قصور تافيلالت المخزنية .. نوادر عمرانية أنيقة تتحدى "غضب الطبيعة"

قصور تافيلالت المخزنية .. نوادر عمرانية أنيقة تتحدى "غضب الطبيعة"
صور: يوسف صدور
الثلاثاء 24 ماي 2022 - 07:30

قصور شاخت ما زالت محتفظة بأناقتها الهندسية رغم عوادي الدهر التي دمرت أغلب أجزائها، بعدما لم تجد من ينجدها من المحنة البيئية التي طالتها خلال عقود. هنا بمنطقة تافيلالت، تكافح مجموعة من “القصور المخزنية” تداعيات الجفاف الطبيعي الذي امتزج بالإهمال الإنساني، فكانت النتيجة دخولها في طور الاحتضار!

ماض تراثي مشع وحاضر ثقافي باهت تعيشه هذه القصور السلطانية، التي كانت شاهدة على أحداث مصيرية عرفتها منطقة سجلماسة، لكن توالي فيضانات وادي زيز في ستينات القرن الماضي أدى إلى انهيار كثير منها، لتصبح بعدها شبه فارغة من السكان بسبب جفاف أنهار المنطقة طيلة السنوات الفائتة.

بين الماضي المتشابك والمستقبل المتنوع لهذه القصور العمرانية، تقبع قصص إنسانية فريدة خلف أسوارها الفخمة وأبراجها الفريدة. هسبريس حلت بمنطقة تافيلالت في رحلة طويلة، حاولت من خلالها نفض غبار النسيان عن ذاكرة هذه الأطلال التي كانت ضحية صامتة لتغير المناخ.

“آبار المْخزن” يكافح الزوال

عبد الرزاق الراضي، سبعيني، تشده ذكريات الطفولة إلى هذا القصر العلوي المسمى “آبارْ المخزن”، الذي ينسب إلى السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام الذي امتدت فترة حكمه من 1822 إلى 1859. بلكنته الصحراوية المحلية وجلبابه التقليدي ذي اللون الأخضر، يتشبث ابن المنطقة بالبقاء داخل هذا القصر حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

دخلنا إلى هذا “القصر المخزني”، بمعية مرافقنا عبد الرزاق، حيث اكتشفنا مآثر عمرانية متفردة تتجه إلى الزوال، لكنها حتما ستظل في قلوب السكان إلى أبد الآبدين. وبخصوص ذلك، قال لنا عبد الرزاق إن “القصر هو الذي يسكنه، وليس هو من يسكن القصر، الذي يبقى نعيمه الخالد”.

وأضاف، بعدما غاص في مستودع ذكرياته لحظات قليلة، أن القصر “كان حيا” إبان طفولته، لكن الفيضانات التي شهدتها المنطقة أفضت إلى انهيار أغلب المنازل، قبل أن يتابع بلغة ملؤها الاستياء بأن “عائلات كثيرة فضلت الانتقال إلى الريصاني والرشيدية لممارسة التجارة بعد تراجع الأمطار”.

“فيضان زيزْ” يغرق القصر

يقع قصر “آبار المخزن” خلف ضريح مولاي علي الشريف بالنسبة للقادم من وسط الريصاني؛ وهو من القصور السلطانية المعروفة بالهندسة الفخمة رغم ما لحق به من أضرار عمرانية، بفعل عدم استفادته من عمليات الترميم التي شملت بقية القصور السلطانية الأخرى.

عبد الرحمان احميداني، موظف بـ”وزارة الثقافة” مكلف بإدارة مركز الدراسات والبحوث العلوية بالريصاني، أشار إلى “تضرر العديد من مرافق القصر بسبب تقادم معالمه الداخلية وغياب الصيانة الدورية”، ليلفت إلى أن “فيضان 1965 هو الذي دمر أجزاء كبيرة من قصور تافيلالت، ضمنها قصر آبار المخزن الذي ما زال يحتفظ بالسور الخارجي والمدخل”.

واستطرد الباحث التاريخي بأن “الأجزاء العمرانية المتبقية ينبغي ترميمها حتى يكون القصر المخزني مزارا سياحيا للوافدين على المنطقة، بالنظر إلى قربه من ضريح مولاي علي الشريف (أقل من كيلومتر) الذي لا تخفى أهميته السياحية بالريصاني”.

تحفة عمرانية من “النوادر السلطانية”

عند ولوجنا إلى قصر “آبار المخزن”، لاحظنا أن هندسته المعمارية رغم قدمها تشبه كثيرا الفخامة العمرانية للقصور الملكية الحالية بالرباط والدار البيضاء وفاس، حيث يتشكل من أسوار عالية وباحة (مشور) تتقدم المدخل الكائن بفناء فسيح، وتتدرج فيه الفضاءات من الأصغر إلى الأكبر.

وبهذا الشأن، قال الباحث احميداني، في حديث مع هسبريس من داخل القصر، إن “هذا الأخير محاط بسور بعلو مرتفع، الدخول إليه يكون من مدخل معقوف بإحدى الزوايا الموجودة بهذا المشور الخارجي، ويصل الداخل بعد عبور المشور إلى المدخل الفخم الذي يقع بين برجين عظيمين، وتعلوه زخارف من الجبس والقرميد والخشب المنقوش المزخرف”.

وسرد لنا المسؤول ذاته الحيثيات الهندسية للقصر بينما كنا نتجول في أرجائه، قائلا: “يتكون كذلك من أفْنية، حيث توجد ما يسمى بالمْسْرية؛ وهي مدخل مسقف يقع مباشرة بعد المدخل، ثم يصل بعد ذلك إلى الأفنية الداخلية، إلى أن يصل إلى الدار الكْبيرة، التي يتقدمها كذلك مشور بأبعاد أقل من المشور الأول، ويوجد مدخلها بالوسط”.

معلمة تنْشد المجد المفقود

بعدها، وجدنا أنفسنا داخل مجموعة من الدور الطينية مختلفة الحجم والوظيفة، حيث تكون الدار الكبرى مخصصة لإقامة السلطان. مرافقنا عبد الرزاق يقطن منذ سنوات بهذه الدار الملكية التي أخضعها لترميم جزئي. وحكى السبعيني عن ذلك بقوله: “أتشرف بالسكن داخل هذا المنزل الذي كان يقطن فيه السلطان العلوي مولاي عبد الرحمان بن هشام”.

وقاطعه الباحث عبد الرحمان احميداني ليفسر لنا الخصوصية الهندسية لتلك الدار بتأكيده أن “الفضاء الداخلي، الذي هو قلب الدار الكْبيرة، يتميز بفناء مربع الشكل، تحيط به أربع قباب، ويقع إلى جانبها مباشرة رواق مغطى يطل على الساحة المتوسطة بمجموعة من الأقواس المتباينة التي توحدها الفخامة في البناء والدقة في الهندسة”.

لذلك، دعا الباحث في تراث المنطقة إلى “ترميم هذا القصر المخزني الذي يوجد في وضعية متقدمة من التدهور بسبب التغير المناخي والإهمال الإنساني، لأنه ما زال يحتفظ بالأسوار والدار الكْبيرة”، مبرزا أن “نجاح الترميم يتوقف على العناية بالسكان، اعتبارا لكونهم العامل الذي يقف وراء استدامة القصور المرممة”.

“أولاد عبد الحْليم” يصارع “الطبيعة الغاضبة”

صباح اليوم الموالي، انتقلنا إلى “قصر مخزني” آخر يبعد عن مدينة الريصاني بأربعة كيلومترات. من النظرة الأولى، يتبين أن هذا القصر السلطاني القديم قد استفاد من عمليات ترميم عدة، بخلاف قصر “آبار المخزن”، وهو ما جعله صامدا في وجه “الطبيعة الغاضبة” بالجنوب الشرقي.

ومع ذلك، تعرضت أجزاء كثيرة من قصر “أولاد عبد الحْليم” للتلف بفعل التساقطات المطرية، في ظل هجرة أغلب الأسر القاطنة به. صادفنا أحد المارة وسألناه عن دواعي استقراره بالقصر رغم صعوبة الوضع الاجتماعي، فأجابنا بأنه يعتني بحقول أشجار النخيل الخاصة بأبناء المنطقة المهاجرين، وهو ما يدر عليه بعض الأرباح في السنة.

وقال “الفيلالي” وهو يركب دراجته الهوائية بنية اللون، إن “فيضان وادي زيز الشهير دمر أجزاء كبيرة من قصر أولاد عبد الحليم، لكن عمليات الترميم التي حظي بهذا القصر بالمقارنة مع القصور السلطانية الأخرى ساهمت في استمراره”، مبرزا أن “القصر يحتاج إلى السكان للحفاظ عليه رغم غياب الظروف المشجعة على الاستقرار، بفعل توالي حرائق الواحات وضعف الأمطار وأزمة المياه الصالحة للشرب”.

قصر سلطاني يحكم البلاد

يرجع قصر “أولاد عبد الحليم” إلى الفترة المرينية، بحسب عبد الرحمان احميداني، المكلف بإدارة مركز الدراسات والبحوث العلوية بالريصاني، الذي اعتبر أن القصر “يعد من أجمل القصور العلوية بتافيلالت، لأنه ما زال يحتفظ بمعظم معالمه العمرانية بالمنطقة”.

وأشار إلى أن “القصر السلطاني يرتبط بالأمير المريني عبد الحليم، لكنه تحول إلى مقر للحكم في عهد الدولة العلوية، حيث اتخذه السلطان مولاي رشيد مكانا للسكن والإدارة وممارسة السلطة في أوائل القرن العشرين”.

وأوضح المتحدث أن “القصور السلطانية تتشابه من حيث الهندسة المعمارية والمكونات الداخلية والخارجية، لكنها تختلف من حيث الحجم والأبعاد”، خاتما بأن “قوة حضور القصر السلطاني في ممارسة السلطة تجسد الاختلاف الجوهري بين القصور المخزنية”.

تراث عمراني يتحدى الزمن

على غرار قصر “آبار المخزن”، يتكون قصر “أولاد عبد الحليم” بدوره من المشور، وهو عبارة عن ساحة شاسعة مخصصة للاستقبالات والاستعراضات، يتم الولوج إليها عبر المدخل الأولي الذي ينفتح على رواق منعرج، ويحيط بها سور كبير تتخلله أبراج الحراسة.

السور الخارجي سالف الذكر شاسع المساحة ومرتفع العلو، كما أنه مزين بأشكال زخرفية من الطين. وتقع الساحة الداخلية بجوار المسجد، وتتفرع عنها معظم الأزقة المؤدية إلى مرافق القصر، خاصة الزقاق الذي يوصل إلى “الدار الكْبيرة” التي تحتل مساحة كبيرة من القصر.

عدنا إلى قصر “آبار المخزن”، في عشية اليوم ذاته، حيث وجدنا عبد الرزاق الراضي منهمكا في غرس بعض الأشجار. يحاول، بكل ما يملك من جهد، زرع بذرة الحياة بهذه المنطقة شبه الميتة رغم تحديات المناخ.. إحياء تلك البذرة بالنسبة إليه هو تحد شخصي سيواصل خوضه حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • على مدى قرون
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 07:40

    تقريبا المقاربة حول الاسوار بكائية مستظرفة على الاطلال اما الولوج الى التراث العالمي و تسجيل الاسوار و القصور بصراحة تراثا عالميا و اما البكائية و على من على المخزن الذي لا بواكي له في كل موطن لا تعقلون لا تعقلون

  • Sais
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 07:53

    أين من بنوها وأين من سكنوها……. مثل ذلك ستصبح قصور الآن مهجورة متشققة الجدران تسكنها الأفاعي والثعابين ويصورها صحافي عاشق للآثار ويكتب فوقها قصور تتحدى الطبيعة وهي ترتعد خوفا من الطبيعة .

  • خالد
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 07:55

    تتحدى الاهمال تتحدى التهميش .. .

  • عبد ااخالق
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 07:59

    باردة طيبة والتفافة حسنة رغم كل الصعوبات والعراقل… شكرا لكل الطاقم والمسؤولين وبالاخص سي عبد الرزاق الراضي الرجل المكافح والساهر على ايصال وتمثبل الساكنة… الله يرحم الحاج

  • الأصالة و التقدم
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 08:44

    السكن في القصور كانت له إيجابيات و سلبيات. و معظم السكان فضلو بناء منازلهم خارج القصور في المناطق نفسها أو في المدن المجاورة خاصة من كانت لهم القدرة على ذلك. نحن في زمن آخر تطورت فيه كل الوسائل و لم نستطع مع الأسف الحفاظ على مجموعة من الخصوصيات. ليست فقط مباني القصور و لكن أخلاق سكان القصور.

  • أبوياسر
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 09:34

    الطبيعة لاتغضب وإنما هي مسيرة بأمر اللّه.

  • YAN
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 10:46

    في الوقة الي كان الناس كيسكنو جماعات في القصور كانت المحبة والاخاء وحسن الجوار يسود بينهم ، اما في الوقت الحالي حيت العمارات والاقامات تجمع السكان و يسود الكره والحسد وعدم الاحترام بينهم والعيدو بالله

  • غير كاري!
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 10:48

    ماقدوش فيل زيدوه فيلة!
    باركا غا القصور للي كاينة دبا. كلها مرممة كلها محروسة ؤ واجدة تستقبلك في أي وقت جيتي لها، رغم أن معضمها المتواجد داخل الجبال و الغابات لا تتم زيارتها إطلاقا ولو مرة في العمر.
    عاد نزيدو نرممو ديال الريصاني حتى هو.

  • الزهراوي
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 13:13

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته هل الطبيعة هي من تغضب حداري من غضب الله عزّ وجل الله هو من خلق الطبيعة والبشر وكل شيء سبحانه وتعالى وكيف للطبيعة أن تغضب

  • يونس
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 13:55

    شكرا لكل من ساهم في هذا العمل.
    والداي ولدا وتربيا سنواتهما الأولى في هذه القصور، كل منهم في قصر خاص قبل إنتقال جزء كبير من عائلاتهم إلى مدينة الرشيدية ومدن أخرى مجاورة والسبب الرئيسي أولا كان الخدمات حيث أني عندما كنت صغيرا وكنا نذهب لزيارة جدي الذي لازال يقيم هناك إلى اليوم، في ذلك الوقت لم يكن هناك بنية تحتية للماء والكهرباء والريزو ولم تكن هناك حتى الطريق والسلع قليلة…و….و….كان يعتمد في الكثير من الامور على الطرق التقليدية كمحركات لتوليد الكهرباء وأبار المياه كمثال.
    ثاني شيء والاهم كان فيضان سنة 1965 الذي يسمى عند سكان المنطقة “بعام الواد” وتوجد في مدينة الرشيدية قنطرة محطمة وسط المدينة بسبب ذلك الفيضاء، حيث يكفي النظر إليها لفهم قوة ذلك الفيضان ومستوى إرتفاع المياه، وهناك قصص حكاها لنا أباءنا ومن حضر ذلك اليوم كيف أن أصحاب الدراجات النارية كانوا يحاولون إيقاظ الناس ليلا ويسابقون موجة مياه الفياضانات القادمة، والله يرحم الجميع.

  • تمازغا
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 14:35

    التراث الأمازيغي العظيم، لان تلك القصور هي شكل هندسي يطابق شكل إغرمان وٱگودار.
    يجب الاهتمام بالمعمار المغربي الأمازيغي واسجيله والافتخار به.

  • ابن المنطقة
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 17:46

    كفى من البكاء على الأطلال آن الأوان لكي يتم إعادة تهيئة وبناء مساكن جديدة داخل الأسوار وفق طراز معماري حداثي يواكب العصر ويستجيب لحاجيات سكانها مما سيمنعهم من مغادرتها أو هجرانها. أما المساكن القديمة بداخلها فلم تعد صالحة حتى لسكن البهائم ما عدا بعض الاستثناءات، وما هجرة السكان منها إلا أكبر دليل على ما أقول

  • Hanine
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 17:53

    “…اتخذه السلطان مولاي رشيد مكانا للسكن والإدارة وممارسة السلطة في أوائل القرن العشرين”…
    السلطان مولاي رشيد عاش في القرن السابع عشر…

  • كمال
    الثلاثاء 24 ماي 2022 - 19:03

    الجفاف و قلت فرص العمل اب لم اقل انعدامها .وراء هجرة الشباب نحو المدن الكبرى للبحث عن العمل . بالتالي تبقى تلك القصور فارغة و بالتالي تهدمها بفعل عوامل الطبيعة و في نفس الوقت ليس هناك من يعيد ترميمها .

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية

صوت وصورة
مخطط إنهاء مهام المينورسو
الخميس 5 نونبر 2026 - 14:24 4

مخطط إنهاء مهام المينورسو

صوت وصورة
جدوى إحداث "شركات التوزيع"
الخميس 5 نونبر 2026 - 12:15 7

جدوى إحداث "شركات التوزيع"

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 9

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش