المغرب وتخمة المؤسسات

المغرب وتخمة المؤسسات
الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 18:15


نعم، المغرب أغنى من النرويج مؤسساتيا، وأفقر من تنزانيا مضمونيا ؟!. إنه، أبسط تعبير رمزي عن حلقة مفقودة، تثير الغثيان، بين تقاطر حاتمي لمؤسسات من مختلف الأجناس والأنواع، تتكلم حتى عن حقوق الإوز، مقابل فراغ يراكم لحظة بعد الأخرى، ممكنات تماهي الفرد وواقعه الموضوعي.


لذلك، عندما نتأمل ما يسري علينا، سيبدو الأمر مجرد فبركة مفهومية بدون أية دلالة حسية. نعم، تنتصب بناية فارهة، ولا في السويد، اسمها البرلمان بمجلسين وقوانين وتشريعات، تقضمها فقط الأرضة. حكومة، ولا في الصين التي تقترب ساكنتها من المليارين. حزمة طويلة و سميكة من الأحزاب، مستعدة للتحدث عن كل شيء وبأي شيء : مواسم جني العنب، ملتقى أحسن زغرودة، …، باسم حداثة لمونتسكيو يتلوى ألما في قبره، حين اختزلتها بطولات كرنفالية في الجلاليب البيضاء والطرابيش الحمراء والنعال الصفراء، لا فرق بين حداثة وحداثة و المحدّثين، إلا من برع في انتشال أرزاق الناس. المهم، عندهم حداثة، ديمقراطية أو بطيخ…، يا سيدي الكل يهرول، فقط يسألون دناءتهم بكل ما أوتيت من دواخل، كي تعينهم على خبثهم.


حتما، السياسات الناجحة، تلك التي يظهر سريانها ومفعولها على الحياة المباشرة للشعب. والأنظمة التي ولجت التاريخ عبر بوابته الواسعة، وبقيت محل تقدير واحترام داخليا وخارجيا، من استطاعت في حدود المتاح لها طبعا، الانتقال بشعوبها إلى مراحل نوعية، وأن تحقق لها تغيرات على جميع المستويات. هكذا، يكتسي المفهوم قوة مادية بناءة، يصنع حياة حقيقية تمزج بين الكرامة والخبز، وليس التفنن في سن الإكراميات مع ما تنطوي عليه من استباب للعبودية.


لكل ثورة، شروطها وظروفها ومبرراتها وخصوصياتها ومستوياتها وأهدافها… . لكنها، تلتقي عند مصب وحيد لا غير، يرسمه الثنائي السحري الذي شكل دائما، صخرة، تتهشم فوقها كل محاولات الارتدادات اللاتاريخية، أقصد : الجدية والعمل الصلب، المتواصل. لذلك، الديمقراطيات الشعبية المتألقة، أدركت كنه هذه المعادلة، فاستطاعت تحقيق نتائج مذهلة داخل أوطانها.


عندنا سيل عرمرم من المؤسسات، على طريقة : تريدون مؤسسات، تفضلوا !. تنبع، كل يوم جماعة ما، بالأسماء عينها، كي تمسخ جلدها وتنزلق إلى جماعة ثانية تجبّ ما قبلها، هو الحقل ذاته بنفس اللاعبين، مع إعادة توزيع للأدوار المسرحية. سيغدو، الأمني استراتيجيا اقتصاديا، ثم يتحول بعد حين، إلى فقيه دستوري أو خبير في التشغيل، وربما مفكر لامع قد يرشح لجائزة نوبل. بينما مشاكل المغرب، واضحة جدا أسبابها وحلولها، غير خافية على المصاب بالزهايمر، وفي غير حاجة إلى كثير من حكماء الإغريق، بل تقتضي فقط وببساطة إرادة سياسية حقيقية.


بعد الإعلان، عن تشكيلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، عبّر أحد المواطنين عن تعليق مختلف، لكنه عميق. أكد بأن الدولة، لازالت تستغيث دائما بما يسمى التقنوقراط، مما يؤبد عقدتها الباثولوجية اتجاه السياسة والسياسيين، إلى أجل غير مسمى. ثم يضيف، قدرنا أن هؤلاء التقنوقراط، لا يفقهون شيئا في العلوم الإنسانية، إن لم نقل يحتقرونها بشدة. مع العلم، أنه يستحيل مطلقا على مسؤول ما، إدراكه بصدق لقضايا مواطنيه بغير خيال سياسي ممهور بالذكاء، يستقي مضامينه من الفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتحليل النفسي …إلخ. وإن جفاف العقول، وتنميط الأشخاص وتكلس الأفكار والمنظورات، مصدره أساسا، تفويض المهام الكبرى صدفة لأبناء أوليغارشية، ولدوا وأفواههم ممتلئة بملاعق من ذهب. ينحدر أغلبهم من سلالة تحالفت مع الاستعمار الفرنسي ضد الشعب وقادته الوطنيين، وبعد ذلك تواطؤهم الصريح أو الضمني مع الخط الرجعي، ووقوفهم عقبة كأداء أمام تحقق المشروع التقدمي. إذن تكوينهم التاريخي، لا يمكن أن يجعلهم مختلفين عن هويتهم. النتيجة، سيظل البلد في قاعة الانتظار، وإن تحرك فبطريقة ملتبسة تكبحها تعثرات بنيوية.


يقتضي التغير الجوهري، أولا وأخيرا، إرادة سياسية جامحة، تبتغي حقا النهوض بالأوضاع، من خلال تبويب إجرائي للملفات حسب أولياتها دون شد للزمان، أو الاحتماء بالميتا ـ لغة. هناك مقتضيات كثيرة، باستطاعة النظام المغربي، ودون مواربة حسمها بقرارات مباشرة وفورية، وعمل يومي ملموس يشعر الجميع بإيجابياته، مثل معالجة ملفات الفساد ومحاكمة المفسدين، والتقسيم العادل للثروات، واسترجاع الأموال المهربة، وتقليص الأجور الطائلة، وتقنين الاقتصاد، وتطهير الأجهزة الأمنية، وتصفية ملفات الاعتقال السياسي، وتنقية أجواء الممارسة السياسية، ومحاكمة كل مسؤول ثبت في حقه الشطط، كي يكون عبرة لمن لا يعتبر. أظن، بأن تحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق صارم لمبدأ الزجر وتحريك فعلي لمساطر القانون…، لا تحتاج إلى مشاورات ولجان وتداول للرأي، بل أساسا مبادرات ملموسة و شجاعة، تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي.


مؤسساتنا، بلا مضمون تفتقد للفاعلية والتجذر، لا تضيف قيمة ليوميات المواطن. وضع، لا يقتضي فهما وتبريرا، لأنها مجرد هياكل بلا روح، موضوعة من فوق، ترسم الآفاق بفذلكة لغوية. ظلّ الحكم، يوظفها لاستمالة الرأي الدولي وإعطاء صورة عصرية عن نفسه وانتمائه للمنظومة المدنية، بينما الجميع كان يدرك أن أسباب السلطة استندت أصلا إلى مرجعيات قمعية. بمعنى المؤسسة الوحيدة، التي تتجلي معالمها بوضوح، وتنمي كل آن حمولتها المادية والرمزية، تكمن في العصا الغليظة… .


يفترض المسار الفعلي للمؤسسات، تحديد ثوابت دولة القانون القائمة على العدالة الاجتماعية والمحاسبة. بحيث يشعر الجميع، بأن وطنهم ينتمي لهذا الجميع. ولا شك، بأن أصغر طفل، سيدرك بسهولة المفارقة، بين الدعوات النظرية للقانون المغربي ثم تطبيقاته العملية. إنه، مستمر في حماية التحالف الطبقي القابض على زمام الأمور. السجون، فقط ناغلة زنازنها بأبناء الفقراء الذين دفعوا ثمنا غاليا جدا من مصيرهم، جراء سوء التوجهات المجتمعية الفاشلة. فلا أحد أراد أو اختار لنفسه، أن يكون أميا أو لصا أو متشردا … بينما الأسياد، تحميهم أبراج في عليين، يتجول الواحد منهم على متن سيارة فارهة توازي قيمتها المالية، ميزانية بناء مدرسة.


يحتاج مغربنا إلى مؤسسات حية، يشرف عليها أناس أكفاء، أشداء على أنفسهم، تقويما للاعوجاج، رحماء بالناس، نزهاء، زاهدون في السلطة، يتهيبونها، تلاحقهم ولا يكترثون بها، خشية الإفراط أو التفريط … ومن ثمة العقاب.


غير هذا، سيبقي المغرب داخل فوضى مقننة، حيث السلطة موبوءة، تغلي فسادا واستهتارا بحق الآخرين في الحياة الكريمة. إنهم، يواصلون تطبيلهم وتزميرهم لأوهام كهف أفلاطون، وليذهب العالم إلى الجحيم.


[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • kaddour BARRAMOU
    الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 18:17

    موضوع هام وتحليل مهم من مستوى عال.رغم أن كاتبه يظهر عليه الشباب. هنيئاللكاتب على اجتهاده وعطائه للوطن

  • hani dandani
    الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 18:25

    أن تحقيق العدالة الاجتماعية والتطبيق الصارم لمبدأ الزجر وتحريك فعلي لمساطر القانون…، لا تحتاج إلى مشاورات ولجان وتداول للرأي، بل تحتاج أساسا لمبادرات ملموسة و شجاعة، تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي.بكل صراحة وبساطة

  • Youssef-Izilf-Errachidia
    الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 18:21

    الله ارحم من قراك.تحليل شامل ،جامع ومانع للوضع الذي يعيشه المغرب.لقد وضعت اليد على الجرح .هذاهومكمن الداء الذي ينخرالبلد.المافيازرعت في كل دواليب الدولةومراكز القرار،تنهش أموال الشعب الذي ظل يترقب الوضع ويتالم في صمت بعدماعجزت الأحزاب السياسية في إيصال صوته والتعبير عن همومه.للاسف هذاهوحال مغرب العهدالجديد.ولاندري هل هكذا خطط له سابقا ام عبث التاريخ هوالدي زج به في أتون الازمة التى أضحت عنوان الوضع الكارثي الذي يتخبط فيه.

  • مرا حرة
    الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 18:19

    اتابع باهتمام كبير ما كتبت في الفلسفةلكن بصراحةنحتاج اكثر مقالاتك حول التغيير بالمغرب بكل هدا النضج العمق المتبصر تؤكد انك احدالفرسان القادمين بقوة لساحةالصحافة الجادةوالحرةالتى يملؤهاضجيج اللغط الشعبوي bravoo 1cafe pr toi mr boukhlet

  • TOULOUINE
    الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 18:23

    braveau Said j’ai rien à dire un sujet seint et sauf la verité c’est claire pour tout le monde pourquoi mille institutions et une institution c’est pas normal ça se sont des blagues n’est ce pas ?

صوت وصورة
أخنوش والتنمية في تافراوت
الخميس 17 شتنبر 2026 - 12:13 3

أخنوش والتنمية في تافراوت

صوت وصورة
ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:33

ندوة "صندوق التكيف" بالمغرب

صوت وصورة
وهبي يكشف قائمة المنتخب
الخميس 17 شتنبر 2026 - 11:12 1

وهبي يكشف قائمة المنتخب

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30 2

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 5

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 2

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي