امرأة تقود التحول المغربي

امرأة تقود التحول المغربي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:18

في المغرب، حيث تتعانق ذاكرة التاريخ مع نبض الحاضر، وحيث لا تأتي التحولات الكبرى دفعةً واحدة، بل تنضج في حضن المؤسسات، وتكبر في رحم التحولات، أطلّ يوم 29 من شتنبر 2026 كموعدٍ لا يشبه سائر المواعيد؛ يومٌ انفتح فيه بابٌ جديد، وتغيّر فيه خطاب، وانقلبت فيه صورة المشهد السياسي من مألوفٍ إلى غير مألوف. امرأةٌ في قلب السلطة، امرأةٌ على رأس الحكومة، امرأةٌ تضع قدمها في المكان الذي ظل طويلًا حكرًا على الرجال. لم يكن المشهد مجرد تبديلٍ في المواقع، ولا مجرد اسمٍ جديدٍ في سجل الحكومات، بل كان إعلانًا بأن السياسة قد تعيد ترتيب مقاعدها، وأن القيادة لا تُقاس بجنس صاحبها، بل بقدرته على حمل أعبائها، وصيانة أمانتها، ومواجهة أسئلتها. فهل نحن أمام انتصار للمرأة، أم أمام انتصارٍ لفكرة أعمق: أنّ زمن الاحتكار قد انحسر، وأنّ زمن الكفاءة قد حضر؟

لم يعد السؤال في المغرب اليوم: هل تستطيع المرأة الوصول إلى قمة السلطة التنفيذية؟ فقد أصبح الجواب حقيقة سياسية ودستورية غير مسبوقة: نعم. في التاسع والعشرين من شتنبر 2026، دخل المغرب مرحلة سياسية جديدة بتعيين جلالة الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة. وجاء التعيين الملكي بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية، حيث حصل على المرتبة الأولى وفق النتائج المعلنة، لتُكلَّف فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها منسقة القيادة الجماعية للحزب، بتشكيل الحكومة الجديدة.

إنها ليست مجرد لحظة بروتوكولية في رزنامة الدولة، ولا مجرد صورة امرأة تجلس للمرة الأولى على كرسي رئاسة الحكومة. إنها لحظة سياسية مؤسسة، تحمل في طياتها دلالات تتجاوز شخص فاطمة الزهراء المنصوري إلى سؤال أعمق: هل نحن أمام بداية إعادة تشكيل للخريطة الذهنية للسلطة في المغرب؟ لقد كان حضور المرأة في الحياة السياسية المغربية يتقدم تدريجيًا، لكن وصولها إلى قمة الجهاز التنفيذي ينقل النقاش من التمثيلية إلى القيادة، ومن مطلب الحضور إلى ممارسة السلطة وصناعة القرار. والأهم أن المنصوري لم تصل إلى رئاسة الحكومة من خارج الحقل السياسي. مسارها مرّ عبر المحاماة، والتدبير المحلي، ورئاسة مدينة مراكش، والوزارة، والبرلمان، ثم قيادة حزب سياسي. واليوم تنتقل من موقع الفاعل الحزبي والوزاري إلى موقع المسؤول الأول عن تشكيل الحكومة.

هنا تحديدًا تكمن قيمة الاستثناء المغربي. فالحديث عن “تفوق الإناث” يحتاج إلى قراءة سياسية دقيقة. القضية ليست أن المرأة تتفوق على الرجل بحكم النوع، كما أن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى مباراة بين الجنسين. التفوق الحقيقي هو تفوق الكفاءة على الصور النمطية، والاستحقاق على الامتياز، والمؤسسة على العقلية التقليدية. وإذا كان تعيين امرأة رئيسة للحكومة حدثًا تاريخيًا، فإن القيمة السياسية الأهم لهذا الحدث ستكون في قدرته على تحويل الاستثناء إلى أمر طبيعي. فالديمقراطية لا تحتفي بوصول امرأة لأنها امرأة، وإنما تحتفي بكون المجال السياسي أصبح أكثر انفتاحًا أمام المواطنين والمواطنات على حد سواء.

ومن هذه الزاوية، تحمل تجربة المنصوري رسالة قوية إلى الأحزاب المغربية. فالأحزاب ليست فقط آليات للوصول إلى البرلمان، بل هي مدارس لإنتاج النخب وصناعة القيادات. وحين يتمكن حزب من الدفع بامرأة إلى واجهة السلطة التنفيذية، فإن السؤال يصبح: هل ستتبع هذه الخطوة عملية أوسع لتجديد النخب النسائية داخل مختلف التنظيمات السياسية؟

لقد كان حزب الأصالة والمعاصرة نفسه قد اختار منذ مؤتمره الوطني الخامس سنة 2024 صيغة القيادة الجماعية، وأصبحت المنصوري منسقة القيادة الجماعية للأمانة العامة. وهذا المعطى يمنح صعودها دلالة إضافية، لأن الطريق إلى رئاسة الحكومة مرّ هذه المرة عبر مؤسسة حزبية وشرعية انتخابية ومسار سياسي متدرج، وليس عبر مجرد تعيين رمزي. لكن التاريخ لا يمنح أحدًا شيكًا على بياض. فرئاسة الحكومة ليست منصة للاحتفال الرمزي، بل مسؤولية تنفيذية ثقيلة. فالمنصوري تواجه الآن تحدي تشكيل أغلبية حكومية، وإدارة التوازنات الحزبية، وتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية، ثم إخضاع البرنامج الحكومي للمؤسسات الدستورية والرقابة البرلمانية.

وبذلك ينتقل النقاش فورًا من سؤال “هل المرأة قادرة؟” إلى السؤال السياسي الحقيقي: ماذا ستفعل رئيسة الحكومة؟ هذا التحول مهم للغاية. فالمرأة التي تصل إلى السلطة لا ينبغي أن تبقى أسيرة السؤال الجندري. بمجرد توليها المسؤولية، تصبح مثل أي رئيس حكومة مطالبة بتقديم حصيلة قابلة للقياس، وبرنامج قابل للتنفيذ، وسياسات عمومية تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي المقابل، سيكون من غير العادل أن تُحمّل المنصوري وحدها عبء إثبات أن المرأة قادرة على القيادة. إن نجاح التجربة أو تعثرها يجب أن يُقرأ ضمن شروطها السياسية والمؤسساتية والاقتصادية، لا باعتباره حكمًا على النساء عمومًا.

لذلك، فإن السابقة المغربية التي بدأت يوم 29 شتنبر 2026 قد تكون أهم من مجرد كونها “أول مرة”. الأولوية الآن هي أن يصبح وصول المرأة إلى مواقع القرار جزءًا طبيعيًا من الحياة السياسية، لا حدثًا استثنائيًا يستدعي الدهشة في كل مرة. لقد تغير المشهد. امرأة مغربية تقف اليوم على رأس الحكومة، والحزب الذي تنتمي إليه تصدر الانتخابات، والمؤسسات الدستورية دخلت مرحلة جديدة من اشتغالها. ولعل المفارقة أن السؤال الذي كان يبدو قبل سنوات بعيدًا عن الواقع أصبح اليوم واقعًا يفرض أسئلة جديدة.

لم يعد المغرب منذ اليوم يناقش إمكانية وصول المرأة إلى رئاسة الحكومة؛ بل سيبدأ يناقش ما بعد الوصول: الأداء، والحكامة، والنجاعة، والمساءلة، والقدرة على بناء الأغلبية وإدارة الدولة. وهنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي. إن فاطمة الزهراء المنصوري لا تكتب اليوم فصلًا نسائيًا فقط في تاريخ الحكومة المغربية؛ إنها تفتح صفحة جديدة في تاريخ النخبة السياسية المغربية. وقد يكون أهم ما في هذه الصفحة أن المرأة لم تعد ضيفة على مراكز القرار، بل أصبحت جزءًا من هندسة السلطة نفسها. إنه ليس انتصار النساء على الرجال. إنه، قبل كل شيء، انتصار لفكرة أن السياسة لا جنس لها، وأن صندوق الاقتراع والمؤسسات والكفاءة هي التي ينبغي أن تحدد من يقود، ومن يحاسب، ومن يتحمل المسؤولية.

ومن هنا قد يكون “الاستثناء المغربي” الحقيقي ليس في أن امرأة أصبحت رئيسة للحكومة، وإنما في أن يصبح هذا الحدث، مع مرور الزمن، غير استثنائي على الإطلاق. وهكذا، لا تُغلق هذه اللحظة صفحةً من تاريخ المغرب، بقدر ما تفتح صفحةً أخرى؛ صفحةً عنوانها النبوغ، ومتنها الاستثناء، وهامشها أفقٌ لا تحدّه الحدود. فأن تصعد امرأة مغربية إلى قمة التدبير الحكومي ليس مجرد تبديلٍ في الوجوه، ولا انتصارًا عابرًا في سباق المواقع، بل إشارةٌ إلى مجتمعٍ يختبر قدرته على تجديد نخبه، وتوسيع دوائر قيادته، وتحويل التحولات الاجتماعية إلى مكاسب سياسية ومؤسساتية. إن الاستثناء المغربي، حين يلتقي بالكفاءة، يصبح قاعدةً للتجدد؛ وحين يتكئ على المؤسسات، يتحول من لحظةٍ لافتة إلى مسارٍ راسخ. ولعل المستقبل لن يسأل كثيرًا: من كانت أول امرأة؟ بل سيسأل: ماذا صنعت، وماذا غيّرت، وماذا تركت وراءها؟ وبين سؤال الأمس ووعد الغد، يبقى المغرب بلدًا يكتب فصوله بهدوء، ويفاجئ التاريخ بقدرته على أن يجعل من الاستثناء بدايةً، ومن البداية مسارًا، ومن المسار أفقًا جديدًا للقيادة والريادة…

-أستاذ مهتم بالشأن البيداغوجي – مديرية المضيق الفنيدق

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 10

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري

صوت وصورة
لشكر في مقر ''البام''
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 20:15

لشكر في مقر ''البام''