«الهاوية المالية».. دروس للساسة العرب

«الهاوية المالية».. دروس للساسة العرب
الأربعاء 9 يناير 2013 - 17:10

وافق الجمهوريون والديمقراطيون في اللحظة الأخيرة على تجنيب الاقتصاد الأميركي ما سمي بـ «الهاوية المالية»، ومن ثم تجنيبه الدخول في دورة جديدة من الركود كانت ستؤثر حتما على العالم المثقل أصلا بتداعيات الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون السيادية بأوروبا.

الاتفاق نص على قبول الجمهوريين بمقترح أوباما رفع الضرائب على ذوي الدخول المرتفعة، بالمقابل تخفيف العبء على كاهل الطبقات الفقيرة بشكل يوفر 600 مليار دولار للخزينة، دونما حاجة إلى اتباع سياسة التقشف كما حصل في اليونان وإسبانيا وإيطاليا، أو زيادة الأسعار كما حدث و-سيحدث- في العديد من البلدان العربية، ما أفرز حالة من الاحتقان الاجتماعي الكبير.

حتى الآن يظهر الخبر أنه اقتصادي، لكن دلالاته السياسية كبيرة جداً وتصلح أن تكون بمثابة عبرة للأحزاب، والحكومات والأنظمة في البلدان العربية على الأقل من زاويتي «الرشد السياسي» و «الإبداع المالي».

ظل الجمهوريون يعارضون مقترح أوباما بشأن الضرائب حتى ساعات قليلة قبل نهاية سنة 2012، أي لحظات من انتهاء العمل بتخفيضات ضريبية أقرت في العام 2001 لفائدة الفقراء وذوي الدخل المحدود، لكن الخشية من وقوع كارثة اقتصادية حملت هذا الحزب على التنازل لأوباما تحقيقا للمصلحة العامة، رغم أن ذلك يشكل هزيمة لهم وانتصارا جزئيا للغريم السياسي، ما دام تطبيق الاتفاق سيؤجل لمدة شهرين.

الرشد السياسي

في أميركا يقارع «الحمار» الديمقراطي خصمه « الفيل» الجمهوري والعكس. يقطع الطريق أمامه نحو كسب قلوب الجماهير والفوز بالانتخابات أو تمرير قانون معين. يتنازعان المصالح السياسية، ويختلفان في وجهات النظر، لكن أحدا منهما لا يفكر في إحراق الغابة التي تؤويهم، لأن مصلحة الوطن عندهم فوق كل أنواع المصالح الأخرى.

وفي أميركا الخاسر والفائز في الانتخابات كلاهما يقيم حفلا في النهاية لتوجيه الشكر لأنصاره، حتى أنك لا تستطيع أن تميز بينهما، بل إن ميت رومني مرشح الجمهوريين للرئاسة اتصل غداة الإعلان عن نتائج الانتخابات بأوباما لتهنئته بالفوز، وتمنى له التوفيق في قيادة الولايات إلى بر الأمان، مُقرا بهزيمته، ومُعترفا بالنتائج، ومُحترما إرادة الناخبين. كما أن خلافه السياسي مع غريمه لم يمنعه من وصف حملة أوباما بالأكثر دينامية. مثل هذا الرشد السياسي يحدث أيضا في الديمقراطيات العريقة والحديثة على حد سواء بأوروبا وأميركا اللاتينية وآسيا.

ولكم أن تتصوروا أن ديون أميركا بحجم ناتجها المحلي، أي نحو ١٦ تريليون دولار، لكن ذلك لم يهدم لبنة واحدة من قمة الهرم الذي تعتليه.

أما في الوطن العربي فالوضع مختلف قبل الثورة وبعد الثورة للأسف الشديد. عندنا يتم تجييش «البلطجية» و «الشبيحة» و «الشماكرية» لخوض المعارك والحروب وتنفيذ التصفيات، وإثارة الاحتجاجات، يحركهم عديمو الشعور الوطني في داخل أجهزة الدولة وخارجها وبعض الأنظمة، ومن داخل بعض الأحزاب والتنظيمات، التي إما ترتبط بمصالح الأنظمة البائدة أو تنفذ أجندات خارجية أو تشكو من قصر النظر وعمى الألوان، فلا يكاد هؤلاء يبصرون الحسن والجمال إلا على وجوههم، وينعتون الآخر بقبح الفعل ورعونة التصرف وضيق الفكر، وتستوي في ذلك تيارات من العلمانيين والليبراليين والقوميين وحتى الإسلاميين. والنتيجة في ذلك كله تعريض أوضاع الوطن الأمنية والاجتماعية والاقتصادية لأخطار محدقة.

نتذكر على السبيل المثال ما حدث في الجزائر غداة فوز جبهة الإنقاذ بالانتخابات في تسعينيات القرن الماضي، وأحداث مخيم «أكديم ايزيك» بمدينة العيون المغربية في العام ٢٠١٠. ومواجهات في عدد من المدن التونسية، وأحداث ماسبيرو وتداعيات الإعلان الدستوري والتصويت على الدستور في مصر العام المنصرم، والقائمة تطول.

الإبداع المالي

وعن موضوع الأسعار فاجأت بعض الحكومات العربية مواطنيها باعتماد زيادات في الأسعار ضاربة مبادئ الثورة ومطالبها الجوهرية بعرض الحائط.

وحتى مع التسليم بواقعية بعض هذه الخطوات بالنظر إلى ظروف الأزمة المالية وشح السيولة في الأسواق، والتهاب أسعار النفط، ومساعي تفكيك صناديق الدعم والمقاصة الحكومية، حتى يصل الدعم لمستحقيه الحقيقيين، فإنه كان الأولى ترك القدرة الشرائية للمواطنين في مأمن، لأن الإجهاز عليها هو إضرار بالاقتصاد بالنهاية ما دام الاستهلاك يشكل المحرك الأساس للأسواق. بالمقابل كان عليها أن تبدع قنوات جديدة لمواجهة عجز الموازنات وتقليص المديونيات الضاغطة، من قبيل امتلاك الجرأة لرفع الضرائب على ذوي الدخول العالية، والأغنياء والإسراع في استرداد الأموال المنهوبة، وتخفيض النفقات في بعض القطاعات، وترشيد الإنفاق الحكومي. فضلا عن خلق بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية والسياحة الخارجية، وتحفيز العمالة المهاجرة على رفع منسوب التحويلات، من خلال استحداث صناديق استثمار في مدخرات هذه العمالة سواء تلك المتعلقة بتعليم الأبناء وصحتهم ومستقبلهم، أو تقاعد الآباء من وظائفهم.

وكم يتمنى المرء أن ينام ليفتح عينه على عالم عربي أكثر ديمقراطية واستقرارا وتنمية تحاكي بها أوطاننا تجارب تركيا وماليزيا وسنغافورة والبرازيل.. ولا أقول أميركا وألمانيا واليابان حتى لا أتهم في أحلامي وطموحاتي. فهل كان لأميركا أثر قبل مئة عام، وهل كان لألمانيا قوة قبل الحرب العالمية، وكيف أصبحت اليابان بعد هيروشيما. ما ينقص العالم العربي هو صدق وكفاءة الحكومات والأنظمة، وصبر وتفاني الشعوب، ووطنية الأحزاب، وغيرة المستثمرين.

* صحافي اقتصادي مقيم بالدوحة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Stupid
    الأربعاء 9 يناير 2013 - 15:47

    أستاذ أولا أشكرك على هذه المقالة التي جائت تحيط بعدد من التفاصيل المهمة , لكن لدي سؤال مهم جدا .

    هل حقا بإمكاننا تصديق مثل هذه البروباغندا التي تجيد الولايات المتحدة مع كل ولاية رئاسية وأحيانا كل سنة مالية جديدة الترويج لها ؟ .

    الواقع هو أن كل المؤشرات كانت تشير كما كل مرة إلى أن هذه القضية لا تعدو كونها زوبعة في فنجان وأن ما يُثار حولها لا يتعدى في محتواه قضية إعلامية بامتياز أكثر بكثير منها قضية سياسية . فالولايات المتحدة بأخطبوطها الإعلامي تجيد الترويج لأطورحة الأزمة لكي يتقمص ساستها دور البطولة على شاكلة أبطال هوليود , وأن أزمة خطيرة كانت تحيط بالدولة العُظمى وجاء الساسة العظماء ليزيلوا السحابة بعد صراع عسير وهكذا دواليك .

    الأمر أشبه بمسرحية ساخرة , وإلا هل تابعنا يوما من الأيام عدم اتفاق هؤلاء الساسة على قضية مصيرية من قبيل الميزانية المالية ؟ .

    طبعا لا , ولا يمكن أن نرى شيئا من هذا لأنها بروبغندا يُراد منها التريوج لصورة الكونغرس المتحد , أما الحقيقة فهي مختلفة تماما وعنوان الهاوية المالية أصلا مثير للسخرية وهو من صنع إعلامي , فلا خطر أصلا كان يحيط بالولايات المتحدة .

  • متابع
    الأربعاء 9 يناير 2013 - 19:06

    تحية إلى الأستاذ صاحب المقال،
    قد يقول البعض إن "الهاوية المالية" او ما يسمى ب "fiscal cliff" مجرد زوبعة في فنجان كما يحلو للمسؤولين المغاربة أن يطلقوا على بعض الأخبار وهو ما يلتقطه بعض المغاربة المتتبعين، وأنها مجرد بروباغاندة إلخ… ولكن يجب أن نعلم أن الحكومات الأمريكية تتعامل مع مثل هذه المشاكل والمخاطر بجدية ومسؤولية وشفافية ولا تغطي الشمس بالغربال، وما كاديرش العكار على الخنونة وتقول العام زين، لأن الشعب وضع الثقة فيها وكلفها بذلك. ومن جهة أخرى لأن الأمريكيون يتسابقون إلى إنقاذ بلدهم وحمايته من كل تهديد وذلك لإبقاء أمريكا في ريادة العالم. ولا يتسابقون إلى الوصول إلى البيت الأبيض من أجل قضاء المصالح الخاصة. قد أتفق مع من يقول أن هناك بروباغاندةولكن ليس حينما يتعلق الأمر بالانهيار الإقتصادي أو ما يتعلق بما هو داخلي، الإعلام الأمريكي قد يستعمل البروباغاندا ولكن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والحروب مثلا فهنا الشعب الأمريكي مضلل فعلا. وعلى كل حال فإن الأمريكان لا يحتاجون أن يسوقوا إنهم أبطال، فهم حقا أبطال في الديموقراطية الداخلية (من هو بطل العالم في الانتخابات؟ أمريكا طبعا).
    والسلام

  • youssef
    الخميس 10 يناير 2013 - 10:48

    اولا اشكرك على هذه المقالة الجيدة
    واعلق على
    وﻻ أﻗﻮل أﻣﯿﺮﻛﺎ وأﻟﻤﺎﻧﯿﺎ واﻟﯿﺎﺑﺎن . ﺣﺘﻰ ﻻ أﺗﻬﻢ ﻓﻲ أﺣﻼﻣﻲ وﻃﻤﻮﺣﺎﺗﻲ
    حسب تجربتى المتواضعة فان المشكل العام للعرب والخاص للمغاربة هو عدم تقييم الوضعية الاقتصادية والا جتماعية بشكل علمى بواسطة مءسسات دات اهلية للدراسة و اتباع برامج تسلسلية بارادة قوية شعارها النضال و نفى الذاتية والتمسك بالدين
    حينها نكون قد بدانا فى الطريق الصحيح

  • yassir
    الخميس 10 يناير 2013 - 18:30

    ادا دفع الاغنياء الا مريكيون الضرائب فحتما سياخدونها بطريقة اخرى لان الاغنياء في جميع بقاع العالم همهم هو الربح وهم الدين يخلقون الازمات في هداالعالم لتعود عليهم بالنفع
    لقد اغرقوا العالم بالرهون العقارية وبداو يتفرجون من بعيد انا لا اصدق مثل هده الخزعبلات

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع

صوت وصورة
بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 17:16

بنعبد الله يقود حملة "الكتاب" بسلا