أوراق الحملة والمقررات

أوراق الحملة والمقررات
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:01

لا تزال عالقة في ذاكرتي صورةُ شيخٍ في التسعين من العمر، انحنى ليلتقط من الأرض ورقةً مكتوبة، ثم وضعها في مكانٍ مرتفع مخافة أن تدوسها الأرجل.

وكان هناك من يرفض أن يضع له البقالُ رغيفَ خبزٍ أو شيئاً من حاجياته في قطعةٍ من جريدة، احترازاً وخوفاً من أن تكون في المكتوب آيةٌ من كتاب الله أو كلامٌ يستحق الاحترام. حدث هذا في ثمانينيات القرن المنصرم؛ فقد كان للورقة في ذلك الزمن هيبة، ولم تكن مجرد قطعةٍ من الورق، بل كانت وعاءً للكلمة، وكانت الكلمة تحظى بمكانتها، سواء كانت علماً أو موعظةً أو خبراً أو حتى مجرد سطورٍ مجهولة الكاتب.

فأين نحن اليوم من تلك التصرفات؟

يبدو أننا قطعنا شوطاً طويلاً في الاتجاه المعاكس؛ فلم يعد المقدس يحظى بالاحترام الذي كان له، فما بالك بما هو دون ذلك من أوراق تحمل علماً أو معرفة أو برنامجاً أو فكرة!

ما إن تمر بالقرب من أبواب بعض الثانويات الإعدادية، خصوصاً عند نهاية الموسم الدراسي، حتى يهاجمك سيلٌ من الأوراق الممزقة؛ أوراق تغطي الأرصفة والطرقات وكأنها قطع من زليج غير منظم، أو بقايا معركة لم ينتصر فيها أحد.

وها نحن في بداية الحملة الانتخابية، حيث تُهدر أطنانٌ من الأوراق في البوادي والمدن، فتتحول الطرقات إلى أرصفة مبلطة برموز الأحزاب السياسية. فشل المنتخبون في تبليطها، فنجحت رموز الأحزاب في القيام بالمهمة أثناء الحملة الانتخابية! ولعل المشهد يحمل مفارقة لا تخلو من السخرية: سياسيون يعجزون عن تعبيد الطرق الحقيقية، فينجحون في تعبيدها بصورهم وشعاراتهم ومنشوراتهم. وما إن تنتهي الحملة حتى تبدأ الرياح والمياه والأقدام في إزالة ذلك التبليط الانتخابي، وكأنها تذكرنا بأن الوعود أيضاً تفقد صلاحيتها بانصرام آخر دقيقة من الحملة.

لكن ظاهرة تمزيق الأوراق الدراسية، وتشتيت البرامج الانتخابية وإلقائها في الطرقات، تستحق أن نتوقف عندها طويلاً:

لماذا أصبح كل ما هو ثقافي او يشير الى الثقافة شيئا نحاول لتخلص منه؟ا-

إذا كانت البرامج التعليمية تُمزق وتُداس بالأقدام، وسط سب وشتم يوجه بأعلى الأصوات إلى الأساتذة، فكيف نريد من المدرسة أن تنتج جيلاً يحترم العلم؟ وإذا كانت المقررات الدراسية لم تعد تغري التلاميذ، وأصبح طريق الرقي الاجتماعي يمر في نظر الكثيرين عبر ملاعب الكرة—حيث يستطيع لاعب موهوب أن ينتقل في رمشة عين إلى نادي ينضم عبره إلى أصحاب الحسابات البنكية السمينة—فلا عجب أن تصبح الكرة حلمًا، والمدرسة مجرد محطة إجبارية في الطريق إلى ذلك الحلم.

لا أحد يعترض على الرياضة ولا على نجاح الرياضيين، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشهرة والثروة الطريق الأكثر إغراءً، بينما يبدو العلم طريقاً طويلاً، شاقاً، وغير مضمون النتائج.

والأمر لا يختلف كثيراً في المجال السياسي؛ فحين يصبح العمل السياسي محكومًا بالتودد والمجاملة والحسابات الضيقة، وحين يتحول التنافس من صراع البرامج والأفكار إلى صراع على المواقع، فإننا لا نحتاج إلى كثير من الذكاء لنعرف لماذا تفقد الأوراق الانتخابية قيمتها بمجرد انتهاء موسم توزيعها.

حتى الحديث عن “الكوطا” وتمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة—وهو في أصله نقاش مشروع حول العدالة والتمثيل—قد ينحرف أحياناً عن مقصده النبيل؛ فلا يعود الهدف رؤية الكفاءات النسائية تتقلد المسؤولية، بقدر ما يصبح وسيلة لتدوير التمثيل داخل الدوائر العائلية والحزبية الضيقة. وهنا تصبح الكعكة أهم من المبدأ، والقرابة أهم من الكفاءة، والانتماء أهم من البرنامج.

نحن إذن أمام مشهد واحد وإن اختلفت الأوراق:

ورقة التلميذ. تُداس في الطريق

وورقة المرشح. تُداس بعد انتهاء الحملة.

وبين الورقتين، يبدو أننا فقدنا شيئاً أكبر من الورق نفسه: فقدنا احترام الكلمة. فالذي لا يحترم ورقة تحمل علماً، لن يكون من السهل عليه أن يحترم صاحب العلم. والذي يمزق برنامجاً انتخابياً دون أن يقرأه، قد لا يكون مستعداً لمحاسبة من جاء به إلى المسؤولية. والذي يرى في الأستاذ مجرد شخص يستحق السب، وفي السياسي مجرد صورة تصلح لتعليقها على الجدران، وفي اللاعب مجرد نموذج وحيد للنجاح، لا ينبغي أن يستغرب إذا وجد الثقافة تتراجع، والتعليم يتعثر، والسياسة تتحول إلى موسم عابر من الصور والشعارات.

ربما لم تعد المشكلة في الأوراق التي تملأ شوارعنا؛ المشكلة في أننا لم نعد نعرف ما الذي يستحق أن نحمله، وما الذي يستحق أن نحترمه، وما الذي يستحق أن نمزقه ونرميه بعيداً. والأخطر من كل ذلك، أن نصل إلى زمن تصبح فيه أوراق الوعود أكثر عدداً من أوراق المقررات، بينما يصبح احترام الورقة نفسها مجرد ذكرى من زمن كان فيه شيخ تسعيني ينحني من أجل ألا تدوسها قدم. “

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"