار الجماعة .المقر السري للجماعة. اللقاء السري للجماعة.ما الفرق بين هذا والمافيا.

  • اجديك
    الخميس 9 فبراير 2017 - 08:07

    في الوقت الدي نهدي أطفالنا المسلسلات الأجنبية البعيدة عن رموزنا وعن تراتنا ولانعطيهم فرص التعرف عن رجالات مغاربة صنعوا التاريخ تعلق الأمر برجالات التحرير الذين قاوموا الإستعمار او من بعض النخب أبناء هذا الوطن ولايستفيد منهم إلا الغرب كالمرحوم المهدي المنجرة أو الكاتب المغربي الطاهر بنجلون أو المقريء ابوزيد الإدريسي والايحة طويلة؛ لكن في المقابل الزديح والرديح فحدت ولاحرج…

  • حميد
    الخميس 9 فبراير 2017 - 09:20

    يجب التغيير، الاسلام فشل فشل ذريع في تربية جيل صالح ونافع ومسالم ومتسامح. الأفضل التعلم من دول اسكاندينافيا و اتخاد قوانينها كمثال. فهي نجحت فيما فشل فيه الاسلام.

  • MIMO
    الخميس 9 فبراير 2017 - 10:06

    اللهم أغفر له وأرحمه
    السلام عليكم ورحمة الله
    اللهم أغفر له وأرحمه،حصل لي الشرف بأن تعرفت أحد أبنائه فنعم الرجل
    اللهم أسكنه فسيح جنانك وأجعل أبنائه خير خلف.

  • عبد الكريم
    الخميس 9 فبراير 2017 - 12:06

    يعني القصة واضحة والتهمة ثابتة لأن الفكر الخوانجي السلفي في تلك السنوات كان همهم هو تحطيم القبور وتشويه الصوفية وزواياهم، لهذا تعامل الريسوني مع هذا الملف ب أنصر أخاك ظالما ومظلوما بدون أن يتبع المساطر القضائية المعروفة،فكذب القائد والشهود وحفظه في مكتبه ثم سلمه للمعني بالأمر والمتهم وهذه خيانة للأمانة وشهادة زور في حق المتهم من قبل الريسوني

  • معقول
    الخميس 9 فبراير 2017 - 13:03

    الله ارحم او جعل متواه الجنة يارب العالمين او رحم جميع موتى المسلمين اجمعين

  • مسلم
    الخميس 9 فبراير 2017 - 14:28

    الئ من يتهم الاسلام بالفشل, لو قرات شيئا من التااااااااااااااريخ لعلمت ان العيب في من ينزل الاسلام علئ ارض الواقع اما الاسلام فقد اتبت التاريخ قوته , و كفئ بالله شهيدا
    نعيب زماننا و العيب فيييناااا ……………………………………

  • عبدالوهاب
    الخميس 9 فبراير 2017 - 15:04

    لقد ذكرتنا سيدي أحمد بالأيام الجميلة بمسجد الفتح، حيث كانت حلقات الذكر والاستماع إلى قرآن الفجر ودروسه و معاملة جميع الناس معاملة طيبة، ودعوتهم إلى الاستماع إلى رياض الصالحين. لقد ترك ذلك فينا شعلة مازالت مستيقضة بحول الله وقوته إلى اليوم. رحم الله كل من قدم خيرا للإسلام و المسلمين.

  • ابو صلاح
    الخميس 9 فبراير 2017 - 18:55

    شجرة طيبة واعطت ثمار طيبة…من هده الثمار الاستاد عبد الرحيم المنصوري…..خير خلف لخير سلف …اللهم ارحم الاسناد الجليل واحفظ اخانا عبد الرحيم

  • تعليق
    الجمعة 10 فبراير 2017 - 07:00

    بينما كانت كوريا تكون جيلا من العلماء والمهندسين كان هءولاء يقاومون لتكوين جيل من الضلاميين والنتيجة واضحة الان
    اين نحن من بلدان اسيوية و كانت افقر منا في الستينات

  • انسان
    الأحد 12 فبراير 2017 - 00:33

    الى الذين لهم موقف معادي لدين الله عز و جل اعملوا عقولكم و تأملوا و تفكروا فالاسلام
    دين يدعو الى الفضيلة و الرحمة و الى كل خير، الى اشاعة العدل بين الناس وان لا يظلم القوي منهم الضعيف الى نصرة المظلوم والشفق على المسكين واحترام الكبير و الرفق بالصغير و الضعيف و ترك المنكرات و الفواحش و العفة و تزكية النفس و الطهارة الباطنية و الظاهرية و الى العلم و التعلم و اعلاء شأن العلماء و التحرر من عبودية العباد الى عبودية رب العباد، و نحرير الناس من ضلالات الجهل و الخرافة…
    فدين كهذا حري أن يتبع يا رجال+ واتقوا يوما تجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت و هم لا يظلمون + صدق الله العظيم.

صوت وصورة
وهبي يكشف قائمة المنتخب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:12

وهبي يكشف قائمة المنتخب

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير