حين تترك الدولة الدجل يرتدي جلباب الدين .. من يحمي المغاربة من فوضى الرقية الشرعية؟
في المغرب، يحتاج الطبيب إلى سنوات من الدراسة والتدريب، وإلى شهادة وترخيص وتسجيل في هيئة مهنية قبل أن يُسمح له بتشخيص الأمراض وعلاجها. وتخضع العيادات والمصحات والصيدليات لشروط قانونية ورقابية دقيقة. لكن شخصًا قد لا يملك أي تكوين طبي أو نفسي، بل قد لا يملك حتى تكوينًا شرعيًا، يستطيع أن يعلن نفسه راقيًا شرعيًا، ويستقبل الناس في بيته أو في محل يحمل اسم مركز للرقية، ثم يبدأ في تشخيص السرطان والصرع والاكتئاب والعقم والمشكلات الزوجية بأنها مس، أو سحر، أو عين، أو جن عاشق.
وقد يبيع بمبالغ خيالية المياه والزيوت والأعشاب، ويطلب من المريض التوقف عن علاجه، ويلمس جسد امرأة أو يختلي بها، ويصور المرضى في أكثر لحظات حياتهم ضعفًا، ثم يبرر ذلك كله بأنه علاج بالقرآن.
كيف سمحت الدولة المغربية بنشوء هذا السوق؟ وكيف أصبح الادعاء بمعرفة عالم الجن وتشخيص الأمراض الغيبية نشاطًا يُمارس علنًا، بينما يعاقب القانون من يزاول الطب من دون ترخيص؟ هذا ليس تسامحًا مع الدين، بل تقصير في حماية المواطنين، وترك للدجل كي يرتدي جلباب الإسلام.
لسنا ضد الرقية الشرعية الواردة في السنة
يجب التوضيح منذ البداية حتى لا يختبئ الدجالون وراء تهمة جاهزة مفادها أن كل من ينتقدهم يحارب القرآن والسنة. نحن لسنا ضد الرقية كما وردت في السنة النبوية الصحيحة، ولسنا ضد قراءة القرآن والدعاء للمريض وطلب الشفاء من الله. ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. وثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث. كما أقر الصحابي الذي رقى رجلًا بفاتحة الكتاب. وهذه النصوص تثبت مشروعية الرقية القائمة على القرآن والدعاء والخالية من الشرك والشعوذة.
ومن حق المسلم أن يقرأ القرآن على نفسه أو على أحد أفراد أسرته، وأن يدعو الله بالشفاء والطمأنينة. لكن الرقية الواردة في السنة شيء، وما يحدث داخل كثير من مراكز الرقية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي شيء آخر تمامًا. لا يوجد في السنة ما يمنح الراقي القدرة على معرفة من سحر المريض، أو تحديد نوع الجن الذي يزعم أنه يسكنه، أو الجزم بأن جنًا عاشقًا عطّل زواجه، أو أن قرينه تسبب في مرضه. كما أن جواز أخذ مقابل على الرقية لا يبرر فتح سوق بلا رقابة، ولا استغلال خوف المرضى وطلب مبالغ باهظة منهم.
مشروعية الدعاء لا تمنح أحدًا شهادة في الطب، وقراءة القرآن لا تخوّل صاحبها تشخيص الاضطرابات النفسية والعصبية، والإيمان بالغيب لا يعطي أي شخص حق الادعاء بأنه يعرف تفاصيل ذلك الغيب.
عندما يتحول القرين إلى تفسير لكل شيء
لم يعد بعض محترفي الرقية يكتفون بالحديث عن العين والسحر، بل أصبحوا يقدمون القرين تفسيرًا شاملًا لكل ما يعجزون عن فهمه. فمنهم من يزعم أن القرين يدفع الإنسان إلى الانتحار، ويأمره بارتكاب جرائم القتل، ويقف وراء الفصام والاضطراب ثنائي القطب والانجذاب الجنسي إلى الأطفال، بل وحتى ما يصفونه بـالشذوذ الجنسي. كيف يُسمح لشخص لا يحمل أي صفة طبية أو نفسية أو علمية بأن يظهر أمام آلاف المواطنين، ويقدم تفسيرات غيبية لأشد الأمراض النفسية تعقيدًا ولأخطر الجرائم التي يعاقب عليها القانون؟ هذه ليست آراء دينية بريئة؛ إنها ادعاءات قد تعطل العلاج، وتنشر الوصمة، وتمنح المجرم ذريعة للتنصل من مسؤوليته.
عندما تقنع شخصًا يعاني أفكارًا انتحارية بأن قرينه هو الذي يريد قتله، فقد تدفعه إلى الخوف والعزلة والابتعاد عن الطبيب في وقت يحتاج فيه إلى مساعدة عاجلة. فالانتحار ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وبيولوجية، ولا يمكن اختزالها في كائن غيبي لا يستطيع أحد إثبات تدخله أو قياسه.
أما الفصام والاضطراب ثنائي القطب فلهما معايير تشخيصية وخيارات علاجية تشمل الأدوية والتدخلات النفسية والاجتماعية. ونسبتهما إلى القرين قد تؤخر العلاج وتعرض المريض للضرب والتقييد والإذلال بدعوى إخراج الجن. وتؤكد منظمة الصحة العالمية وجود علاجات فعالة لهذه الاضطرابات.
كما أن الخلط بين المثلية الجنسية والاعتداء الجنسي على الأطفال والأمراض النفسية خلط بين ظواهر مختلفة جذريًا. فالاعتداء الجنسي على الأطفال هو جريمة يتحمل مرتكبها كامل المسؤولية، ولا يجوز تحويل القرين إلى محامٍ غيبي يبررها.
القرين نفسه يقول: ما أطغيته
الأغرب أن القرآن الكريم يهدم الادعاء بأن القرين يجبر الإنسان على الطغيان والجريمة. يقول الله تعالى: « قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ» (ق: 27). فالقرين يتبرأ يوم القيامة من مسؤولية طغيان الإنسان ويقول بوضوح: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. وقد فسر الطبري الآية بأن القرين يقول إنه لم يجعله طاغيًا متعديًا، وفسرها ابن كثير بأن شيطانه يتبرأ منه ويقرر أنه كان قابلًا للباطل ومعاندًا للحق. ويؤكد القرآن المعنى نفسه على لسان الشيطان: «وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم» (إبراهيم: 22). فالقرآن قد يثبت الوسوسة والإغواء، لكنه لا يجعل الشيطان أو القرين قوة قاهرة تسلب الإنسان إرادته وتحمله على القتل أو الانتحار أو الاعتداء الجنسي. الوسوسة شيء، والإجبار وإسقاط المسؤولية شيء آخر.
ولا يوجد نص صحيح يقرر أن القرين هو سبب الفصام أو الاضطراب ثنائي القطب، أو أنه يدفع الإنسان إلى الانتحار والقتل، ولا يوجد نص يمنح الراقي القدرة على تشخيص أفعال القرين داخل الإنسان. القرآن يقول على لسان القرين: ﴿مَا أَطْغَيْتُهُ﴾، بينما يصر بعض الرقاة على القول: بل هو الذي أطغاه! إنهم لا ينقلون علمًا بالغيب، بل يضيفون إلى الدين قصصًا من صنعهم، ثم يقدمونها للعامة كما لو كانت حقائق شرعية قطعية.
مهازل الرقية عبر مواقع التواصل الاجتماعي
لم يتوقف هذا العبث عند البيوت وما يسمى مراكز الرقية، بل انتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشاهد اليوم مهازل حقيقية تُرتكب أمام آلاف المتابعين باسم القرآن. أصبح بعض الرقاة يزعمون أنهم يرقون المرضى عن بُعد، عبر الهاتف أو الاتصال المرئي أو الرسائل الصوتية. ويجلس أحدهم أمام الكاميرا ليطلب من المتابعين إغلاق أعينهم ووضع أيديهم على أماكن الألم، ثم يبدأ بالصراخ وقراءة الآيات، ويطلب منهم مراقبة ما يشعرون به. فإذا تثاءب شخص قال له: فيك عين. وإذا بكى قال: بدأ العارض يتأثر. وإذا ارتجف أو شعر بتنميل قال: تحرك الجن. وإذا لم يشعر بشيء قال: العارض قوي ويقاوم الرقية.
وهكذا تصبح كل نتيجة دليلًا يؤكد كلام الراقي، ولا توجد أي نتيجة يمكن أن تثبت خطأه. إنه تشخيص دائري محكم ضد الاختبار: إن ظهرت الأعراض فهي دليل على وجود الجن، وإن لم تظهر فهي دليل على اختبائه. والأشد إثارة للسخرية ما يسمى الرقية الجماعية، حيث يزعم شخص أنه يعالج عشرات أو مئات الأشخاص في اللحظة نفسها من خلال بث مباشر. أشخاص مختلفون، في مدن ودول مختلفة، يعانون أمراضًا ومشكلات متباينة، ومع ذلك يدعي الراقي أنه يشخصهم ويعالجهم جميعًا بصوته عبر شاشة الهاتف!
أي علم هذا؟ وأي دليل شرعي يثبت أن شخصًا يستطيع تشخيص المس والسحر والعين لدى مئات الناس دفعة واحدة عبر الإنترنت؟
ثم تتحول المسرحية إلى تجارة: هدايا رقمية أثناء البث، وأرقام لحجز جلسات خاصة، وتحويلات مالية، وماء وزيوت وأعشاب مرقية، وبرامج مدفوعة لفك السحر وعلاج الأمراض وتعطيل القرين.
ويعرض بعضهم مقاطع لأشخاص يبكون أو يصرخون أو يرتجفون، لا لحمايتهم أو مساعدتهم، بل لاستعمال ضعفهم النفسي مادة دعائية تجلب المشاهدات والزبائن. والنتيجة أن القرآن يتحول إلى محتوى استعراضي، والمرضى إلى مادة للفرجة، والخوف إلى سلعة.
لذلك يجب على السلطات المغربية أن تمنع ممارسة الرقية العلاجية عبر مواقع التواصل الاجتماعي منعًا باتًا، سواء كانت فردية أو جماعية، مباشرة أو مسجلة، مجانية في ظاهرها أو مدفوعة.
ويجب أن يشمل المنع:
البث المباشر لجلسات الرقية الفردية والجماعية.
تقديم الرقية عبر الهاتف والاتصال المرئي والرسائل الصوتية بوصفها علاجًا.
تشخيص المس والسحر والعين والقرين عبر الإنترنت.
الإعلان عن خدمات الرقاة وحجز الجلسات من خلال المنصات.
جمع الأموال والهدايا الرقمية خلال جلسات الرقية.
بيع الماء والزيوت والأعشاب والبرامج العلاجية تحت وصف مرقية.
نشر مقاطع المرضى وشهادات الشفاء المزعومة لاستقطاب الزبائن.
ادعاء علاج السرطان والصرع والأمراض النفسية أو مطالبة المرضى بإيقاف أدويتهم.
ولا يعني ذلك منع تلاوة القرآن أو نشر الأدعية والمواعظ الدينية. المطلوب ليس منع الناس من الاستماع إلى القرآن، بل منع شخص من تقديم نفسه عبر الشاشة بوصفه معالجًا قادرًا على كشف الغيب وتشخيص الأمراض وعلاجها. فالرقية الواردة في السنة لم تكن عرضًا جماعيًا يُبث أمام آلاف المتابعين، ولم تكن وسيلة لصناعة الشهرة وجمع الهدايا الإلكترونية وبيع المنتجات. وإذا كان القانون يمنع غير الطبيب من تشخيص المرضى وعلاجهم داخل عيادة، فمن باب أولى أن يمنعه من فعل ذلك عبر هاتف يصل من خلاله إلى مئات الآلاف من الأشخاص.
الدولة تتحرك بعد وقوع الكارثة
صحيح أن القضاء المغربي تابع وأدان أشخاصًا مارسوا النصب أو الاعتداء أو الابتزاز تحت غطاء الرقية. ولذلك فليس دقيقًا القول إن الدولة لا تتدخل مطلقًا. لكن تدخلها يأتي، في حالات كثيرة، بعد أن يتحول الضرر إلى ملف جنائي.
في مارس 2025، نشرت الصحافة خبر إدانة راقٍ كان قد أقنع طبيبة مصابة بسرطان الثدي بالتخلي عن العلاج الإشعاعي وتعويضه بممارسات ومواد قدمها لها. تفاقم المرض وانتشر السرطان وانتهت حياة المريضة. وذكرت المعطيات المنشورة أن الرجل كان يدير ما وُصف بـعيادة غير قانونية في الرباط. وفي قضية أخرى، أصدرت محكمة بالرباط حكمًا بالسجن سبع سنوات على شخص أدين بالشعوذة والنصب والابتزاز والاستغلال الجنسي لنساء، بعد شكاية أفادت بتخدير إحدى الضحايا واستغلالها.
هذه القضايا تثبت أن القانون يستطيع التدخل عندما تتوافر أفعال مثل النصب أو الاعتداء أو تقديم مواد مضرة بالصحة. لكنها تكشف أيضًا فشل المقاربة الوقائية: لماذا ننتظر حتى تموت مريضة، أو تُعتدى امرأة، أو تُبتز أسرة، قبل أن نتحرك؟
وقد نوقشت الظاهرة في البرلمان منذ سنوات، وأثير غياب الوضع القانوني لمراكز الرقية وتبادل المسؤوليات بين القطاعات، من دون أن يؤدي ذلك إلى سياسة حاسة. هذا التشتت المؤسسي هو الفراغ الذي يعيش فيه الدجالون: وزارة الأوقاف تحيل الجانب الصحي إلى وزارة الصحة، ووزارة الصحة لا تتحرك إلا عند ممارسة فعل طبي واضح، والسلطات الأمنية تتدخل بعد تقديم الشكاوى، بينما يستمر الراقي في استقبال الناس وجمع الأموال ونشر الخوف.
تقنين الممارسة الحضورية من دون شرعنة الخرافة
قد ترى الدولة أن المنع الكامل لاحتراف الرقية الحضورية سيدفعها إلى السرية ويجعل مراقبتها أكثر صعوبة. وفي هذه الحالة، عليها أن تقننها تقنينًا صارمًا، لا باعتبارها مهنة طبية أو علاجًا مثبتًا، بل باعتبارها شكلًا محدودًا من الدعم الديني والروحي. فالترخيص، إن اختارت الدولة اعتماده، لا ينبغي أن يكون شهادة بأن الراقي يكتشف الجن أو يفك السحر، وإنما إجراءً إداريًا يحدد ما يجوز له فعله ويتيح مراقبته ومحاسبته. وينبغي حصر الممارسة المسموح بها في قراءة القرآن والدعاء، مع منع الممارس من:
تشخيص الأمراض الجسدية أو النفسية، أو الجزم بوجود المس والسحر والعين.
تحديد نوع الجن أو اتهام أشخاص بممارسة السحر.
مطالبة المريض بإيقاف الدواء أو تأجيل زيارة الطبيب.
وصف الخلطات والمواد المجهولة أو بيعها باعتبارها علاجًا.
ضرب المريض، أو خنقه، أو تقييده، أو تخويفه.
لمس أجساد النساء أو الاختلاء بهن.
تصوير الجلسات أو نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
الادعاء بإخراج الجن أو حرقه أو التحدث إليه.
ربط الانتحار والقتل والاعتداء الجنسي والأمراض النفسية بالقرين.
ويجب أن يخضع من يرغب في ممارسة هذا النشاط لتكوين أساسي تشرف عليه مؤسسات الدولة المختصة، بمشاركة وزارات الأوقاف والصحة والعدل. ولا يكون الهدف تعليمه كيفية تشخيص المس، بل تعريفه بحدوده القانونية، وبعلامات الأمراض التي تستوجب الإحالة إلى الطبيب، وبقواعد حماية النساء والأطفال. كما يجب اشتراط خلو سجله من جرائم العنف والنصب والاعتداء الجنسي، وإلزامه بميثاق أخلاقي، وسحب اعتماده وإغلاق محله فور مخالفته للشروط.
أما المقابل المالي، فينبغي أن تكون الرقية مجانية في المؤسسات الدينية العامة كلما أمكن، أو خاضعة لسقف رمزي ومعلن تحدده الدولة، مع تسليم وصل للمستفيد. فلا يعقل أن تتحول قراءة القرآن إلى تجارة تدر آلاف الدراهم، أو أن تتغير التسعيرة بحسب خوف المريض وقدرته المالية ونوع الجن الذي يزعم الراقي وجوده.
ويجب إلزام الممارس بإحالة الشخص إلى الطبيب أو الأخصائي النفسي عند ظهور علامات الخطر، مثل الأفكار الانتحارية، أو الهلوسة، أو نوبات الصرع، أو العنف، أو التدهور الجسدي. وأي محاولة لمنع المريض من العلاج الطبي يجب أن تؤدي إلى سحب الاعتماد والمساءلة القانونية، خصوصًا إذا نتج عنها ضرر. كما ينبغي توعية المواطنين بأن المسلم لا يحتاج بالضرورة إلى وسيط يسمى راقيًا. يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن ويدعو لنفسه ولأهله من دون جلسات مدفوعة، ومن دون شخص يزعم امتلاك أسرار لا يعرفها غيره.
الرقية التجارية تسيء إلى الإسلام
أخطر ما يفعله محترفو الرقية ليس سرقة الأموال وتعطيل العلاج فقط، بل تشويه صورة الإسلام. فهم يقدمونه كما لو أنه يفسر الصرع بالجن، والاكتئاب بالسحر، والوسواس بالمس، والعقم بالعين، وتأخر الزواج بـالجن العاشق. ويحولون القرآن من كتاب هداية ورحمة إلى أداة يُصرخ بها في وجوه المرضى ويُضربون ويُرعبون باسمها. وعندما يرى الناس امرأة تُهان أو مريضًا نفسيًا يُعنف، بينما يصرخ شخص بآيات القرآن، فإن الإساءة لا تلحق بالضحية وحدها، بل بصورة الإسلام أيضًا. حماية حرية الاعتقاد لا تعني حماية الاحتيال، واحترام السنة لا يعني السماح لأي شخص باستعمال القرآن غطاءً لممارسة الطب من دون علم، أو الادعاء بمعرفة الغيب، أو نشر الخوف داخل الأسر.
في الختام، الدولة المغربية مطالبة اليوم بحسم هذا الباب: ليس بمنع الرقية الواردة في السنة، ولا بمنع الدعاء وقراءة القرآن، وإنما بمنع تحويلهما إلى مهنة للتشخيص الغيبي وسوق لبيع الوهم. ويجب أن تكون القاعدة واضحة: اقرأ القرآن وادعُ للمريض إن أراد، لكن لا تشخّص، ولا تَعِد بالشفاء، ولا تلمس، ولا تضرب، ولا تمنع العلاج، ولا تتحدث باسم الغيب.
أما على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا مكان لجلسات الرقية العلاجية الفردية أو الجماعية، ولا للتشخيص عبر الشاشة، ولا للمتاجرة بآلام المرضى وخوفهم.
أغلقوا سوق الدجل، واتركوا أبواب القرآن والدعاء مفتوحة.
الرقية الشرعية هي ملي كتقرأ القرآن على شي مريض كيعجبو يسمعو ، وبحكم أنها كلام الله كترد فيه الروح وكتبعث فذاتو راحة نفسية . كاينين شي مرضى كيرتاحو ملي كيسمعو لفيروز ، وكاين اللي كيرتاح لأم كلثوم ، وكاين حتى اللي كترد فيه الروح غير كلمة طيبة تخرج من فم شي زائر غريب . أما قضية دوك لي يبيعو قنينة ماء ديال نص لتر بعشرين درهم بدعوى أن السيد قرأ عليها القرآن قبل ما تتلاح فالدبوزة ، فهذا موضوع آخر ، وعندي معاه قصة . طلبت مني واحد الجارة، نوصلها لحي قريب . ملي وصلنا تفاجأت بلي قصدات واحد الراقي باش تشري من عندو الماء . دخلت لقيتو حاط مجموعة ديال القراعي فطبلا وسط الدار ، أشكال وأحجام وأثمنة مختلفة . تقدمات عندو الجارة وعطاتوه عشرين درهم ، وباين بلي كيعرفها ومد ليها قنينة . من بعد بلا مقدمات شاف فيا وقال : باين من تحركاتك بلي كتعتقد بلي هادشي غا خرافات . جاوبتو : لا ، لا ما كنعتقد والو ، ما كنتش عندي الرغبة ندخل معاه فنقاش وخاصة بحضور الجارة . ولكن بيني وبينكم اكتشفت بلي عاق بيا وكشفني رغم صمتي ، وهادشي كيكشف الذكاء ديالو فاستغلال جهل النساء ، وكلنا عارفين بلي النصابة من أذكى البشر .
هناك المرض البسيط الذي بإمكانك زيارة أي طبيب للحصول على وصفة أدوية(قد تكون قصيرة أو طويلة)وإنتهى الأمر،لكن في أغلب الحالات عليك المرور أمام الطبيب الأول وبعده الثاني وربما الثالث أو…لcnss ستغطي نسبة مِأوية من الفاتورة إذا كنت منخرطا فيها،لكن إذا كنت “خدام لراسك” أو …فعليك الدفع،ستجرب الطبيب الأول والثاني والثالث وفي الأخير ستُصدق أن الفقيه أو الراقي الغير شرعي هما الحل،لتبتدأ بالأول ثم الثاني ثم…إذا كنت منخرطا في لcnss فسيتم نقلك إلى كلنيك لcnss ،وإلا تم نقلك إلى “صبيطار” حيث ستبقى يومين أو ثلاثة وترجع إلى منزلك،أما إذا كنت محظوظا أو…فسيتم قبول حالتك المرضية في مستشفى جامعي.ربما حان وقت مطالبة الدولة بتوفير الحقوق الإجتماعية للمغاربة كمواطنين بدل الرعايا.