استطلاع الرأي ترف ديمقراطي لا نملكه

استطلاع الرأي ترف ديمقراطي لا نملكه
السبت 6 شتنبر 2008 - 19:13

قرأت خبرا طريفا من أسبانيا، تحدث عن رسالة وجهتها وزارة الصناعة هناك إلى السيدة ثليا سانتياجو رئيسة بلدية مدينة صغيرة فى الجنوب باسم “لوس بياريس”. سألتها فيها عما إذا كانت المدينة ترغب في نصب برج لإدخالها ضمن شبكة الهاتف المحمول. وأمهلت الوزارة البلدية ثمانية عشر يوماً للرد. وحين استطلعت رئيسة البلدية ، أعضاء المجلس البلدي حول الأمر وجدتهم مختلفين بصدده، بين مؤيد ومعارض ومن ثم فإنها لم تجد مفراً من طرح الموضوع للاستفتاء عليه. وحينذاك قالت: إنها لا تريد أن تتخذ قرارها قبل أن تطمئن إلى أن الأغلبية تؤيده، وأن انتخابها لا يخول لها الحق في الانفراد برأي فيما يمس راحة الناس. ما فعلته السيدة ثليا سانتياجو ليس أمراً جديداً ولا مستغرباً، ولكنه سلوك طبيعي في المجتمعات الديمقراطية التي يستمد السياسيون فيها شرعيتهم من رضا الناس وتأييدهم، وتستمد السلطة التنفيذية شرعيتها من كونها في خدمة الناس، حتى إن كل واحد في الهرم التنفيذي، من قمته إلى قاعدته يصنف باعتباره خادماً للمجتمع. واللجوء إلى الاستفتاء العام -الحر والنزيه بطبيعة الحال- هو أحد أقوى الوسائل التي تستخدم للتثبيت من ذلك الرضا. وعادة ما يضرب المثل في ذلك بسويسرا، التي لا يكاد يمر فيها شهران أو ثلاثة، إلا ويجرى فيها استفتاء الناس في شأن من شئونهم. من إقامة الجسور وتصدير السلاح للخارج إلى استقبال الطائرات في الليل في المواعيد التي لا تسبب إزعاجاً للسكان والحيوانات النائمة.



لم أستطع أن أقاوم الرغبة في المقارنة بين الذي حدث في أسبانيا ويحدث في سويسرا والكثير من البلدان التي نسعى دائما إلى استنساخ نماذجها في الأمورحرفيا، وبين الحاصل في العالم العربي عامة وفي المغرب عامة خاصة. حيث لم تستوقفني حقيقة أن أحداً لم يسألنا عن رأينا في بيع المدارس العشر التي عرضتها الأكاديمية الجهوية للدار البيضاء، كما لم يثرني أن أحدا لم يطلب رأينا قبل أن يغلق علينا كل منافذ شارع الحسن الثاني القلب النابض لمدينة فاس. لا لشيء إلا لأن مثل ذلك السلوك ترف ديمقراطي لا نملكه، ومدى في استرضاء الناس وتدليلهم لم نبلغه بعد. أما الذي أثارني إلى درجة الاستفزاز، أن لا أحد سألنا في قضايا تبدو بسيطة، لكنها مصيرية تهم مصالحنا العليا، وعلى رأسها صحة المواطنين، ليس ذلك فحسب، وإنما تم التصرف في الكثير من أمورنا من جانب أطراف ليست مخولة في ذلك، كالذي حدث ويحدث في كل الأحياء السكنية وقرب المدارس الإبتدائية وحتى رياض الأطفال في عمرالزهور، حيث استنبتت فوق سطوح الكثير من المنازل بجل الأحياء الآهلة بالسكان ونصبت هوائيات ضخمة لشركات الهواتف المحمولة دون اللجوء لإستشارة أي كان عن رأيه وكأن الأمر طبيعي وعادي ولا يشكل أية خطورة على المواطنين.. مبلغ علمى أنه من الناحية القانونية والسياسية فإن فضاءات القطاع العام المشتركة ليست ملكاً لأي كان، لأنها ملك للمجتمع، تتولى الحكومة إدارتها نيابة عنه. فهل تملك الاكاديميات الجهوية و حتى وزارة التعليم حق التصرف فيما لا تملك، ونفس السؤال يوجه للجماعات الحضرية والقروية وكل شركات الهواتف المحمول وحتى المجرور؟ وحتى تكتسب تصرفاتها تلك شرعيتها من الناحيتين السياسية والأخلاقية، فليس أمامها سوى الرجوع إلى المجتمع، وأخذ موافقته فيما هي مقدمة عليه.


فانتهاك حقوق وملكية الناس وعدم الاهتمام برأيهم، شأنه شأن القمع السياسي، الذي يبلغ ذروته في المجتمعات اللا ديمقراطية و بشكل ينذر بكوارث اجتماعية. حيث العلاقة بدون شكٍّ متوترة ومأزومة، والقمع منظّم ومشّرع، سواء المعلن منه وغير المعلن في معظم الدول لاسيما العربية منها، حتى عند تلك التي تدعي أنها ديموقراطية، أو مستقرة أو في بحبوحة مادية ورخاء اقتصادي، وتحاول أن تظهر للمجتمع الدولي على أنها نموذجية. فعند التدقيق في الأمر نجد أنّ الشعوب التي قمعت لفترات طويلة وعوقبت وإضطهدت ومنعت من ممارسة حقوقها الإنسانية وحريتها ولم يهتم برأيها كأنها مجرد مخلوقات ميكروسكوبية لا قيمة لها، فأن التعبيرعن الكبت والقمع لديها يأخذ مناحي متعددة، بدءًا من التذّمر أو انتشار الشذوذ وصولا لأعمال العنف. والتحول مع مرور الوقت إلى قنابل موقوتة من حيث لا تدري، ويصبح التطرف في المواقف وردود الأفعال سمة تسم تصرفاتها، ولا فرق في التطرف بين كونه تطرفا يقف خلف شعارات “دينية”، أو تطرفا يقبع خلف شعارات “علمانية”، ذلك أن الغريزة إذا مُنعت كلًّيًا من الاشباع الضروري لحاجاتها فإنها تصبح في منتهى القوّة ولها سلطة يمكن أن تحول الكائن الإنساني إلى الهوس والهلوسة كما المخدّرات. لذا لا ينبغي، أن يقلل أحد من حجم البلبلة والقلق الذي تخلقه مثل هذه التصرفات اللا ديمقراطية التي يُخضع لها الشارع في بلادنا..


حميد طولست


Hamidost @hotmail.com

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • حمار القيامه
    السبت 6 شتنبر 2008 - 19:17

    هل تعرف لماذا لا توجد مؤسسة لاستطلاع الرأي في المغرب!!!اولا هذا راجع لتخلف الحكومة التي يترأسها عباس بولقوالب الفاسي والذي يساهم في رأس المال شركة(مولاي يعقوب)وانتم طبعا تعرفون هذا الكم الهائل من حاملي الشهادات العليا(وهي العمود الفقري للتنمية لو كنتم تعلمون بقيمتهم يا فاسي???)الذين يترددون بكثرة على مولاي يعقوب باش إكمدو عضامهم بعد اعتصامهم امام البرلمان!!!??

  • assauiry
    السبت 6 شتنبر 2008 - 19:15

    على من تحكي زابورك ياداوود ، الله إجعل مقالك رحمة ومغفرة لمن سبقوك ، لأن حكومتنا مصابة بمرض الصمم .

  • سامي
    السبت 6 شتنبر 2008 - 19:19

    استطلاعات الراى عبر توظيف البيانات الرياضية داخل مجموعات عشوائية لاستخلاص معطيات وصفية يمكن اعتمادهالمعرفة الاتجاهات العامة لعينة بشرية هي تقنية اساسية في العلوم الاجتماعية بدءا بتجميع المعلومة والتعامل مع المعطيات ثم دراسة المتغير الواحد وبعدة دراسة المتغيرات الشاملة انتهاءا بالتحليل والتؤيل هو عمل مؤسسات حرة غير تابعة سياسيا اي محايدة .هل يمكن الاستتمار في هذا المجال اعتقد نعم لكن من سيطلب هده الخدمات مؤسسات الدولة تزعم ان لديها ارقامها الخاصة القطاع الاعلامي التنظيمات السياسية لاتملك امكانية الدفع لمؤسسات ربحية .تطور المجتمع نحو اقتصاد معرفي قديفرض استطلاع الراى كوسيلة انمائية فعالة.رمضان كريم

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية