من عيد العرش إلى برقية ترامب

من عيد العرش إلى برقية ترامب
الأحد 2 غشت 2026 - 22:48

في كل سنة، يشكل عيد العرش أكثر من مجرد مناسبة وطنية للاحتفال بذكرى اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش؛ فهو محطة لتقييم مسار الدولة المغربية واستشراف آفاقها، ووقفة للتأمل في التحولات التي عرفتها المملكة داخليا وخارجيا منذ سنة 1999.

وتكتسي الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش هذه السنة رمزية خاصة، لأنها تأتي في ظرف إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث تتشابك الأزمات الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية، وتتغير موازين القوى والتحالفات بوتيرة غير مسبوقة. وفي خضم هذه التحولات، يواصل المغرب ترسيخ صورته كدولة مستقرة، ومؤسسة، وقادرة على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية برؤية بعيدة المدى.

لقد حمل الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش رسائل تتجاوز منطق المناسبة، ليؤكد مرة أخرى أن المشروع التنموي للمغرب لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، وإنما بقدرته على جعل ثمار التنمية أكثر عدالة وشمولا. فقد وضع جلالة الملك في صلب أولويات المرحلة المقبلة تعزيز الدولة الاجتماعية، وتقوية الطبقة الوسطى، وتقليص الفوارق المجالية، والارتقاء بالرأسمال البشري، باعتبارها مرتكزات أساسية لاستدامة النمو وترسيخ التماسك الوطني. وهذا ما يميز خطاب العرش عن كثير من الخطابات السياسية، إذ لا يكتفي بتشخيص الواقع، بل يرسم توجهات الدولة ويحدد أولوياتها الاستراتيجية، في إطار رؤية تجمع بين الإصلاح الاقتصادي والبعد الاجتماعي، وبين متطلبات التنمية والحفاظ على الاستقرار.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه بعد سبعة وعشرين عاما من تولي جلالة الملك العرش، هو أن المغرب استطاع أن يبني لنفسه مكانة خاصة في محيطه الإقليمي والدولي، ليس عبر الخطابات أو ردود الفعل، وإنما من خلال تراكمات هادئة ومتواصلة في مجالات التنمية والدبلوماسية والاستثمار والشراكات الدولية.

فالقضايا الوطنية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، لم تعد تدار بمنطق الدفاع ورد الفعل، وإنما أصبحت جزءا من رؤية دبلوماسية متكاملة تقوم على المبادرة، وتوسيع دائرة الشركاء، وتعزيز الثقة مع القوى الدولية والإقليمية. وقد ساهم هذا النهج في توسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع في إطار الأمم المتحدة، مع استمرار عدد من الدول في التعبير عن دعمها للموقف المغربي أو تعميق تعاونها مع المملكة في الأقاليم الجنوبية.

وفي هذا السياق، جاءت رسالة التهنئة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، لتؤكد مجددا متانة العلاقات الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، ولتعكس استمرار الاهتمام الأمريكي بالشراكة مع المغرب. كما أعادت الرسالة التأكيد على الموقف الأمريكي الداعم لسيادة المغرب على صحرائه، وهو موقف يمثل امتدادا للاعتراف الذي أعلنته الولايات المتحدة سنة 2020، ويعكس أهمية المغرب كشريك استراتيجي في شمال إفريقيا وفي محيطه الأطلسي والمتوسطي.

ولا ينبغي النظر إلى هذه الرسالة باعتبارها مجرد تهنئة بروتوكولية، بل باعتبارها مؤشرا سياسيا على استمرارية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وعلى المكانة التي يحتلها المغرب في الحسابات الجيوسياسية للولايات المتحدة، سواء في قضايا الأمن الإقليمي، أو مكافحة الإرهاب، أو الاستقرار في منطقة الساحل، أو التعاون الاقتصادي والاستثماري.

وفي مقابل هذه المؤشرات الإيجابية، شهدت الأيام الأخيرة تطورات مرتبطة بمدينة سبتة المحتلة، حاول البعض توظيفها لتقديم صورة توحي بوجود أزمة عميقة بين المغرب وإسبانيا. غير أن القراءة المتأنية للوقائع تكشف أن العلاقات بين البلدين ظلت محكومة بمنطق المؤسسات والشراكة الاستراتيجية، وأن قنوات التنسيق السياسي والأمني استمرت في أداء وظائفها، إدراكا من الطرفين لحجم المصالح المشتركة التي تربطهما.

لقد كشفت هذه التطورات، في المقابل، عن كيفية استغلال بعض القوى السياسية الأوروبية للأحداث المرتبطة بالهجرة في إطار سجالاتها الداخلية. ففي عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما داخل بعض التيارات اليمينية والشعبوية، تحولت أزمة سبتة إلى مادة للنقاش حول سياسات الهجرة وأمن الحدود ومستقبل فضاء شنغن. ولم يكن الهدف دائما قراءة ما جرى في حد ذاته، بقدر ما كان توظيف الحدث في معارك انتخابية أو في نقاشات داخلية تتعلق بالهوية والهجرة والسيادة الوطنية.

ومن هنا، فإن ما بدا للبعض أزمة مغربية إسبانية، كان في الواقع مرآة تعكس الانقسامات السياسية داخل أوروبا نفسها. فالنقاش الذي أثارته بعض الأحزاب والحركات لم يكن موجها بالدرجة الأولى نحو العلاقات بين الرباط ومدريد، بل كان امتدادا لخلافات أوروبية أوسع حول إدارة الهجرة، وتقاسم المسؤوليات بين الدول الأعضاء، ومستقبل السياسات المشتركة في هذا المجال.

أما على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية، فقد أثبتت التجربة مرة أخرى أن الشراكة بين البلدين أصبحت أعمق من أن تهزها أحداث ظرفية أو حملات إعلامية. فالتعاون في مجالات الأمن والهجرة والاستثمار والطاقة والربط الاقتصادي يقوم على مصالح استراتيجية متبادلة، وهو ما يفسر حرص العاصمتين على معالجة الخلافات بالحوار والتنسيق، بعيدا عن منطق التصعيد.

لقد اختار المغرب، منذ أكثر من عقدين، أن يجعل من الاستقرار والدبلوماسية الهادئة أساسا لإدارة علاقاته الخارجية، وأن يبني شراكاته على الثقة والاحترام المتبادل، لا على ردود الفعل الآنية. ويبدو أن هذا الخيار الاستراتيجي هو الذي يفسر اليوم قدرة المملكة على تعزيز موقعها الدولي، وعلى كسب ثقة شركائها، وعلى الدفاع عن مصالحها بثبات واتزان.

وهكذا، فإن عيد العرش في ذكراه السابعة والعشرين لا يمثل فقط مناسبة للاحتفاء بمسيرة ملك وشعب، بل يشكل أيضا لحظة للتأمل في حصيلة دولة اختارت الإصلاح المتدرج، والتنمية المستدامة، والدبلوماسية الرصينة. وفي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتشتد فيه المنافسة على النفوذ، يبدو أن المغرب استطاع أن يرسخ لنفسه مكانة تقوم على المصداقية والاستقرار والوضوح في الرؤية.

لقد أصبح المغرب اليوم شريكا يحظى بالثقة، وفاعلا إقليميا يساهم في صناعة التوازنات، لا مجرد متلقٍّ لها. وتلك، في حد ذاتها، إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من تلاقي خطاب العرش مع المؤشرات الدبلوماسية التي رافقت هذه المناسبة الوطنية؛ رسالة مفادها أن الدول التي تستثمر في مؤسساتها، وتحسن إدارة تحالفاتها، وتراكم إنجازاتها بهدوء، هي التي تملك القدرة على تحويل تحديات الحاضر إلى مكاسب للمستقبل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • زكرياء الشلح
    الإثنين 3 غشت 2026 - 14:20

    مقال متميز يعكس قراءة متوازنة وعميقة لمضامين خطاب العرش، ويبرز بوضوح الرؤية المتبصرة والسياسة الرشيدة التي يقود بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله مسيرة التنمية وتعزيز مكانة المغرب إقليمياً ودولياً. حفظ الله جلالة الملك، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، ووفقه لما فيه خير المملكة وشعبها.

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16 3

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا

صوت وصورة
ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:20 4

ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب

صوت وصورة
نهائي ''أورنج تالنتس'' بالدار البيضاء
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:11

نهائي ''أورنج تالنتس'' بالدار البيضاء

صوت وصورة
حشود تستقبل أخنوش بتافراوت
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 14:24 31

حشود تستقبل أخنوش بتافراوت

صوت وصورة
الإقبال على الشاطئ في شتنبر
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 11:31 6

الإقبال على الشاطئ في شتنبر

صوت وصورة
"النخلة" تتواصل في بنمنصور
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 09:30 4

"النخلة" تتواصل في بنمنصور