أسس الاقتصاد في الإسلام

أسس الاقتصاد في الإسلام
السبت 15 أبريل 2023 - 12:09

رأينا في الورقة السابقة، كيف هو النظام السياسي الإسلامي في ضوء كتاب “حقيقة الإسلام” لمؤلفه الفقيه الدستوري والسياسي الدكتور عبد الهادي بوطالب. وهو كتاب من 288 صفحة ويتضمن 14 فصلا. ومن بين ما جاء في تقديمه، أنه مساهمة متواضعة لتقديم الإسلام المسالم الذي تطبع تعاليمه الرحمة والعدل وتناهض العنف والعدوان، وتدعو إلى التعايش السلمي بين الديانات والحضارات والمجتمعات على اختلاف خصوصياتها.

أما في هذه الورقة الرمضانية الثالثة التي تنشرها صحيفة “هسبريس” المتميزة بمهنيتها الإعلامية، فسنعرض لأسس الاقتصاد في الإسلام من منظور هذا العالم وفي ضوء الكتاب ذاته “حقيقة الإسلام”.

يعلن هذا الفقيه القانوني في بداية الفصل التاسع الذي تناول فيه هذه الأسس، اقتناعه بأن التشريع الإسلامي الخاص بالاقتصاد من خلال مقتضيات القرآن والسنة قد “اقتصر على بيان الأسس. وتجافى الدخول في التفاصيل والجزئيات على غرار ما فعله في مجال التشريعات الأخرى، تاركا التفاصيل والتطبيقات لاجتهادات المجتمعات المتعاقبة”.

وقد أشار إلى أنه بعد عهدي النبي والخلفاء الراشدين وامتداد الإسلام خارج الجزيرة العربية، واتصاله بأنظمة سياسية واقتصادية مختلفة وامتداد حكمه على مجتمعات غير عربية، أغنى الفقه الإسلامي باجتهاداته أسس الاقتصاد الإسلامي الأولى. وجاء بحلول للمشاكل الاقتصادية التي واجهت الحكم الإسلامي مما ساهم في ازدهار المجتمعات المنضوية تحت لواء الإسلام.

كما أن قاعدة الوسطية لم تتخلف في ميدان الاقتصاد. ومن مميزات الإسلام أن الله جعل منه نظاما ذا جانبين: دين ودنيا. وهو ما دفع الباحثين في طبيعة الاقتصاد الإسلامي إلى التمييز بين ما جاء في القرآن والسنة وهو ما يطلق عليه الشريعة الإسلامية، وما جاء من اجتهادات الفقهاء المتخصصين وهو مجال الفقه الإسلامي. ومن مجموع هذين المصدرين يتكون ما يمكن أن نطلق عليه اسم النظام الاقتصادي الإسلامي (ص 150/151).

وبذلك يبرر عبد الهادي بوطالب اقتناعه المعلن في مقدمة الفصل التاسع، وهو ما تمت الإشارة إليه في بداية هذه الورقة بعد الإعلان عن موضوعها، حيث يذهب إلى أن مصدر أسس الاقتصاد في الإسلام هو الشريعة الإسلامية أي القرآن والسنة.

وفي هذا الصدد، تطرق المؤلف إلى المال والملكية، والدولة، والمنهج الإسلامي.

وهو يذهب في ما يتعلق بالمال والملكية، إلى أن الشريعة الإسلامية تقر الملكية الفردية بدون تحديد لمقدارها. لكن القيد الأكبر الذي فرضه الله على الملكية هو شرعية اكتسابها. وهي مقيدة بواجب إنفاق المال وتعميم الاستفادة منه على شرائح المجتمع المحتاجة، مما يفضي إلى العدالة الاجتماعية. ويواكب هذه الإباحة، المراقبة على منشأ الملكية وصيرورتها ونهايتها أي المراقبة المستمرة. كما أن هناك مجموعة من التشريعات التي تحد من احتكار المال واكتنازه في يد واحدة والنهي عن إعاقة تداوله ورواجه، وتستهدف كلها إقامة توازن بين الإنتاج وتعميم فائدة الثروة على الغير.

كما أعطى الإسلام للمال مكانته كعصب للحياة. لكنه نهى عن التكاثر المؤدي إلى كثرة الاستهلاك التي تؤدي بدورها إلى تمييع أخلاق المجتمع وانغماسه في الحياة المادية المجردة من طيب الإحساس والشعور بالتضامن.

ولم يترك الإسلام بعض أنواع الملكيات للخواص. بل أناط بالدولة ملكيتها والاستفادة منها كالمنشآت العامة وأملاك الأوقاف (…). وذلك لتحقيق أحسن استغلال وتحقيق الوظيفة الاجتماعية للدولة.

وفي ما يتعلق بالإنتاج والتوزيع، يرى المؤلف أن الإسلام يحرص على تأمين توازن دقيق بين الإنتاج والتوزيع فليست غاية الإنتاج هي إشاعة الاستهلاك القائم على التكاثر الذي ندد به القرآن الكريم، فقال: “ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر” (سورة التكاثر). بل إن الإنتاج مرتبط عضويا بالتوزيع، بحيث تلتقي جهود الإنتاج بعدالة التوزيع.

وليس للإنتاج في الإسلام علاقة عضوية بعفوية السوق كما هو الأمر في النظام الليبرالي. كما لا علاقة للإنتاج بالعامل الاقتصادي الذي يرتكز عليه نظام مجتمع الإجماع الشيوعي بقيام فلسفته على خضوع البنيات العليا للسفلى وتحكم الأخيرة في الأولى.

ويضيف بوطالب أن للإنسان في الإسلام غاية أخرى غير إشباع البطن والانغماس في اللذة وممارسة الحرية بدون مسؤولية. وغير استعباد قدراته وشل تحكمه في إرادته ليصبح مجرد آلة في خدمة المجتمع، لأن القيم التي تحكمه ويخضع لها ليست هي ملكية وسائل الإنتاج وحدها بل هي الخضوع لأخلاقية الإسلام المتوازنة التي تتحكم وتسود فلسفة الإنتاج والتوزيع.

إن غاية الإسلام هي خلق مجتمع متوازن، تلتقي فيه مصلحة الفرد والجماعة تلقائيا أو بضغط من الشرع الحاكم للتنسيق بينهما. (ص 155)

وعلاقة بالمنهج الإسلامي، يؤكد الكاتب أنه منهج التوسط حيث يدعو إلى الجمع بين تأمين حرية الملكية الفردية ولكن بمراقبتها في جميع أطوارها حتى لا تضر بالجماعة. وأناط بالجماعة حق الملكية، وجعل منها حقا مسؤولا عن تأمين مصلحة الفرد. ومجملا، إن المنهج الإسلامي ليس مذهبا وضعيا بل هو، منهج ترتبط فيه تنظيمات الدنيا بتعاليم الدين (ص 155).

وفي فقرة حقوق الله وحقوق العباد، يبين الكاتب في البداية مجموعة من المفارقات القائمة بين التنظير الإسلامي لحقوق الإنسان والتنظير الغربي لها. وتتجلى المفارقة الأساسية في نعت الغرب لحقوق الإنسان بوصف، الطبيعية. ووصف الإسلام لها بالإلهية.

وحسب المؤلف دائما، يقسم علماء الأصول التكاليف الشرعية إلى ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط، وهو أمره ونهيه. وقد شرع حكمه لمصلحة المجتمع. وحق الفرد، وهو مصالحه وقد شرع لمصلحة الفرد خاصة. وقسم اختلف فيه (أي فيه اختلاف)، هل يغلب فيه حق الله أو حق الفرد (ص 167/168).

ويتضمن حق الله: العبادات. وفي حقه على الناس: إقامة العدل وتوفير التكامل الاجتماعي وإقامة مجتمع الإيمان والتقوى وإقامة حدود الله على المخالفين. وأما حق الفرد: فهو ما كان فيه مصلحة الفرد خاصة.

وأخيرا: في نظر مؤلف كتاب “حقيقة الإسلام” الدكتور عبد الهادي بوطالب، تقوم الشخصية الإسلامية على ثلاثة مرتكزات:

المعرفة (أو العلم)، والإيمان، والعمل الصالح. ووسيلتها، الحرية في نطاق الامتثال للهدي الإلهي. ويقرن الشرع الإسلامي الحق دائما بالواجب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Lamya
    الإثنين 17 أبريل 2023 - 08:00

    الاقتصاد في الاسلام جميل و لكن لا يطبق على ارض الواقع, لان الغرب و العولمة فرضت علينا نظامها الاقتصادي و لذلك يجب الاجتهاد لايجاد حلول مستعجلة خصوصا لتقليص الفوارق المجتمعية و لمعضلة الديون الربوية, الذي تتسبب في التبعية سواءا بالنسبة للفرد او للدولة
    و دراسة الاقتصاد الغربي يجعلنا نفهم لماذا الربا ممنوع في الاسلام و الديون ينظر اليها نظرة سيئة, لان المسلم مثلا يكره ان يموت و يترك ديون متراكمة عليه, بالمقابل يفرض الزكاة بشكل منظم, لانه يجب اداؤها للدولة او الحاكم و هو يتكلف باعادة توزيعها على مستحقيها بمعرفته, فالزكاة بالمفهوم الحديث هو صندوق الضمان الاجتماعي المعمول به في اوروبا, بينما في بلاد المسلمين لا يمكنك اللجوء للدولة و طلب المساعدة في حالة الافلاس او الفاقة و هو حق الله للفقراء و المساكين..

  • mourad
    الإثنين 17 أبريل 2023 - 13:20

    الكثير من التدابير المتعلقة بالتعاملات المالية والتجارية والعقارية في الإسلام تمت استعارتها من الروم والفرس والحضارات المجاورة، وهي خليط من التدابير لا تكتسي طابع النظام المتكامل، وما ورد في النصوص الدينية قليل جدا ولا يمكن اعتباره أساس نظام اقتصادي، من جهة أخرى فما كرسته دولة الخلافة على مر العصور في الجانب التجاري والمالي ساهم بشكل كبير في تخلف المسلمين ولم يساهم في تقدمهم لأن الغالب عليه هو الطابع الريعي، ولهذا عندما جاء النظام المصرفي الحديث عبر المؤسسات البنكية أنكره الفقهاء وحاربوه ورفضه المسلمون المسلمون لكنهم تبنوه رغما عنهم بعد بناء الدولة الحديثة لأن أسلوبهم القديم لم يعد صالحا.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام