رسالة إلى السيد وزير التعليم العالي

رسالة إلى السيد وزير التعليم العالي
الجمعة 29 شتنبر 2023 - 20:19

السيد الوزير: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،،،

أما بعد، فيؤسفني أن أسارع بالقول إن السيل قد بلغ الزبى، وإن بعض لجن الانتقاء قد تمادت في الإقصاء؛ أعني انتقاء مترشحين للتباري حول مناصب أساتذة التعليم العالي مساعدين.

لست أول من يثير هذا الموضوع الذي أضحت روائحه تزكم الأنوف، ولن أكون الأخير إذا لم تتدخلوا السيد الوزير، فتضعوا حدا لما يجري في عدد لا يستهان به من هذه المباريات التي فقدت مصداقيتها بشهادة كثير من المترشحين منذ زمن ليس بالقصير.

هل قرأتم كتاب الدكتور خالد طحطح “بؤس المباريات الجامعية بالمغرب، شعبة التاريخ نموذجا”، الذي ألفه بعد إحباط ويأس أصاباه بفعل ما يجري في هذه المباريات؟ هل شاهدتم فيديوهات الدكتور عبد الرحيم حزل، التي نشرها في حلقات، واختار لها من العناوين: “الإجرام الجامعي أو كيف أصبحت الجامعة المغربية بؤرة للفساد”.

السيد الوزير: لم يعد الملف العلمي معيارا حاسما في ولوج أسوار الجامعة والتدريس بمدرجاتها في غالب الأحيان، إنما الشرط الأساس غير ذلك، إذ لو كان الملف العلمي هو المعيار الوحيد الموحد لكان كثير من الباحثين الجادين المجدين ضمن المترشحين الذين يتم انتقاؤهم للتباري حول منصب أستاذ التعليم العالي مساعد، على الأقل مرة واحدة من بين المرات العديدة التي ترشحوا فيها لهذا المنصب بمؤسسات جامعية مختلفة. لا أقول هذا الكلام من باب الزهو الزائف، ولا مبالغة في مدح هؤلاء الباحثين في مختلف المجالات والتخصصات، وإنما مقالاتهم العلمية والنقدية الرصينة تشهد لهم بذلك، وبحوزة كل واحد منهم ما يزيد عن عشرة مؤلفات تتوافر فيها الشروط العلمية والأكاديمية.

أما إذا كان المعيار الأساس -غير المصرح به- هو الانتماء الحزبي أو القرابة العائلية أو ما شابه ذلك، فأقر بأن جل الباحثين الذين أعرفهم لا ينتمون إلى أي حزب، وإنما انتماؤهم إلى هذا الوطن الذي يلازمهم ويلازمونه، ويشعرون فيه بنوع من السكينة والطمأنينة، وفيه يتحقق لهم شيء من الاكتفاء وشروط البقاء. وعن الوطن بهذا المعنى أجدني أردد مع الشاعر اللبناني بطرس البستاني (توفي 1883م):

سوادُ العينِ يا وطني فداكا *** وقلبي لا يوَدُّ سوى عُلاكا

نشأتُ على هواكَ فتى وفياًّ *** وما عوّدتني إِلا وفاك

وأما إذا كان المعيار هو التملق والخضوع للذين يعتقدون أنهم يمسكون بأيديهم مفاتيح الكليات والمعاهد والمدارس العليا، يفتحونها لِمَنْ هم راضون عنهم، ويغلقونها في وجوه المغضوب عليهم، فلسنا من المتملقين ولا من الخاضعين لأي كان، وما ينبغي لنا، ذلك بأننا رضعنا عزة النفس والكبرياء من أثداء أمهاتنا، ولسنا من الذين يبدلون جلودهم وفق تبدل الظروف والأحوال والأجواء، أو يبدلون ألوان جلودهم مثل الحرباء. إننا مثل القوم الذين قال عنهم أبو الطيب المتنبي:

وإنّي لَمِنْ قَوْمٍ كأنّ نُفُوسَهُمْ *** بها أنَفٌ أن تسكنَ اللّحمَ والعَظمَا

كذا أنَا يا دُنْيا إذا شِئْتِ فاذْهَبي *** ويا نَفس زيدي في كرائهِها قُدْمَا

فلا عَبَرَتْ بي ساعَة لا تُعِزّني *** ولا صَحِبَتْني مُهجَة تقبلُ الظّلمَا

السيد الوزير: لا أبالغ إذا قلت لكم إن ولوج مدرجات الكليات لم يعد يستهويني ولا يغريني، أنا شخصيا، في ظل هذا الواقع المرير لسببين اثنين: أولهما راجع إلى أن الوضع الذي أنا فيه الآن بصفتي إطارا من أطر التأطير والمراقبة المنتمين إلى وزارة التربية الوطنية، يجعلني أشتغل في ظروف أشعر فيها بهامش من الاستقلالية الوظيفية والمبادرة الفردية، اللتين قد أفقدهما إن أنا ولجت أسوار الجامعة خلال مسار الترقي بعد إعادة الترتيب من جديد. ثانيهما، لم تعد الجامعة فضاء للبحث العلمي كما ينبغي لها، ولا منارة للرقي الخلقي والسمو الفكري بعدما غزت بعضا منها سلوكات وممارسات لا تسر أي مهتم غيور.

السيد الوزير: لا شك في أنكم جادون في إصلاح التعليم الجامعي بعدما اتضح للمهتمين والمتتبعين جميعهم أن الجامعات المغربية ترزح تحت وطأة التدني والتردي على المستويات جميعها، وما تذيل جامعاتنا أسفل الترتيب في التصنيفات العالمية سوى القشة التي قصمت ظهر البعير. أي نعم، إنكم عازمون، بمعية غيركم، على إنقاذ سفينة التعليم الجامعي من الغرق، حيث إنه من المقرر ابتداء من الموسم الجامعي الحالي -حسب تصريحاتكم- أن تشرع الجامعات المغربية في تطبيق إصلاح بيداغوجي جديد، يقوم على أربعة أركان أساسية تهدف إلى تحقيق التميز الأكاديمي والعلمي، والإدماج الترابي والتنمية الشاملة، والإدماج الاقتصادي والتنافسية، والإدماج الاجتماعي والاستدامة، وذلك بهدف تلبية متطلبات سوق العمل الحديثة، لكن ما لا ينبغي نسيانه أو التغاضي عنه، السيد الوزير، هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب “The right man in the right place”، وذلك بحمل جل لجن الانتقاء المشار إليها أعلاه على القيام بعملها بشفافية ومصداقية، وبشكل علمي وموضوعي، بعيدا عن الذاتية الضيقة ومعايير القبلية الحزبية والقرابة العائلية وهلم جرا.

والله ولي التوفيق

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • دكتور في وزارة التربية الوطنية
    السبت 30 شتنبر 2023 - 22:00

    فعلا هناك الشيء الكثير ما يقال عن مباريات التعليم العالي، لذلك ينبغي رد المصداقية لها من باب تكافؤ الفرص. قد قرانا كثيرا عن هذه المباريا، وهناك أشياء يصعب ذكرها هنا.

  • متتبع للشأن التعليمي
    الأحد 1 أكتوبر 2023 - 01:32

    لا حول ولاقوة إلا بالله. أين الموضوعية؟ أين تكافؤ الفرص؟ لا يقتصر الاقصاء على مباريات الجامعة، هناك مباريات في قطاعات أخرى حتى هي تعرف الإقصاء.

  • إطار في وزارة التربية
    الأحد 1 أكتوبر 2023 - 13:03

    نحن في أمس الحاجة لرد الاعتبار للمباريات في جميع القطاعات، لا التعليم العالي فقط.. ما يحكى عن بعض المباريات ينظر له الجبين.

  • متطفل على التعليم
    الأحد 1 أكتوبر 2023 - 17:48

    لا بد من الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه حرمان أصحاب الحق من حقوقهم. الظلم ظلمات يوم القيامة.

  • متابع لشؤون التعليم
    الإثنين 2 أكتوبر 2023 - 00:34

    ينبغي أن ترسل رسائل كثيرة من هذا النوع للوزير المعني، فربما يحدث تغيير في هذا الموضوع. ما احوجنا لمثل هذه الرسائل الصريحة.

  • احمد
    الإثنين 2 أكتوبر 2023 - 14:12

    بصفتي استاذ جامعي شاركت مرات عديدة في لجان التوظيف اقول جازما أن في هذا المقال كثير من التجني والتعميم الذي أصبح موضة لدى الكثيرين ممن لم يوفقو في الانتقاء. فشيء من الموضوعية في الأحكام

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر
الخميس 17 شتنبر 2026 - 18:15 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | إدريس لشكر

صوت وصورة
الفصل 34 وحقوق الإعاقة
الخميس 17 شتنبر 2026 - 17:30 1

الفصل 34 وحقوق الإعاقة

صوت وصورة
وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 14:29 7

وهبي وكواليس مواجهة الأرجنتين

صوت وصورة
وهبي: ماضي أمرابط محترم
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:45 1

وهبي: ماضي أمرابط محترم

صوت وصورة
"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين
الخميس 17 شتنبر 2026 - 13:14 5

"خطأ الزلزولي" وتوعية اللاعبين

صوت وصورة
أخنوش والتنمية في تافراوت
الخميس 17 شتنبر 2026 - 12:13 4

أخنوش والتنمية في تافراوت