المغرب وتحالف لوميير

المغرب وتحالف لوميير
السبت 19 شتنبر 2026 - 10:44

يشكل انضمام المغرب إلى تحالف لوميير بصفته عضوا مؤسسا خطوة مهمة في مسار تعزيز حضوره داخل المشهد السينمائي الدولي. فهذا الانضمام لا يقتصر على المشاركة في لقاء دولي، بل يضع المملكة ضمن الدول والمؤسسات التي ستسهم في التفكير في مستقبل السينما والصورة المتحركة وصياغة المبادرات المرتبطة بهما.

وجاء هذا الانضمام خلال قمة لوميير المنعقدة بمدينة سان بول دو فانس في 7 شتنبر 2026، بمشاركة مسؤولين ومبدعين ومنتجين ومهنيين يمثلون أكثر من ستين دولة. وقد خصصت القمة لمناقشة التحولات التي تعرفها السينما، ولا سيما مع تطور الذكاء الاصطناعي، وتغير عادات الجمهور، وصعود المنصات الرقمية، وتزايد الحاجة إلى حماية الإبداع والتنوع الثقافي.

المغرب في موقع الشريك المؤسس

تكمن أهمية انضمام المغرب في كونه لم يلتحق بتحالف قائم بعد اكتمال بنائه، بل انضم إليه منذ البداية بصفة عضو مؤسس. وهذا الموقع يمنحه فرصة للمشاركة في تحديد أولويات التحالف واقتراح برامجه ومبادراته.

فالمغرب لن يكون مجرد متابع للنقاشات الدولية حول مستقبل السينما، بل سيكون حاضرا داخل الفضاء الذي يناقش قضايا الإنتاج والتوزيع والقاعات السينمائية والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية وحماية الأرشيف والتربية على الصورة.

ويمثل ذلك اعترافا بالتجربة السينمائية المغربية وبالدور الذي يمكن للمملكة أن تؤديه في تقريب وجهات النظر بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا والفضاء المتوسطي.

دعم الحضور السينمائي المغربي دوليا

يفتح تحالف لوميير أمام المغرب مجالا أوسع للتعريف بسينماه ومبدعيه وكفاءاته التقنية، كما يوفر فرصا جديدة للتعاون مع المؤسسات السينمائية الدولية.

ومن شأن هذه العضوية أن تساعد على تطوير الإنتاج المشترك، وتشجيع توزيع الأفلام المغربية في الخارج، وتبادل التجارب في مجالات التكوين والتمويل والترويج. كما يمكن أن تعزز حضور المنتجين والمخرجين والتقنيين المغاربة داخل الأسواق والمهرجانات والشبكات المهنية الدولية.

ولا يتعلق الأمر فقط بعرض الأفلام المغربية خارج الوطن، بل أيضا بتمكينها من الوصول إلى جمهور أوسع، وبناء شراكات تساعد على تطوير مشاريع جديدة وقادرة على المنافسة.

بوابة لخدمة السينما الإفريقية

يملك المغرب موقعا متميزا يربط بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا. ويمكنه استثمار هذا الموقع لكي يجعل من عضويته في تحالف لوميير رافعة لدعم السينما الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب–جنوب.

فالعديد من البلدان الإفريقية تتوفر على مواهب وحكايات غنية، لكنها تواجه صعوبات في التمويل والتوزيع والتكوين والوصول إلى القاعات والمنصات الدولية. ويستطيع المغرب نقل هذه القضايا إلى النقاش العالمي، والمساهمة في إطلاق برامج للتكوين والإنتاج المشترك وتبادل الخبرات.

كما يمكن للمملكة أن تصبح فضاء يجمع السينمائيين الأفارقة ويقربهم من الأسواق الدولية، وأن تساعد على تداول الأفلام الإفريقية بين بلدان القارة وخارجها. وبذلك يتحول الانضمام إلى التحالف من مكسب وطني إلى فرصة لتعزيز التعاون السينمائي الإفريقي.

مواكبة الإصلاحات التي يعرفها القطاع

يتزامن الانضمام إلى إعلان لوميير مع الإصلاحات القانونية والتنظيمية التي يعرفها القطاع السينمائي المغربي، ولا سيما في ظل القانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي.

وتلتقي هذه الإصلاحات مع عدد من المبادئ التي جاء بها الإعلان، خاصة ما يتعلق بتحديث الصناعة السينمائية، وحماية الإبداع، وتأهيل المهنيين، ودعم تنوع الأعمال، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز دور القاعات السينمائية.

وسيسمح التعاون مع المؤسسات الأعضاء في التحالف بالاطلاع على تجارب دولية ناجحة والاستفادة منها بما يناسب الواقع المغربي. كما يمكن أن يساعد على تطوير طرق دعم الإنتاج والتوزيع والاستغلال، وتحسين مواكبة المشاريع والمقاولات والمهنيين.

حماية الإبداع أمام تحديات الذكاء الاصطناعي

أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرا في مجالات الكتابة والصورة والصوت والمؤثرات البصرية. وهو يفتح فرصا واسعة أمام المبدعين، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بحقوق المؤلفين والفنانين والتقنيين وحماية الأعمال من الاستعمال دون إذن.

ويؤكد إعلان لوميير أن التكنولوجيا ينبغي أن تظل أداة في خدمة الإبداع، وأن يبقى الإنسان في قلب العملية الفنية. وهذه رؤية مهمة بالنسبة إلى المغرب، لأنها تساعد على تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية حقوق المبدعين.

وسيتيح الانضمام إلى التحالف للمغرب الاستفادة من النقاشات والخبرات الدولية في هذا المجال، والمساهمة في وضع قواعد تحمي الأعمال المغربية من الاستعمال غير المشروع، مع فتح المجال أمام الاستخدام المسؤول للتكنولوجيات الجديدة.

حماية القاعات السينمائية المستقلة

من أهم نتائج المشاركة المغربية الانخراط في المبادرة الدولية من أجل صمود القاعات السينمائية المستقلة. وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل ما تواجهه بعض القاعات من صعوبات مالية وتراجع في الإقبال وتغير في عادات المشاهدة.

فالقاعة السينمائية ليست مجرد مكان لعرض الأفلام، بل فضاء للثقافة واللقاء وتقاسم التجربة الفنية. وهي أيضا وسيلة أساسية لعرض الأفلام المغربية وإيصالها إلى الجمهور.

ويمكن للمغرب الاستفادة من هذه المبادرة في تحديث القاعات، وتطوير طرق تدبيرها، وتنويع برامجها، وتقريبها من الأطفال والشباب والمؤسسات التعليمية. كما يمكن أن تساعد على تشجيع إحداث قاعات جديدة في المدن والمناطق التي تفتقر إلى العرض السينمائي.

إن حماية القاعات لا تعني فقط الحفاظ على بناياتها، بل تعني أيضا الحفاظ على عادة الذهاب إلى السينما وعلى العلاقة الجماعية بين الجمهور والفيلم.

التربية على الصورة لبناء جمهور المستقبل

سيشارك المغرب كذلك في البرنامج الدولي التجريبي للتربية على الصورة. وهذا مكسب مهم، لأن الأطفال والشباب يعيشون اليوم وسط تدفق متواصل للصور ومقاطع الفيديو والمحتويات الرقمية.

ولذلك لم يعد كافيا أن يتعلم الطفل القراءة والكتابة فقط، بل أصبح من الضروري أن يتعلم أيضا كيفية فهم الصورة وتحليلها والتمييز بين الحقيقة والتضليل وبين العمل الإبداعي والمحتوى السريع.

ويمكن أن يشكل هذا البرنامج أساسا لتعاون أوسع بين المؤسسات السينمائية والثقافية والتعليمية، من أجل تنظيم عروض داخل القاعات، وتكوين المدرسين والمنشطين، وإحياء الأندية السينمائية، وتقريب الأفلام المغربية من التلاميذ والطلبة.

ومن شأن التربية على الصورة أن تنمي التفكير النقدي والذوق الفني، وأن تسهم في تكوين جمهور جديد يقدر السينما الوطنية ويتابعها ويدعمها.

فرص جديدة للإنتاج والاستثمار

يعترف إعلان لوميير بالسينما باعتبارها ثقافة وصناعة في الوقت نفسه. فهي تحفظ الذاكرة وتروي الحكايات، لكنها أيضا تجلب الاستثمار وتخلق فرص الشغل وتنمي الكفاءات وتدعم قطاعات متعددة.

ويمتلك المغرب مؤهلات مهمة في هذا المجال، من مواقع تصوير متنوعة، وأطر تقنية وفنية ذات خبرة، واستوديوهات ومنشآت للإنتاج، فضلا عن تجربة طويلة في استقبال الأعمال الأجنبية.

ويمكن للانضمام إلى التحالف أن يعزز التعريف بهذه المؤهلات ويشجع على استقطاب مشاريع دولية جديدة. كما يستطيع المغرب تطوير دوره من بلد يستقبل التصوير إلى شريك يساهم في تطوير الأعمال وإنتاجها وتوزيعها والاستفادة من حقوقها.

وهذا التحول من تقديم الخدمات إلى المشاركة في صناعة القيمة سيعود بالنفع على المقاولات المغربية والمبدعين والتقنيين والاقتصاد الوطني.

حماية الذاكرة السينمائية المغربية

دعا إعلان لوميير إلى التحرك العاجل لحماية التراث السينمائي العالمي، لأن كثيرا من الأفلام القديمة مهدد بالتلف والضياع.

وتكتسي هذه القضية أهمية كبيرة بالنسبة إلى المغرب، لأن الأفلام القديمة لا تحمل قيمة فنية فقط، بل تحفظ صور المدن والناس والعادات واللغات والأحداث التي صنعت جزءا من الذاكرة الوطنية.

ومن شأن التعاون داخل تحالف لوميير أن يساعد المغرب على تطوير عمليات جرد الأفلام القديمة وترميمها ورقمنتها وحفظها، إضافة إلى استرجاع النسخ الموجودة في الخارج وإتاحتها للباحثين والجمهور.

فحماية الأرشيف السينمائي هي في حقيقتها حماية لذاكرة المغاربة وضمان لانتقالها إلى الأجيال المقبلة.

تعزيز التنوع والمساواة والاستدامة

يدافع الإعلان عن تنوع الأفلام واللغات والثقافات ووجهات النظر، ويؤكد أهمية المساواة بين النساء والرجال وتوفير بيئة عمل آمنة ومنصفة داخل الصناعة.

وتنسجم هذه المبادئ مع حاجة السينما المغربية إلى فتح المجال أمام مواهب جديدة، ودعم حضور النساء، وتشجيع أفلام الشباب والأعمال الأولى، والاهتمام بالأفلام الوثائقية وأفلام التحريك والأعمال الناطقة بمختلف التعبيرات اللغوية والثقافية المغربية.

كما يدعو الإعلان إلى اعتماد طرق إنتاج أكثر احتراما للبيئة، من خلال الحد من النفايات وترشيد استعمال الطاقة والماء وإعادة استخدام المعدات والديكورات. وقد أصبحت هذه المعايير جزءا من تنافسية البلدان في استقطاب الإنتاجات الدولية.

من الانضمام إلى برنامج عمل وطني

تظل المكاسب الحقيقية لهذا الانضمام مرتبطة بقدرة المغرب على تحويل المبادئ المعلنة إلى مشاريع عملية. ولذلك من المهم وضع برنامج وطني يحدد الأولويات والنتائج المنتظرة.

ويمكن أن يشمل هذا البرنامج دعم القاعات المستقلة، وإطلاق خطة للتربية على الصورة، وتسريع رقمنة الأرشيف، وحماية الإبداع من مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الإنتاج المشترك، وتعزيز حضور السينما المغربية والإفريقية في الأسواق الدولية.

كما يتطلب نجاحه إشراك مختلف الفاعلين، من إدارات ومؤسسات عمومية ومهنيين ومبدعين وجامعات ومدارس ومجتمع مدني. فمستقبل السينما مسؤولية مشتركة، ولا يمكن بناؤه دون تعاون جميع مكوناتها.

المغرب يشارك في بناء سينما المستقبل

إن انضمام المغرب إلى تحالف لوميير بصفة عضو مؤسس ليس مجرد مكسب رمزي، بل فرصة لتعزيز إشعاع السينما المغربية وتطوير صناعتها وحماية إبداعها وذاكرتها.

كما يمنح المملكة مجالا للدفاع عن التنوع الثقافي، ودعم التعاون جنوب–جنوب، وخدمة السينما الإفريقية، والمشاركة في إيجاد حلول مشتركة للتحديات التي تواجه القطاع عالميا.

لقد أصبح المغرب حاضرا منذ البداية في فضاء دولي جديد يراد له أن يسهم في رسم مستقبل السينما والصورة المتحركة. ويبقى الرهان اليوم هو تحويل هذا الحضور إلى مبادرات وشراكات ونتائج ملموسة، حتى تصبح المملكة فاعلا مؤثرا في بناء سينما أكثر انفتاحا وتنوعا وعدلا وقدرة على الوصول إلى الجمهور.

-رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"