لماذا يصر المغاربة على الأضحية؟

لماذا يصر المغاربة على الأضحية؟
الأحد 1 يونيو 2025 - 11:12

في السنوات الأخيرة بالمغرب، صار عيد الأضحى مناسبة مشوبة بالتوتر، خاصة مع تصاعد شكاوى المواطنين من غلاء أسعار الأضاحي وصعوبة توفيرها، وهو ما ازداد حدة في السنة الماضية. هذه السنة، ولأول مرة، تدخل جلالة الملك ووجه نداء إلى المواطنين يدعوهم إلى إلغاء شعيرة الأضحية، نظرا لندرة القطيع وارتفاع أسعاره. ورغم أن هذا القرار حظي في البداية باستجابة واضحة وهادئة من طرف شريحة واسعة من المغاربة، فإن الأمور لم تستمر على هذا النحو مع اقتراب العيد، حيث عادت الأسر إلى اقتناء الأضاحي بأعداد متزايدة، وارتفعت أسعار اللحوم مجددا بشكل لافت، ما كشف عن مفارقة سوسيولوجية عميقة تستحق التوقف والتحليل.

من المعلوم فقهيا أن الأضحية ليست فرضا دينيا بل سنة مؤكدة، إلا أن حضورها في وجدان المغاربة يتجاوز البعد الديني الضيق. إذ تعتبر التضحية لحظة من لحظات التماهي مع الهوية الجماعية الإسلامية، وتشكل لدى فئات واسعة من الناس طقسا لا يمكن التخلي عنه دون أن يشعر الفرد أو الأسرة بأنها فقدت شيئا من انتمائها الرمزي أو مكانتها داخل الجماعة. هذه الطقوسية الدينية تحولت إلى عادة اجتماعية عميقة التجذر، يصعب كسرها حتى بسلطة سياسية ودينية عليا.

لعل الأمر لا يرتبط فقط بما هو ديني أو رمزي، بل يلامس أيضا مسألة “الكرامة الاجتماعية”. في أحياء كثيرة، خاصة الهامشية والشعبية منها، ينظر إلى الأسرة التي لم تذبح الأضحية كما لو أنها تعاني من ضائقة قصوى أو أنها فشلت في أداء دورها الاجتماعي. فعدم اقتناء الأضحية لا يفسر ببساطة كقرار عقلاني، بل كعلامة على الفقر أو حتى على “قلة المسؤولية”، وهو ما ينتج ضغطا اجتماعيا هائلا يدفع بالأسر إلى التضحية بميزانياتها أو حتى اللجوء إلى الاستدانة فقط للحفاظ على هذا الرأسمال الرمزي داخل المحيط الاجتماعي.

بعد مواز آخر يخلقه عيد الأضحى هو البعد الاقتصادي، وله من الأهمية بمكان، فبالنسبة لعدد كبير من المهنيين الموسميين، تعتبر فترة العيد فرصة لخلق دخل عبر أنشطة غير رسمية مرتبطة بالنقل، البيع، الجزارة، الشواء، بيع الأعلاف… إلخ. هذا الاقتصاد الموسمي أصبح بدوره جزء من دينامية العيد، ويجعل من الاستجابة الكاملة لدعوات التقشف أو الإلغاء أمرا غير عملي بالنسبة لآلاف الأسر التي تربط هذا الموسم بالرزق والعيش اليومي.

ورغم أن تدخل الملك حمل طابعا استثنائيا، إلا أن رد الفعل الشعبي يعكس نوعا من التباعد بين القرار السياسي والممارسة الاجتماعية. فحتى مع الاحترام الكبير للمؤسسة الملكية، يظهر أن الموروث الرمزي والديني والاجتماعي أقوى من التوجيهات الرسمية وهو أمر طبيعي جدا لنظرا لقوة تجذر هذا الموروث في المخيال الشعبي، إلا أن بعض الاجراءات الغائبة يمكن تساهم في رفع هذه الهوة، ونعني إجراءات دعم فعالة أو مقاربات تواصلية قادرة على تفكيك هذا التداخل العاطفي والثقافي العميق. هذا ما جعل العديد من الناس يتراجعون عن الاستجابة للنداء، بمجرد أن رأوا آخرين يشترون الأكباش ويتهيؤون للعيد كما جرت العادة.

وسائل التواصل الاجتماعي كانت عاملا حاسما في هذا التحول. بمجرد بدء تداول صور الأضاحي ومظاهر الاستعداد، تسارعت “عدوى التقليد” وانتشرت، حتى وجد كثير من الأسر نفسها أمام خيار “العودة” إلى شعيرة العيد تفاديا للإحساس بالتقصير أو التفرد السلبي داخل محيطها. أصبح الشعور بالخسارة أو الفوات دافعا اجتماعيا حقيقيا لتحريك عجلة الطلب من جديد، رغم الضغوط الاقتصادية التي لا تزال قائمة، ودون أن ننسى دور “الفايك نيوز” أيضا في تغذية هذا الشعور.

تبرز هذه الظاهرة تعقيد العلاقة بين الدين الشعبي والسياسات العمومية، كما تسلط الضوء على صعوبة تعديل السلوك الجماعي في ظل منظومة رمزية وثقافية عريقة. لا يكفي أن تصدر دعوة رسمية، ولو من أعلى سلطة في البلاد، لتغيير عادات ترسخت عبر أجيال، بل يتطلب الأمر رؤية طويلة الأمد، تقوم على التواصل الثقافي العميق، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالسلوك الاجتماعي، كما بيّنت هذه الواقعة، لا ينضبط فقط للمنطق الاقتصادي أو السياسي، بل تحكمه اعتبارات رمزية، نفسية وجماعية يصعب تجاوزها دون فهم سوسيولوجي دقيق ومقاربات شاملة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • amaghrabi
    الإثنين 2 يونيو 2025 - 14:22

    مع الاسف التخلف يعشعش في عقول شعبنا بحيث لا يميز بين المصالح العليا للوطن والمواطنين والطقوس الدينية التي هي في الواقع تخدم مصالح الشعوب وليس العكس وبالتالي فشعبنا يتشبث بالقشور للقيم الدينية العليا ويترك اللب الذي هو رعاية السلم الاجتماعي والمشاركة الفعالة من اجل تحقيق المصالح العليا لشعبنا الكريم الذي جله يعاني اقتصاديا وماليا واجتماعيا ولكن مع الاسف على من تقرأ زابورك ياداوود حينما تنتشر الانانية والجهل بمقاصد الشريعة الاسلامي السمحاء وكان من الاحرى أن يلتزم الجميع بامر ولي الامر الا وهو جلالة الملك حفظه الله ولكن مع الاسف الانانيون لا يحترمون لا الخالق ولا المخلوق

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 2

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل