المؤرخ حبيدة يقتفي أثر قلْب المنتخب المغربي لموازين النظام الكروي العالمي

المؤرخ حبيدة يقتفي أثر قلْب المنتخب المغربي لموازين النظام الكروي العالمي
صورة: أ.ف.ب
السبت 17 دجنبر 2022 - 00:00

سلط المؤرخ محمد حبيدة، في مقال له، الضوء على ما أسماه “موكب المونديال”، وكيف أطلق الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” أول منافسة عالمية في اللعبة ذاتها سنة 1930، وكيف اقتصر التنافس على بلدان أوروبا ثم شمل دول أمريكا، قبل أن تتحول المنافسات إلى موكب من أمم العالم.

وأكد حبيدة أن “ما حققه المنتخب المغربي بقيادة المدرب وليد الركراكي بالوصول إلى المربع الذهبي مؤشر على التشكيل الجديد الذي جعل بلدا كرويا ناشئا مثل المغرب يقلب موازين النظام الكروي العالمي بالإطاحة بمدارس كروية كبيرة، مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال”.

هذا نص المقال:

لما أحيَت أوروبا، عام 1896، الألعاب الأولمبية بأثينا، بمبادرة من البارون بيار دو كوبيرتان، ونظم الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” أول منافسة عالمية في كرة القدم عام 1930 بالأوروغواي بواسطة جول ريميه، كانت الغاية هي وضع الأمم على محك المنافسة، في وقت كانت فيه الرياضة والسياحة قد صارتا واجهتين من واجهات التعبير عن مقولة “التقدم” التي ابتكرها عصر الأنوار.

في البداية، اقتصر التنافس على بلدان أوروبا ثم شمل دول أمريكا؛ لكن مع انتشار البنيات الحديثة في المعمورة، خلال القرن العشرين، تحولت المنافسات إلى موكب من أمم العالم، احتلت فيه الدول الغربية المقدمة، تعبيرا عن “تفوقها”، سواء على مستوى التنظيم أو على مستوى الفوز بالميداليات والكؤوس.

وثمة دول تنتمي إلى دول العالم الثالث فطنت، منذ البداية، إلى أهمية هذه المنافسات، وراهنت على الرياضة حتى جعلت منها عنصرا أساسيا من عناصر هويتها القومية. البرازيل، مثلا، قبل أن تلج، في المدة الأخيرة، نادي البلدان الصاعدة في خريطة العالم الجيوسياسية صنعت اسمها في المنتظم الأممي بفضل كرة القدم؛ فقد أدهشت مهارات اللاعبين البرازيليين، من أمثال غارينشا وبيليه وجاييرزينيو، الإعلام وأوساط الرياضة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حتى التصق اسم البرازيل بكرة القدم، وبهذه الأسماء التي حصدت ثلاثة ألقاب عالمية في ظرف وجيز ما بين 1958 و1970.

اليوم، وفي المدة الأخيرة عموما، مع التحولات الحاصلة في المحيط الدولي وبروز دول صاعدة دخلت حلبة التنافس الاقتصادي وحتى الرياضي تنظيما وأداء، ومع رهان بعض البلدان على ما يسميه جوزيف ناي بـ”القوة الناعمة”، ومع العولمة التي باتت تخلط الأوراق على جميع الأصعدة، كما ظهر في مونديال قطر (لاعب سويسري من أصول كاميرونية يسجل في مرمى الكاميرون، وابن رئيس دولة إفريقية يلعب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وحكم أمريكي من أصول مغربية، ونماذج أخرى كثيرة)، صار العالم يتغير، ويتبلور من جديد. وستتأكد في المستقبل القريب، لا محالة، تشكيلات جديدة من شأنها أن ترتب الأوراق بطريقة غير مسبوقة.

ما حققه المنتخب المغربي، بقيادة المدرب وليد الركراكي، بالوصول إلى المربع الذهبي رفقة فرق فرنسا والأرجنتين وكرواتيا مؤشر على هذا التشكيل الجديد الذي جعل بلدا كرويا ناشئا مثل المغرب يقلب موازين النظام الكروي العالمي بالإطاحة بمدارس كروية كبيرة، مثل بلجيكا وإسبانيا والبرتغال. وفي هذا التشكيل اختراق كبير، محليا ودوليا.

لقد تضافرت عوامل كثيرة في تحقيق هذه النتيجة؛ من العمل القاعدي على مستوى ما تشتغل عليه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى التنقيب عن المواهب الممارسة في الأندية الأوروبية، مرورا بالإمكانيات الهائلة الموضوعة رهن إشارة المنتخب؛ لكن ما يثير الانتباه هو ما أبان عنه المدرب المحلي من كفاءة وحنكة في تدبير مجموعته بفضل درايته بخبايا التدريب وخطط الميدان، ووعيه بأن كرة القدم لا ينتصر فيها دائما الفريق الأفضل، وإنما الفريق الذي يمتلك رغبة أكثر في الفوز. وما يثير الانتباه كذلك هو هذا التواصل المهيأ والمفكر فيه مع الصحافة والجمهور، والإتقان لفن التواصل هذا بلغة الخاصة ولغة العامة على السواء.

في اللغة الموجهة إلى أهل الدراية ممن يتواصلون بلغة موليير يبدو الرجل عقلانيا متنبها إلى كل كبيرة وصغيرة. وفي اللغة الموجهة إلى عموم الناس، كان ذكيا في استمالة الجميع باستثمار ما يدغدغ المشاعر. في مواقع التواصل الاجتماعي، كما في حديث الناس في البيوت والمقاهي وأماكن أخرى عمومية وخصوصية، راجت الكلمات التي استعملها على نحو كبير، وخاصة “النية” و”رضا الوالدين”، والتي امتزجت بحماس بدت معالمه متجلية في وجوه المغاربة المناصرين في الملعب والمقاهي والبيوت والشوارع.

المنطق لا يعترف لا بهذه الكلمة ولا بتلك. هذا أمر معروف؛ لكن المشتغل في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية يدرك جيدا إلى أي حد يسري مفعول هذه الكلمات النابعة من الثقافة الشعبية في النفوس أكثر مما تسري المفاهيم في العقول. يذكر كل ذلك بمقولة “الظاهرة الاجتماعية الكلية” التي كان قد نحتها مارسيل موس للدلالة على قدرة ظاهرة اجتماعية معينة على تحريك الناس وإثارة مشاعرهم على نحو جماعي شامل. في لقاء ثقافي جرى مؤخرا بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة حول كتاب المؤرخ عبد الأحد السبتي “من عام الفيل إلى عام الماريكان” غلب على هامشه الحديث عن المونديال وما ارتبط به من أقوال، مثل “ديروا النية” إلى درجة نبعت معها عبارة “عام النية” التي قد تلتصق بعام مونديال قطر هذا.

كلمات مثل هذه فعلت فعلها في نفوس الناس، وفي نفوس اللاعبين بالخصوص، فبثت ذبذبات الطاقة الإيجابية، بلغة علماء النفس، وصنعت أفراحا وغذت أحلاما، حتى أن الناس أقبلوا على مقابلة المغرب-فرنسا وهم واثقون من النصر، وحزنوا على عدم التأهل إلى النهائي.

ووظف المتتبعون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي التاريخَ، وهم يعلقون على مباريات المغرب ضد إسبانيا والبرتغال وفرنسا، توظيفا هائلا باستحضار الأندلس ومعارك بلاط الشهداء والزلاقة ووادي المخازن وإيسلي، وغيرها من الصراعات التي حصلت في الماضي بين ضفتي الحوض المتوسط. كان المؤرخ بيار نورا قد أوضح، في مؤلفه الضخم “أماكن الذاكرة”، ارتباط تحيين الذاكرة، التاريخية أو الجماعية، بالحدث، حيث تعمل الإشارات المدونة في النصوص أو البقايا المترسبة في الأذهان على إحياء الماضي واستعماله باعتباره أداة لتفسير الحاضر أو تبريره.

في الكرة، بروح رياضية بطبيعة الحال، يستعمل المدربون واللاعبون والإعلاميون المصطلحات نفسها المتداولة في ساحة الوغى، من تكتيك وقتالية وإيقاع بالخصم، ليثأر اللاعبون أحيانا على المستطيل الأخضر لما يستعصي على السياسيين والعسكريين في ميدان القتال، كما حصل مثلا عام 1986 لما نازلت الأرجنتين إنجلترا وفازت عليها في ربع النهاية بهدفين لواحد، على خلفية حرب المالوين التي كانت قد عززت هيمنة بريطانيا على الجزر التي تحمل الاسم نفسه، والمحاذية للأرض التي أنجبت مارادونا جنوب المحيط الأطلسي.

وإذا كان من المستحيل تغيير الماضي فإن الحاضر والمستقبل يظلان مفتوحين على صناعة التحول. ولا سر في ذلك سوى إفساح المجال للكفاءات، التي توجد حتما في كل الميادين. هذا هو الدرس الرئيسي الذي ينبغي استخلاصه من مغامرة قطر. ثمة ركراكيون كثر. يكفي تحكيم المقولة الإنجليزية “الرجل المناسب في المكان المناسب” لتفجير الطاقات والخلق والإبداع، دفعا بالأمور إلى الأمام.

أ. فيه إم. جول في. جوزيف ناي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • Agro
    السبت 17 دجنبر 2022 - 00:47

    Je pense je suis convaincu que le maroc va organiser la coupe du monde feminine tres bientot, avant la masculine.

    Il faut profiter a gogo de ce que la FIFSA nous a fait, il faut nous recompenser.

  • قلبو
    السبت 17 دجنبر 2022 - 00:52

    تركيا وكوريا الجنوبية فايت تكاليفاو لدومي فينال وماقالوش راهم قلبو شي حاجة،فباراكا من كترة الشفوي وخليو السلكسيونة تلعب بلا غرور مع كرواتيا

  • اضمين عبدالله الداخلة
    السبت 17 دجنبر 2022 - 01:31

    حبذا لو قام الاتحاد العربي الافريقي بخلق مونديال خاص بهذه الامم وجعل المنافسة على الكاس كل سنتين

  • يوسف
    السبت 17 دجنبر 2022 - 01:40

    سلام
    كلام في الصميم…..
    ……
    ……
    ……….
    ……..

    سلام

  • محمد من السعوديه
    السبت 17 دجنبر 2022 - 06:36

    ابارك لكم واهنئكم بالفوز و المغرب هو بطل العالم باستحقاق وكان من المفروض ان يلعب في النهائي لولا الاخطاء التحكيميه الواضحه للاعيان. الحمد لله قدر الله ماشاء فعل.
    مبروك للجميع وفخورين بكم وشكر المغرب

    اوجز حبي واحترامي للمغرب انه اصبحت برئه مغربيه ورئه سعوديه
    تحياتي وتقديري للجميع

  • عبداللطيف ici الرباط
    السبت 17 دجنبر 2022 - 07:21

    لقد حقق المنتخب المغربي بقيادة وليد الركراكي ما لم يحققه تبون والعشاء في الشيراتون بخصوص لم الشمل العربي.

  • السهل الممتنع...
    السبت 17 دجنبر 2022 - 09:14

    هناك نقطة أخرى استخلصت من هذا التحدي و الفوز المغربي حتى بلوغه المربع الذهبي هو الاحترام و الود المتبادل بين الركراكي و اللاعبين ، علاقة أب بأبنائه ،وهذا أعطى قوة وحماس منقطع النظير للفريق ، هناك بساطة و سلاسة يتعامل بها الركراكي مع فريقه ، ليس هناك تعال و استفزاز، الركراكي أصبح مدرسة في التدريب يقتدى بها ، كثيرون حللوا وناقشوا طريقة الركراكي و الكلمات البسيطة العميقة التي أدخلها للقاموس الكروي، طريقة الركراكي هي بحق السهل الممتنع….

  • اقبلي عبدالوهاب
    السبت 17 دجنبر 2022 - 09:34

    الاستاذ محمد حبيدة استاذي في مادة تاريخ اوروبا موسم 1991/ 1992أستاذ ذو كفآت عالية دارس لمدرسة الحوليات les annales له نظريات شتى وهو القائل اذا اردنا التقدم نحو االاحسن يجيب تغيير الذهنيات وليس تغيير الاشخاص .

  • أنا ريفي
    السبت 17 دجنبر 2022 - 09:47

    نعم هاذا ما كان ينقصنا هو الرجل المناسب في المكان المناسب حتى لا تختل الموازين وقتها طبقت في كل المجالات السياسية والاقتصادية لأصبح أكبر تحدي عالمي بكل المقاييس لمصنع مجدي جديدا للأجيال المستقبل وكيف لا …الكرة الساحرة ومقاتلوها أعطوا للعالم درسا لا مثيل له …بالنسبة والشهامة والرجولة ومقولة ديرو النية أعطت بعدا قويا في نفوس المغاربة لأنهم فهموا نص الرسالة القصيرة لاكن مضمونها أثمن من كأس العالم بكثير هاذا الجيل الذي حمل في نفسه روح العزينة القوية والصلاة ويثبتها على وجه الواقع فلا كل الفخر بكم وحظ موفق بإذن الله…ولنمضي قدما.

  • حلم سعيد
    السبت 17 دجنبر 2022 - 09:50

    نص بالغ الأهمية. ان التحليل و الدراسة و الاستنتاجات هي الخطوة الأولى في كل عمل مفيد وبناء.شكرا على تفاعلكم و شرحكم الموجز للظاهرة. وفي الاخير حلم طيب واستفاقة سعيدة و مبكرة انشاء الله.

  • مواطن
    السبت 17 دجنبر 2022 - 12:42

    أرشيف المونديال يشهد على تجاوزات كثيرة وقعت سابقا وصلت إلى العنف الجسدي ولم تتدخل الفيفا في النتائج كما حصل مع هدف مارادونا ضد انجلترا . الفيفا تسيطر على تسيير المونديال وتريد تسويق المنتوج الكروي بأسماء ومنتخبات كبيرة وليس بمنتخبات وأسماء غير معروفة،لهذا كنا نقصى بعدة طرق ولا نحتج رغم توفرنا على رياضيين أكفاء ومنتخبات قوية منذ الستينات.المدرب الأجنبي كان له دور في هذه العملية ، أما المدرب الوطني فهو كما رأينا يفضل كتابة التاريخ على التآمر ضد وطنه هذه هي الحقيقة .

  • Rachid Chelha
    السبت 17 دجنبر 2022 - 22:15

    سلمت أناملك الذهبية أستاذي الفاضل، كان لي عظيم الشرف أن كنت من بين طلبتك في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة.

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 3

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل