شدني حنين مفاجئ إلى التلفاز المغربي يوم كان يعرض في شهر رمضان مسلسلات تاريخية بلغة عربية فصيحة، وكنا نعتقد، ونحن صغار، أن ما نراه حقيقة، والأبطال الذين نشاهدهم أشخاص حقيقيون مثل الليل والنهار، وهم يعيشون في مكان ما من هذا العالم، وليس عملا فنيا يشارك فيه فريق كبير يديره مخرج، كنا نجهل أن هناك كاميرا، وأن هناك من يقف خلفها. بدافع ذلك الحنين فتحت التلفاز على قناة مغربية فكانت هناك حلقة من سلسلة لم أستطع أن أنهيها، فغيرت القناة بقناة مغربية أخرى، وكانت هناك حلقة من سلسلة لم أستطع أن أنهيها كذلك. شعرتُ بضيق عظيم وانزعاج وغضب فأقفلت التلفاز.
تذكرتُ فيلم بترسون Paterson، لصاحبه جيم جرموش، الذي أجّلت مشاهدته ما من مرّة. قيل لي عنه إنه فيلم ممل، وممل جدا، بل ذهب البعض إلى حد اعتبار الملل هو الحدث السينمائي فيه بامتياز. وقد كنت في تلك الليلة على استعداد كامل لأتحمل ملله. ووطنت نفسي على الصبر.
استفاق بترسون (أدم درايفر) من النوم بُعيد السادسة صباحا بقليل. وكان يوم الاثنين. تناول فطوره. خرج من البيت. أخذ طريقه إلى شركة الحافلات. ركب الحافلة التي يعمل فيها. نقل الناس من هنا إلى هناك ومن هناك إلى هنا. عاد في المساء من الطريق نفسه. فحص علبة البريد أمام البيت. تناول العشاء بصحبة لورا. خرج للنزهة رفقة الكلب. تناول كأسا في الحانة. عاد إلى البيت لينام. الأحداث نفسها تتكرر، بالطريقة نفسها، في اليوم الموالي، وعلى امتداد أيام الأسبوع. هو فيلم ممل إذن كما قيل لي عنه تماما.
من يقرأ هذا سيعتقد لا محالة أن الفيلم ممل حقا. فليس فيه جديد يذكر. الشخوص أنفسهم، والمدينة نفسها، والأحداث نفسها، والحافلة نفسها، والطريق نفسه، ونفس كل شيء. كل شيء يتكرر على مدار الأسبوع إلى ما لا نهاية. لا أدري لماذا راودتني كل المشاعر، أثناء مشاهدة الفيلم، وبعد نهايته، إلا شعورا واحدا ضل طريقه إلي تماما وهو الشعور بالملل.
يحكي الفيلم أسبوعا في حياة شاعر يحمل نفس اسم مدينته. وقد ورد في الفيلم أن تكون سائق حافلة في مدينة بترسون هو، في حد ذاته، شيء شاعري جدا. وحياة الشاعر رغم بساطتها الظاهرة زاخرة بالمعنى، وعميقة حقا. وكلما أتيحت له الفرصة يشرع في كتابة الشعر في مذكرة يحملها معه. يتناول في قصائده مواضيع مختلفة ويومية ومنها علبة عود ثقاب. وهنا تكمن أهمية الشعراء وقيمتهم، إذ يتمتعون فقدرة عجيبة على الاندهاش أمام كل شيء. وبذلك فهم يضفون الطابع السحري والأسطوري والمقدس على الحياة والأشياء، كبيرة وصغيرة، وهو ما يعمل العلماء، بوعي منهم أو بدون وعي، على أن ينزعوه عن كل شيء، فيغدو الكون معهم سطحيا ومسطحا، لا عمق فيه، ولا معنى.
في الواقع، إن الشعر لا يحتاج إلى مواضيع كبرى حتى يكون عظيما. فحتى المواضيع التي قد تبدو تافهة ويومية وروتينية يمكن أن تُكتب عنها قصائد جميلة. فالعبرة في الشعر لا ترتبط بالموضوع أبدا.
وبطبيعة الحال، يحتاج الشاعر إلى حبيبة. وحبيبته لا يمكن أن تكون امرأة عادية. لا بد لها من أن تكون استثنائية، وتختلف عن كل النساء. عندما تشاهد لورا (غولشيفته فرحاني)، ذات الجمال الفارسي الأصيل الذي لا تخطئه العين، تعرف أنها إنما خُلقت لتكون حبيبة شاعر. لا يمكنها أبدا أن تكون حبيبة شخص آخر غيره. وقد كانت تؤمن بعظمة شعر شاعرها، وتشجعه على نشره، وتخاف من ضياعه، وتحثه على نسخه. بل ذهب بها الأمر إلى حد البحث عن قواسم مشتركة بينه وبين شعراء كبار في الماضي. وقد وجدت أن بترارك، الشاعر الروماني المعروف، كانت له امرأة جميلة يحبها تحمل مثلها اسم لورا. وإلى جانب ذلك فقد كانت فنانة تشتغل في ميدان الصباغة وتحلم أن تكون موسيقية.
تمضي الأيام على المنوال نفسه. وفي يوم السبت تقترح لورا على بترسون الذهاب إلى السينما. فالفنان بطبيعته يشتغل بالفن ويعيش عليه. ينتجه ويستهلكه. يشاهدان فيلم رعب باللونين الأبيض والأسود. وعندما يعودان إلى البيت يعيشان تجربة رعب حقيقية، إذ يجدان أن مذكرة الشاعر التي تحوي قصائده قد مُزقت تمزيقا. والكلب هو الذي فعل ذلك كما لو أنه انتقام منهما لتركهما إياه وحيدا في البيت.
تحاول لورا عبثا مواساة بترسون في مصابه الجلل. لكنها تعرف بكل تأكيد، ومثله تماما، أن الشاعر لا يمكنه أبدا أن يعيد كتابة قصيدة واحدة من قصائده مهما كد واجتهد. لذلك لا أمل له في استعادة ما ضاع، ولا عزاء له غير حب لورا ومشاركتها له في حزنه. جعله هذا الحدث يعتقد أن مرحلة الشعر قد انتهت، وفقد جزءا من هويته، وما عاد شيئا آخر غير سائق حافلة. لكن سائحا يابانيا سيمنحه هدية عبارة عن دفتر بيضاء أوراقه. الشيء الذي، رغم بساطته، بدا كأن القدر تدخل، في شخص سائح ياباني، ليعيد الأشياء إلى أصلها، وليرسم له حياة جديدة قوامها الشعر. بطريقة ما علِم بترسون أن القصيدة الموعودة لا تزال تنتظر في الأفق. أخرج القلم من جيبه، وبقي ينتظر الإلهام، ونحن ننتظر معه. فالصفحات البيضاء حبلى بقصائد في طور التخلّق.
كان لقاؤه بالسائح الياباني قبالة شلال المدينة. وهو مكان عزيز على قلب بترسون. وقد كان ذاك السائح محبا للشعر. ولهذا السبب قدم لزيارة مدينة بترسون التي عادة ما يقرنها في كلامه بنيوجرسي. ما أجمل أن تقطع، مثله تماما، مسافات طويلة، من شرق الأرض إلى غربها، لتعيش أياما في مدينة غريبة فقط لأن شاعرا من الشعراء المحبوبين عندك عاش فيها. هي سياحة شِعرية وشاعرية. وقد كان ذاك السائح بدوره يكتب الشعر لكن باللغة اليابانية، وهو يؤكد على أن ترجمة الشعر شيء أقرب إلى المستحيل، ويشبّه الأمر باستحمام المرء وهو يلبس معطفا شتويا. يا له من تشبيه جميل وبليغ!
يجعلك الفيلم تعيد ترتيب أولويات حياتك، حتى لا تتدفق مع التيار السائد والجارف، تيار السرعة والتغير المستمر، والبحث المضني والباتولوجي عن الجديد، والذي يدفع المرء دفعا إلى الجنون. يدفعك الفيلم إلى أن تتمهل، وتتوقف عند العادي والبسيط والمألوف، وتقف عنده طويلا، وتفتح عينيك حتى ترى كل التفاصيل، وتشعر بكل شيء حولك، وتستمتع بكل شيء، وتشارك الآخرين لكن دون أن تكون متاحا دائما وأبدا. تكفي الإشارة هنا إلى أن شاعرنا لا يتوفر على هاتف، ويرفض تماما أن يكون له واحد، رغم إلحاح لورا، ويعتقد أن العالم كان أفضل بدونه.
كما يجعلك الفيلم تؤمن بأن الحياة بدون أدب وفن تفتقر إلى الكثير من مقومات الحياة الحقة. فالإنسان، دون غيره، كائن مبدع. ويمكن لإبداعه أن يتجسد في كل جوانب حياته. ولورا نموذج يُحتذي. فقد كانت تبدع في ديكور منزلها وطبخها وملابسها قبل أن تشرع في الإبداع في الموسيقى. ولكي يتطور إبداع المرء عليه أن يدخل في علاقات مع المبدعين الكبار، قدماء وحديثين ومعاصرين، من خلال الاطلاع على أعمالهم، وقراءة مؤلفاتهم. ويبدو أن بترسون نفسه كان قارئا كبيرا. وهو ما يتجلى في مكتبته العامرة في البيت، وفي حواره مع السائح الياباني، الذي يظهر سعة معارفه وغناها.
إلى جانب كل ذلك يجعلك الفيلم تؤمن بأن الشعر ليس مجرد كلمات منمّقة وجميلة، وإنما هو، أولا وقبل كل شيء، أسلوب حياة. فحياة الشاعر ليست صاخبة وإنما هادئة ومسالمة. وكل شيء في الحياة، مهما بدا واضحا ومألوفا للآخرين، يحافظ بالنسبة له على غموضه، ويتستر على أسراره، ولا يبوح بشيء منها إلا على شكل رموز يحاول الشاعر ترجمتها إلى كلمات.
هذا ويدفع الفيلم مشاهده، لا سيما الفضولي، إلى قراءة أعمال كتّاب ومبدعين كبار من ميادين ومدارس أدبية وفنية مختلفة، مثل بترارك وإيميلي ديكنسون ووليام كارلوس وليام، ورواد مدرسة نيويورك مثل فرانك أوارا، والفرنسي جان دوبوفي المنظّر لـ”الفن الخام”… إلخ. ويقتضي هذا من المشاهد المعني أن تكون له ذائقة أدبية وفنية، ويعمل باستمرار على تطويرها. يقول جي. إم. كوزي، بخصوص الشعر، إنه يخاطبك منذ النظرة الأولى أو لا يخاطبك مطلقا. إنه ومضة الهام وومضة استجابة. مثل البرق. مثل الوقوع في الحب. فلكي يخاطبك الشعر يجب أن تكون لك القدرة أو على الأقل القابلية لفهم، أو محاولة فهم، خطابه وتذوقه. فتجعلك قراءة قصيدة واحدة منتشيا انتشاء لا يشبهه شيء، ولا يدانيه.
انتهى الفيلم سريعا على خلاف ما كنتُ أتوقع، وقد ترك في النفس، وفي الجسد أيضا، إحساسا جميلا جدا. حضرتني على الفور أفلام أخرى شبيهة به، سبق لي أن شاهدتها من قبل وأحببتها بكل تأكيد، مثل فيلم “نجمة ساطعة”Bright star ، لصاحبته جين كامبيين، والذي يتناول حياة الشاعر الكبير جون كيتس، الرجل الذي استطاع أن يكتب مكنونات صدره قبل أن يخطفه الموت قبل منتصف العشرينيات من عمره. وعنوان الفيلم هو عنوان إحدى قصائده الجميلة. كما حضرني فيلم “سيلفيا Sylvia” لصاحبته كرستين جيفس، وهو يحكي قصة الشاعرة سيلفيا بلات، ذات المشاعر الرهيفة والملتهبة والقلم الجبّار. وقد صنعت لنفسها اسما في الأدب الأمريكي المعاصر. والمدهش في الفيلمين أن المخرجتين معا نيوزيلنديتان. والمدهش أكثر هو أن حبيبة كيتس كانت تحب الشعر حبا جمّا، كما كان حبيب بلات شاعرا. وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أنه ليست الطيور التي تتشابه هي التي تتجمّع في ما بينها فقط، وإنما البشر كذلك.
بدأتْ تلك الليلة بمشاعر سلبية، ضيق وانزعاج وغضب. لكنها سرعان ما تحولت إلى ليلة في طليعة الليالي الغرّ تمازج فيها وامتزج سحر الليل مع دفء إنساني. ليلة شِعرية وشاعرية عزّ نظيرها، بسطتْ أفرشتها الوثيرة لي كي أستمتع بشيء مفرط في إنسانيته قبل أن أنام نوما عميقا وسعيدا. فهنيئا لي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.