لماذا نقرأ الأدب؟

لماذا نقرأ الأدب؟
الأحد 19 يوليوز 2026 - 21:18

لطالما تردد منذ القدم سؤال يبدو، في ظاهره، منطقيا: ما الفائدة من قراءة الروايات والقصص، وهي لا تسهم في إضافة اكتشافات علمية إلى رصيد البشرية، ولا تكشف للإنسان أسرارا جديدة عن الكون؟

بيد أن هذا السؤال، على وجاهته الظاهرة، يقوم على تصور قاصر للمعرفة، إذ يحصرها فيما يخضع للقياس والبرهان، وكأن ما لا يدخل المختبر ليس حريا أن يسمى معرفة. والحقيقة أن أعظم ما يختبره الإنسان في حياته لا يمكن وزنه بميزان، ولا إخضاعه لمعادلة؛ فالحب، والخوف، والحنين، والفقد، والرجاء، كلها حقائق وجودية لا تقل يقينا عن الحقائق العلمية، وإن استعصت على أدوات العلم.

وقد تنبه الفيلسوف الألماني فيلهلم دلتاي، المولود سنة 1833، مبكرا إلى هذا الفرق، حين ميز بين علوم الطبيعة، التي تقوم على التفسير، وعلوم الإنسان، التي تقوم على الفهم؛ فالظواهر الإنسانية لا تُستوعب من الخارج فقط، بل تحتاج إلى النفاذ إلى معناها الداخلي، وهو ما يضطلع به الأدب بامتياز.

فإذا كان العلم يفسّر العالم الخارجي، فإن الأدب يميط اللثام عن العالم الباطن، ويكشف تضاريس النفس الإنسانية بما تنطوي عليه من تناقضات وأسرار. صحيح أن علم النفس يخبرنا مثلا أن الخوف استجابة فسيولوجية، لكن الرواية العظيمة تجعلنا نرتجف مع الخائف، ونعيش قلقه، ونرى العالم بعينيه، حتى يصبح الخوف تجربة معاشة لا تعريفا محفوظا. ومن ثمّ، فالأدب لا ينافس العلم، وإنما يكمّل رسالته؛ إذ يفسر العلم الظواهر، بينما يمنحها الأدب معناها الإنساني.

ولعل هذا ما أدركه الفيلسوف اليوناني، أرسطو، حين رأى في كتابه “فن الشعر” أن الشعر أكثر اتصالا بالحقيقة الفلسفية من التاريخ؛ فالتاريخ يخبرنا بما حدث، أما الأدب فيكشف ما يمكن أن يحدث وفق طبيعة الإنسان، ولذلك فإنه يتجاوز الواقعة الجزئية ليصل إلى القوانين العميقة التي تحكم التجربة البشرية.

ولعل أعظم ما يهبه الأدب لقارئه أنه يحرره من سجن التجربة الواحدة. فنحن لا نملك سوى عمر واحد، وذاكرة واحدة، وسلسلة محدودة من التجارب، لكن الرواية تفتح أمامنا أبواب حيوات لا حصر لها. بها نرى العالم بعينَي يتيم، ثم بعينَي ملك، ونعيش مع لاجئ اقتلعته الحروب من أرضه، أو مع شيخ أثقلته السنون، أو مع امرأة تنتظر أبناءها على أعتاب الغياب. وهكذا تتسع حدود وعينا، وندرك أن الإنسان أعقد من أن يختزل في موقف عابر أو حكم متسرع، وأن الخير والشر ليسا دائما ضفتين متقابلتين، بل كثيرا ما يتجاوران في القلب الواحد.

ومن هنا يغدو الأدب مدرسة في التعاطف، لأن التعاطف الحق لا ينشأ من الاتفاق مع الآخرين، وإنما من القدرة على فهم دواخلهم، ورؤية العالم من الزاوية التي يرونه منها. وقد أكدت الفيلسوفة مارثا نوسباوم، التي اشتهرت بأعمالها الواسعة النطاق في الفلسفة القديمة والمعاصرة، هذا المعنى حين رأت أن الرواية تنمي ما سمته “الخيال الأخلاقي”، أي قدرة الإنسان على تصور حياة الآخرين ومشاعرهم، وهي قدرة ضرورية لبناء مجتمع أكثر عدلا ورحمة.

وتتضاعف قيمة الأدب حين يُقرأ بلغته الأصلية؛ فاللغة ليست معجمًا للألفاظ، ولا مجموعة من القواعد، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، ومستودع الخيال، والمرآة التي تنعكس عليها رؤية أمة بأكملها للعالم. ومن يقرأ الأدب الفرنسي، أو الإنجليزي، أو الروسي، لا يتعلم لغة أخرى فحسب، بل يكتسب قدرة على النظر إلى الوجود من أفق ثقافي مختلف، ويكتشف كيف تتشكل الأفكار داخل الكلمات، وكيف تحمل التراكيب والإيقاعات ما لا تستطيع المعاجم شرحه.

ولعل قول الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين: “حدود لغتي هي حدود عالمي” يضيء هذا المعنى؛ فاللغة لا تنقل الأفكار فحسب، بل تحدد المجال الذي نرى العالم من خلاله، ولذلك فإن اكتشاف لغة جديدة عبر أدبها هو توسعة لأفق الوجود قبل أن يكون مجرد اكتساب لمفردات جديدة.

أما المتعة التي يمنحها الأدب، فليست قيمة ثانوية، بل هي الجسر الذي تعبر عليه الحكمة إلى القلب. فالإنسان قد يعرض عن الحقيقة إذا جاءت في ثوب الوعظ، لكنه يقبل عليها إذا تجسدت في حكاية تهز وجدانه، وتوقظ خياله. ولهذا أدرك القدماء أن الأدب يجمع بين الإمتاع والإفادة، وهو ما عبّر عنه الشاعر الروماني هوراس حين جعل غاية الأدب أن يمتع ويفيد؛ لأن الفكرة المجردة تبقى باردة حتى تسري فيها روح السرد، فتغدو نابضة بالحياة.

ومع ذلك، فليس كل ما يكتب جديرا بأن يسمى أدبا عظيما. فهناك كتب تقرأ ثم تنسى، وأخرى تظل تقيم في الذاكرة سنوات طويلة؛ لأنها لا تزيد القارئ علما فحسب، بل تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى العالم. فالكتاب العظيم لا يلقن قارئه أجوبة جاهزة، وإنما يوقظ فيه أسئلة جديدة ويمنحه بصيرة أعمق.

ولهذا رأى ميلان كونديرا، الكاتب و الروائي الفرنسي ذو الأصول التشيكية، أن الرواية ليست مجالا لإثبات الحقائق الجاهزة، بل فضاء لاكتشاف ما يظل مجهولا عن الإنسان؛ فهي لا تقدم لنا يقينا مغلقا، وإنما تكشف تعقيد الوجود وتدفعنا إلى النظر إليه بعيون أكثر اتساعا.

ولعل خير ما يلخص منزلة القراءة قول خورخي لويس بورخيس: “إنني أفخر بما قرأت أكثر مما أفخر بما كتبت”. ففي هذه العبارة اعتراف بأن القراءة ليست مرحلة تسبق الكتابة، بل هي التي تصوغ الوجدان، وتهذب الذائقة، وتوسع الخيال، وتعلم الإنسان أن يرى ما يمر به الآخرون دون أن يلتفتوا إليه.

ولذلك فإن السؤال الأجدر بنا طرحه ليس: لماذا نقرأ الأدب؟ بل: ماذا يبقى فينا بعد أن نغلق الكتاب؟ فإن أغلقناه ولم نغادره إلا كما دخلناه، فما ترك في أرواحنا أثرا يذكر. أما إذا خرجنا أكثر تعمقا في فهم كنه الإنسان، وأرهف حسا بالجمال، وأشد تواضعا أمام تعقيد الحياة، فقد أدى الأدب رسالته على أكمل وجه.

فالأدب العظيم لا يغير العالم مباشرة، لكنه يغير الإنسان؛ وما دام الإنسان هو صانع التاريخ، فإن كل تغيير عميق يبدأ من داخله.

-باحث في الأدب المغاربي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • hamoda
    الأربعاء 22 يوليوز 2026 - 18:34

    هذا النص ليس مجرد دفاع عن الأدب أو محاولة لتبرير قراءة الروايات، بل هو في جوهره دفاع عن نوع آخر من المعرفة؛ معرفة لا تُقاس بالمعادلات ولا تُختزل في المختبر، وإنما تُختبر في أعماق التجربة الإنسانية. ومن هذه الزاوية، ينجح المقال في تجاوز السؤال التقليدي: “ما فائدة الأدب؟”، ليطرح سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة المعرفة نفسها وحدودها.

    أولى نقاط القوة في المقال تكمن في بنيته الفكرية المحكمة. فالكاتب لا يبدأ بالإجابة المباشرة، وإنما ينطلق من سؤال يبدو وجيهًا، ثم يكشف تدريجيًا أن الوجاهة الظاهرة تخفي افتراضًا فلسفيًا غير مسلم به، وهو أن المعرفة لا تكون معرفة إلا إذا كانت علمية تجريبية. وهذه طريقة إقناعية فعالة؛ لأن تفكيك مقدمات السؤال أهم من الإسراع إلى الجواب عنه.

    كما يحسن الكاتب الاستفادة من التراث الفلسفي دون أن يجعل النص عرضًا أكاديميًا للأفكار. فاستحضار دلتاي في الحديث عن الفرق بين التفسير والفهم، ثم الانتقال إلى أرسطو، وبعده مارثا نوسباوم، وفيتغنشتاين، وهوراس، وكونديرا، وبورخيس، يمنح المقال عمقًا فكريًا واتساعًا ثقافيًا. والأهم أن هذه الإحالات ليست معزولة عن السياق، بل تأتي غالبًا لتدع

  • منقول .
    الخميس 23 يوليوز 2026 - 18:31

    “لا يمكن الاستغناء عن الأدب؛ فهو غذاء الروح، ولا عن أقوال الحكماء؛ إذ هي أنفسُ من الذهب. وإذا كانت الاختراعات المادية ذات أهمية بالغة في تجويد تفاصيل الحياة، فإن الأدب يظلّ الأهم والأبقى؛ بدليل أننا لا نزال نُأسَر بقوة شعر ما قبل الإسلام، وبهاء الشعر العباسي، وعمق الأدب الإنجليزي، في حين نتخلى بسهولة عن اختراعٍ بهرنا يوماً لصالح وافدٍ جديد. إن سر الإبداع الأدبي يكمن في أنه خالدٌ لا يموت، وقادرٌ دوماً على تهذيب النفوس وصقل الأرواح.”

صوت وصورة
استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:00

استفدت من 800 درهم وسأدعم "الأحرار"

صوت وصورة
ادّخار اليوم لضمان الغد
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 19:16

ادّخار اليوم لضمان الغد

صوت وصورة
سخي سخي سخي بحال إنوي
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 17:42

سخي سخي سخي بحال إنوي

صوت وصورة
لقاء خاص | محمد أوجار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 17:00 1

لقاء خاص | محمد أوجار

صوت وصورة
عمور وبطاقة العامل الموسمي
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 16:14

عمور وبطاقة العامل الموسمي

صوت وصورة
خصم ضريبي لدعم مصاريف التمدرس
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 12:47 7

خصم ضريبي لدعم مصاريف التمدرس