أصبحت التكنولوجيا الرقمية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية بحيث تغلغلت في جميع جوانبها، من الاقتصاد إلى السياسة إلى المجتمع. وبالتالي، برز مفهوم “السيادة الرقمية” كمفهوم هام للدول في التحكم بشكل مستقل في بنيتها التحتية الرقمية، وبياناتها الضخمة، وأمنها الإلكتروني. تشمل هذه الاستقلالية اتخاذ القرارات بشأن استخدام التكنولوجيا الرقمية في جميع المجالات مع حماية البيانات الشخصية لكل مواطنيها وكذلك الدفاع عن أمنها الإلكتروني من التهديدات الخارجية مع الحفاظ على الهوية الثقافية بحيث الآن وأكثر من أي وقت مضى أصبحت بعض الدول تستخدم التكنولوجيا الرقمية وسيلة للاستيلاء على كل ما هو ثقافي لبلدان أخرى، لذلك فتعزيز الهوية الثقافية الوطنية أمر ضروري.
فحسب آخر تقرير للمعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي، لا توجد حاليًا دولة ذات سيادة رقمية خالصة وكاملة، بما في ذلك القوى التكنولوجية العظمى مثل الولايات المتحدة أو الصين وذلك راجع لاختراق الاقتصادات والسلاسل الصناعية ولو بصفة نسبية. بالنسبة للدول السائرة في طريق النمو فبلا شك تتخلف دائما عن الركب وتكون غير قادرة على الاستفادة من أصولها الرقمية بدون تبعية وخير دليل على ذلك، حادث عزل دول غرب إفريقيا عن العالم أخيرا لعدة أيام بسبب انقطاع الإنترنت جراء عطب عرفته الكابلات البحرية الدولية. هذه التبعية الرقمية الكاملة في جميع الأصول الرقمية الأساسية أمر مقلق لسيادة الدول الإفريقية بشكل عام.
بالنسبة للمغرب، باعتباره قوة اقتصادية إفريقية يهدف إلى أن يصبح كذلك رائدا إفريقيا في المجال الرقمي لضمان التنمية الاقتصادية المستدامة والشاملة على المدى الطويل ومنذ إدخال الإنترنت في عام 1995، وكذلك اعتماد شبكة “GSM” بالموازاة مع اجتماع “GATT” في مراكش والذي أعطى بشكل رسمي تأسيس منظمة التجارة الدولية OMC””، سعت المملكة المغربية في وقت مبكر للاستفادة من فرص التطوير التي توفرها التكنولوجيا الرقمية وكذلك الاعتماد على اقتصاد منفتح نحو الأسواق الدولية كاختيار استراتيجي.
يعد المغرب من بين دول القارة السمراء وعبر شركته اتصالات المغرب التي تُعد شركة اتصالات الإماراتية المساهم الرئيسي فيها رائدا ومزودا أساسيا في خدمات الشبكة والإنترنت بحيث أنشأت كابلًا بحريًا خاصًا بها بطول 8600 كم يسمى “Maroc Telecom West Africa” يربط المملكة بشبكة الإنترنت العالمية، وكذلك محليًا عبر الكوت ديفوار وتوغو وبنين والغابون، ويمثل حسب المعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي طفرة تكنولوجية وأصلا رقميا تبلغ قيمته أكثر من 150 مليون يورو، من خلال كل هذا، نلاحظ أن هناك حاجة ملحة للعمل على تعزيز السيادة الرقمية للمملكة، لأن موضوع السيادة يبقى أمر استراتيجيا وأفقيا يهم جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب خصوصا مع ارتفاع التهديدات والمخاوف بشأن متانة النظام الرقمي العالمي. في هذا السياق، هناك مجموعة من المبادرات تخص السيادة الرقمية بالمغرب من قبيل افتتاح أكبر كمبيوتر إفريقي عملاق في جامعة محمد السادس ببنجرير “UM6P”، حظر استضافة البيانات في الخارج للبيانات الأساسية، افتتاح مصنع تجميع أشباه الموصلات وكذلك قدرة المملكة على الشراكة مع الشركات العالمية الرائدة في القطاع، مثل “Oracle” أو “Huawei”، والتي يمكن أن تمنح شركاء استراتيجيين للمغرب وكذلك تعزيز القدرات الرقمية السيادية.
من بين الأصول الرقمية التي يوصي بها المعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي والتي تكون نموذجا قادرا على إنجاح التحول الرقمي المنشود وكذلك السيادة الرقمية، نجد ثمانية أصول ضرورية منها البنية التحتية الخاصة بالاتصالات السلكية واللاسلكية والربط الشبكي، مراكز البيانات وتدفقات السحب والبيانات، الموصلات والمعالجات الدقيقة والمحطات الطرفية، نظم التشغيل والبرمجيات، الحوسبة والذكاء الاصطناعي، نماذج الأعمال التجارية الرقمية والنظم الإيكولوجية، الدفاع عن الأصول الرقمية والأمن السيبراني، وكذلك العمل على محو الأمية الرقمية ونشر الثقافة الرقمية بشكل موسع.
لكن، أمام كل هذا، هناك العديد من التحديات التي تواجه الدول في تحقيق السيادة الرقمية، منها بالخصوص الاعتماد على شركات أجنبية بحيث تعتمد العديد من الدول على شركات التكنولوجيا الأجنبية لتوفير بنيتها التحتية الرقمية وخدماتها، وهذا يجعلها عرضة للتدخل الخارجي. كذلك نجد مشكل النقص في المهارات اللازمة لتطوير وتشغيل البنية التحتية الرقمية الخاصة بها، ناهيك عن التهديدات الإلكترونية التي تُواجه الدول من جهات فاعلة حكومية وغير حكومية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.