"قصر الحمراء في ملتقى الثقافات" .. كتاب يجدد قراءة الأسطورة الأندلسية

"قصر الحمراء في ملتقى الثقافات" .. كتاب يجدد قراءة الأسطورة الأندلسية
صورة: و.م.ع
الخميس 6 غشت 2026 - 02:00

رؤية جديدة لـ”قصر الحمراء” بغرناطة، أندلسيّ المنشأ إسباني الحياة اليوم، يقدمها المؤرخ التركي أدهم إيلدم، عضو أكاديمية المملكة المغربية، في كتاب أصدرته الأكاديمية بعنوان “قصر الحمراء في ملتقى الثقافات”، بعدما ترجمه إلى اللغة العربية المؤرخ محمد حبيدة.

ولا يقترح الكتاب “تاريخا شاملا” لقصر الحمراء، الذي صار أحد أبرز القبلات السياحية في إسبانيا؛ بل جولة في “النظرات” لهذا القصر الأندلسي، من لدن المغاربة والمغاربيين والعثمانيين والمشارقة خاصة، منبها إلى “تقاطع وتشابك الصور والأفكار والمرجعيات والكليشيهات والخيالات التي ميزت التاريخ الثقافي للعلاقات بين المركز والمحيط، بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، طيلة قرن الحداثة الطويل هذا”.

مؤلف العضو المشارك بأكاديمية المملكة المغربية والأستاذ بجامعة بوغازيتشي في تركيا والمشرف على الكرسي الدولي للتاريخ التركي والعثماني بـ”كوليج دو فرونس” ليس فقط دراسة للوثائق والتدوينات حول قصر الحمراء في القرن التاسع عشر خاصة، بلغات متعددة منها العربية والفارسية والتركية واللغات المدونة بالحرف اللاتيني؛ بل هو تفكير في “نشأة الأسطورة الأندلسية وطبيعتها ودلالتها، في تصورها” عبر المغارب، والعالم العربي والإسلامي، والعالم الغربي بدءا بإسبانيا.

وينتصر الكتاب، الصادر في أزيد من 500 صفحة، لـ”التاريخ المجهري”؛ “بتركيز مزدوج على صرح ‘قصر الحمراء’، وعلى جماعة من الأفراد المعروفين الموقعين بدفتر الزوار لهذا القصر”، وهو سجلّ للزوار يعود تاريخه إلى سنة 1829؛ ما “يطوق، من جهة، ميدان الدراسة بتفضيل موقع مخصوص عوض مجال شاسع كمجال الأندلس برمته، بينما يوسعه، من جهة أخرى، بإدراج عدد كثير من الأفراد الذين لم يكن بإمكانهم الإدلاء برأيهم في ظروف أخرى”.

ويجمع الكتاب بين “قصر الحمراء” وزواره، دارسا خمسة “أصناف”: بلاد المغرب الكبير، والمشرق، وتركيا، وإسبانيا، والغرب.

ويبدأ المؤلف من “الغرب”؛ لأن منه “نبعت صيغة قصر الحمراء الحديثة، والسردية في النصف الأول من القرن التاسع عشر”، فضلا عن أن “هذا المجمع البلاطي الشهير لسلالة بني نصر بغرناطة، آخر عاصمة عربية بشبه الجزيرة الإيبرية (…) أعيد اكتشافه (…) خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. (…) غربيا بدرجة أساسية”.

وفضلا عن جانب المراجع الأكاديمية، يقدم الكتاب في شقه “الغربي” انطلاقا من “التدوينات المحفوظة بدفاتر الزوار أمثلة ملموسة عن السٍّجالات بين الإسبان والفرمسيين أو بين المحافظين والليبراليين، أو أيضا عن المشاعر الموروفيلية أو الموروفوبية التي عبر عنها الزوار الأجانب وخاصة المحليين”.

وبهذا يعالج الكتاب أيضا “البعد الإسباني للمسألة، فيما يتصل بتصور إسبانيا والأندلس من طرف الملاحظين الغربيين، وأيضا بنشأة شكل محلي من أشكال الاستشراق الذي استهدف الماضي الإسلامي للبلاد، واستهدف بالمناسبة نفسها المغرب باعتباره هدفا جديدا لأطماع إسبانيا الاستعمارية”.

أما البعد المغاربي لزيارات أبرز مواقع غرناطة الأثرية، فقد كشفت دراسة دفاتر “قصر الحمراء” أن “المغاربيين، ومعظمهم من المغرب، شكلوا بحق أكبر جالية مسلمة زارته”، خلال القرن التاسع عشر. ثم يردف الكتاب: “لكن، إذا كانوا قد شكلوا الأغلبية، فإنهم تميزوا بالتحفظ والصمت، إذ اكتفوا في غالب الأحيان بتسجيل اسمهم من دون إضافة أدنى تعليق”.

ولأن “الزيارات المتكررة تشهد بالضرورة على اهتمام حقيقي”، فإن الكاتب استعان في ظل صمت عديد من الزوار عن كتابة دواعي زيارتهم وما حركته فيهم من مشاعر، بـ”غنى مصدر آخر من المعطيات لم يسبق له أن كان محط دراسة منسقة إلى حد الآن. يتعلق الأمر بالصحافة الإسبانية، الوطنية طبعا، ولكن المحلية بالخصوص، أي الغرناطية”، وما كانت تنقله من “توصيفات مفصلة” وتستقيه حول “مشاعر الموقعين”.

وعبر “قصر الحمراء”، يستكشف الباحث رؤى الذات وتأطيرات متنوعة ومتضاربة للماضي والمستقبل، الذي صار بدوره اليوم ماضيا، ويقدم أيضا تقاطعات مثيرة للانتباه حول “التراتبية” التي تستبطنها رؤى استشراقية وما تغذيه من صور نمطية، وتقوية تيارات معادية للإسلام تضفي راهنية عليها، واعتناق نخب من الدول ذات الغالبية المسلمة أو مجال الأندلس السالفة، لهذه التراتبيات حول بعضهم البعض: “الإسباني الذي يستشرق الموريين، والشاعر التركي الذي يحكم على قرطبة كونها ‘شرقية’ جدا، والمثقف العربي الذي يتهم ‘الجحافل التركية’ بإفقار الثقافة المصرية، والدبلوماسي العثماني الذي يستعمل اللفظ نفسه تماما، المطبَّق على الأفارقة، للحديث عن نهب أحد الأديرة بإسبانيا، وهذا المنظِّر الإيديولوجي المرتبط بـ’تركيا الفتاة’ الذي يحلو له أن يشدد على التعارض بين جمال الحضارة الأندلسية والحالة الراهنة لـ’عربي الصحراء الكسلان”.

ومن بين ما ينبه عليه كتاب الأكاديمي أدهم إيلدم عضو أكاديمية المملكة المغربية والمشرف على الكرسي الدولي للتاريخ التركي والعثماني بـ”كولويج دو فرونس” أن “الأندلس، رغم ثراء إرثها التاريخي، على النحو الذي ظهرت به خلال القرن التاسع عشر، تبقى أولا وقبل كل شيء صنعا، وابتكارا، وقضية غربية أعاد اكتشافها الشرقيون بواسطة الغرب، قبل أن يتمكنوا من أن يستخرجوا منها الأداة الضرورية لتشييد رؤيتهم الخاصة لهذا الإرث وتأويله”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • مهتم
    الخميس 6 غشت 2026 - 02:18

    الملاحظ ان حضارة الغرب ارادت القفز التاريخي مباشرة من حقبة الفراعنة بعد السطو على مآثر مصر القديمة، و الانبعاث في قلب باريس ساحة الكونكورد و متحف اللوفر.
    تاريخ الأندلس ابتلعه ثقب اسود تاريخي أو بالأحرى محرقة تاريخية شملت جل المخطوطات الأندلسية.
    الى متى ستستمر الأجيال الإسبانية تتفادى المصالحة مع ذاكرتها التاريخية و الاعتراف بالمكون العربي الإسلامي جزءا مهما و محوريا من تاريخها ؟
    البارحة شهدنا افتتاح جناح متحف امازيغي بقصر الحمراء و نتمنى ان لا يكون الغرض منه احداث تفرقة بين ما هو عربي و امازيغي. بل الاصل المغربي هو المبتغى

  • عبدالكريم بوشيخي
    الخميس 6 غشت 2026 - 03:20

    ما دخل الأتراك في حضارة الأندلس لأن الحقيقة يرويها المغاربة مسلمين و يهود لأنهم هم من صنعوا حضارة الأندلس و ظلوا على ارتباط بها حتى انهارت بعد أن تشتت الى ممالك من الطوائف، الكتاب يزور التاريخ عمدا و يحاول اخفاء الحضور المغربي و ارتباط الأندلس بالمغرب بمصطلح المغاربيين لأن العثمانيين لم يطأوا أرض الأندلس بسبب التواجد المغربي، قصر الحمراء و الماثر الأخرى شيدت على نمط المعمار المغربي العريق و الأصيل بعد جامع القرويين و الكتبية بمراكش و غيرها من الماثر العمرانية التي شيدها المرابطون و الموحدون، الحرفيون و المهندسون المغاربة نقلوا مهاراتهم و خبرتهم الى اقليم الأندلس الذي كان تحت سيطرتهم على بعد كيلومترات من بحر و أرض الأمبراطورية المغربية حتى انهارت غرناطة و لجوء ملكها الى فاس في عهد الدولة الوطاسية التي كانت تعيش مرحلة انتقالية بعد المرينيين و صراعها للحد من أطماع البرتغاليين لاحتلال الشواطئ المغربية.

  • رأي مغربي
    الخميس 6 غشت 2026 - 11:45

    يتحدث وكأن المغرب هو من تعلم ونسخ حضارته عن الاندلس… أظنه مخطئ، لأن المعمار الأندلسي نسخة من المغربي، كما أن المغاربة حرفيين كانوا أو جنودا أو كثير من الفقهاء والعلماء هم مغاربة.
    صمت المغاربة وابتعادهم عن التباهي بإنجازاتهم استغله الآخرون، مشارقة كانوا أو غربيين، والآن انضاف إليهم الأتراك للسطو على ذلك الثراث ونسبه لأنفسهم.
    لقد كان المغرب عبر المرابطين و الموحدين بمثابة الحاضن والضامن لإرث الاندلس، لكن صمت نخبنا أسهم في ظهور سرديات أجنبية حاولت السطو على الثراث والاثر المغربي في الأندلس على مر الزمن.
    لكن الحقائق التاريخية لا تزول بمحاولات السطو، فهي ظاهرة للعيون في العمران والوثائق النفيسة حبيسة الرفوف والتي لا تنتظر سوى من يميط عنها الغبار

  • nour
    الخميس 6 غشت 2026 - 14:44

    الى راي مغربي المرابطون و الموحدون اتوا بعد.قرون بعظ الفتح العربي و بفضل العىطرب و عزة دين العرب. الاندلس حضارة عربية اموية و فاس اصلا عربية و نسخة من الشام كيف للمفتوح ان يعطي للفاتح ؟؟؟!!!! المعتمد كان بتمتع بالقصور حين كان من ذكرتهم في علم الغيب و المثمن في قبة الصخرة قبل ان يعرف من ذكرتهم ما هو دين محمد حتى و ما هو المسجد و الفاتحة و الزخرفة اسمها الارابيسك و من بينها طواف الكعبة هل الكعبة وججدها المرابطون او الموحدون في جبال الاطلس ؟؟؟؟ لن اطيل لان تعاليقي اعرف انهاةلن تعجب المحسوبين عل. التيار اياه و لن ينشر ها اما كن قريتك
    ت فنون العمارة العربية الاسلامية

صوت وصورة
خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 14:23

خصم ضريبي لأسر الطبقة المتوسطة

صوت وصورة
جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:25 5

جميلة تتحدى الإعاقة نحو البرلمان

صوت وصورة
عكاشة وحماية القدرة الشرائية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 10:22 1

عكاشة وحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 01:09 3

الشنكيطي يحشد للتصويت بكثافة

صوت وصورة
أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم
الأحد 20 شتنبر 2026 - 00:19 4

أوزين: صوتكم وسلطتكم بين أيديكم

صوت وصورة
بنعبد الله يدعو إلى التصويت
السبت 19 شتنبر 2026 - 23:54 1

بنعبد الله يدعو إلى التصويت