Achieving perfection and excellence: a socio-cultural approach
غالبًا ما يرتبط السعي إلى التميز والدقة في تنفيذ الأفكار أو ما يطلق عليه بمصطلح “الكمال” (مع العلم أن الكمال لله عز وجل) بدلالة مؤثرة. غير أن الأشخاص الذين تكون لديهم حساسية مفرطة في إتقان الأشياء قد تنتج عنه دلالة سلبية على أنه قد يؤدي إلى الوسواس القهري والتدمير الذاتي.
ومع ذلك، يمكن أن تكون المدرسة الفكرية المثالية والتي تسعى إلى الدقة والتدقيق في الأشياء عقلية إيجابية تدفع الأفراد نحو التميز والاهتمام بالتفاصيل والتحسين المستمر. ومن جهة أخرى يمكن أن يؤدي السعي إلى الكمال بصفة عامة إلى زيادة الإنتاجية والتحفيز والنجاح. كما يمكن أن يكون تبني المثالية مفيدًا بشكل خاص في تغيير عقلية شعوب البلدان النامية نحو نظرة أكثر إيجابية مع نشر تلك الثقافة بين أفراد تلك الشعوب. في هذا المقال، سوف نستكشف فوائد الكمال والدقة في العمل، وكيف يمكن لذلك أن يساعد في تغيير عقلية شعوب البلدان النامية، وكيف أن الدين، وخاصة الإسلام، قد دعا إلى أهمية السعي إلى الكمال في جميع جوانب ومناحي الحياة. سنناقش أيضًا كيف يمكن للأفراد تجنب الأخطاء الكبيرة من خلال تبني عقلية الكمال أو الدقة في العمل، باستخدام أمثلة من الرعاية الصحية والطيران على سبيل المثال لا الحصر، وغيرها من المجالات.
فوائد الكمالية أو الدقة في العمل:
يمكن أن يؤدي السعي إلى الكمال إلى العديد من النتائج الإيجابية، بما في ذلك زيادة الإنتاجية والاهتمام بالتفاصيل والتحفيز على تحسين الذات باستمرار والأهم من ذلك هو تجنب الأخطاء الكارثية وتحفيز النفس نحو الأفضل. وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Journal of Personality and Social Psychology)، فإن “الكمال يرتبط ارتباطًا إيجابيًا بدوافع الإنجاز وتحديد الأهداف، ويرتبط سلبًا بالمماطلة والمخاوف المتعلقة بالكمال” (Stoeber & Otto ، 2006).
ومن جهة أخرى، يمكن القول بأن السعي إلى الكمال يمكن أن يصبح ثقافة المجتمع وأن يؤدي أيضًا إلى مستويات أعلى من النجاح والإنجاز. في دراسة أخرى نشرت في مجلة علم النفس التطبيقي، وجد الباحثون أن “السعي نحو الكمال كان مرتبطًا بشكل إيجابي بالأداء الوظيفي، وهذه العلاقة تم توسطها جزئيًا من خلال التوجه نحو الهدف للأفراد” (2007 Gordon et al.,).ويرى باحثون آخرون بأن السعي إلى الكمال يمكن أن يؤدي أيضًا إلى مزيد من السعادة والرضا عن الحياة نظراً لما يحققه الفرد من نتائج إيجابية في حياته العملية والاجتماعية. في دراسة نُشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، وجد الباحثون أن “الكمال ارتبط بشكل إيجابي بالرضا عن الحياة، وهذه العلاقة تم توسطها من خلال احترام الذات” (Rice et al., 2008).
الكمال أو الكمالية والدول النامية:
يمكن أن يكون الانتماء إلى مدرسة الفكر المثالية مفيدًا بشكل خاص في تغيير عقلية شعوب البلدان النامية نحو نظرة أكثر إنتاجية وإيجابية. في العديد من البلدان النامية، يمكن أن يؤدي نقص الموارد والبنية التحتية إلى الشعور باليأس وانعدام الحافز. ومع ذلك، فإن تبني عقلية الكمال يمكن أن يساعد الأفراد في تلك البلدان النامية على السعي لتحقيق التميز وتحسين أنفسهم ومجتمعاتهم باستمرار.
أحد الأمثلة على ذلك هو نجاح حركة التمويل الأصغر في دول مثل بنغلاديش والهند، حيث تقدم مؤسسات التمويل الأصغر أو ما يسمى بالقروض الصغرى، مثل بنك جرامين (Grameen Bank)، قروضًا صغيرة للأفراد الذين لن يتمكنوا من الوصول إلى الموارد المالية لولا ذلك. غالبًا ما تستخدم تلك القروض لبدء الأعمال التجارية الصغيرة، والتي يمكن أن توفر مصدر دخل وشعورًا بالارتياح نحو تحقيق الهدف لدى لأفراد في تلك البلدان السائرة في طريق النمو.
يعود نجاح حركة التمويل أو القروض الصغرى جزئياً إلى العقلية المثالية لمؤسسها محمد يونس، حيث يعتقد هذا الأخير أنه حتى أفقر الأفراد في المجتمع هم قادرون على تحقيق أشياء عظيمة إذا أتيحت لهم الفرصة والموارد اللازمة للقيام بذلك. ونلاحظ بأن هذا الاعتقاد قد أدى إلى إنشاء بنك جرامين وتطوير حركة التمويل الأصغر من خلاله، والتي ساعدت ملايين الأفراد في تلك البلدان السائرة في طريق النمو على تحسين حياتهم ومجتمعاتهم. إن الشيء اللافت للنظر في كل هذه العملية هو تفاني هؤلاء الأشخاص وحرصهم على عدم ضياع الفرصة، فتجدهم يدققون في كل شيء ويحرصون على أن تكون كل جزئية في مشروعهم الصغير في منتهى الجودة كي يكلل بالنجاح. هذا الخوف من الضياع أو الخسران دفع بالعديد من هؤلاء المقترضين إلى تبني فلسفة الكمال في الإنجاز، كما لعب عنصر الخوف من المحاسبة هو الآخر دورا فعالا في غرس تلك العقلية أو الثقافة وترسيخها في المجتمع.
ومن المعلوم أن عدم الاتقان أو تبني فلسفة الكمال قد ينتج عنه الإهمال، وبالتالي فإن ذلك قد يكون سبباً حقيقياً في حدوث كوارث كسقوط الطائرات بسبب تلك الأخطاء وعدم التدقيق في الأشياء، أو سقوط ضحايا في غرفة العمليات في المستشفيات إلى غير ذلك من الكوارث والفواجع.
الدين والكمال:
لطالما دعت الديانات السماوية، وخاصة الإسلام، إلى أهمية السعي للتميز والكمال في جميع مناحي الحياة. وبذلك يعتبر مفهوم الإتقان والإحسان، الذي يعني الامتياز أو الكمال والسمو بالنفس إلى مرتبة الرضا والقناعة بجودة الشيء أو العمل، أمرًا أساسيًا في التعاليم الإسلامية. ومن الاحاديث التي تحث على إتقان العمل، قال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) “إن الله يحب المحسنين” ويقول الرسول الكريم أيضاً: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. ويقول صلى الله عليه وسلم: “من بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له” ويقول أيضاً: “من بنى بنياناً من غير ظلم ولا اعتداء أو غرس غرساً في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جار ما انتفع به من خلق الله تعالى “.
هذا و.قد أدرك العلماء والمفكرون عبر التاريخ أهمية السعي للتميز والكمال. وعلى سبيل المثال، كتب العالم ستيف جوبز وهو رجل أعمال وعالم كمبيوتر ومخترع (1955 – 2011): ” الناس تحكم عليك من خلال أدائك، لذلك ركز على مخرجاتك، أجعل الجودة و الإتقان هي مقياس أعمالك ولا تنظر إلى الكم ولكن إلى الكيف .” . وقال الفيلسوغ أغلاطون: “اتقن عملك تحقق أملك”. وقال العالم ديدرو: ” لا يكفي أن تصنع خبزا، عليك أن تحسن صنعه”.
تحقيق الكمال والتميز في المدارس:
ذكرنا سابقاً بأننا يمكنا تعريف الكمال على أنه “الرغبة في تحقيق الكمال والتميز في عمل الفرد وسلوكه وأدائه”، وبما أن الأمر كذلك، فيمكن التأكيد على ذلك من خلال العملية التعليمية في المدارس حيث يمكن أن يكون للكمال آثار إيجابية وسلبية على الطلاب. في حين أنه يمكن أن يحفز الطلاب على التفوق في دراساتهم، إلا أنه يمكن أن يؤدي أيضاً إلى القلق والشك بالنفس والإرهاق إذا ما تجاوز ذلك الحد المعقول. ومع ذلك، يجب التأكيد على فوائد الكمال وإتقان العمل في المدارس لتشجيع الطلاب على السعي لتحقيق التميز مع الانتباه أيضاً إلى صحتهم العقلية والجسدية ورفاهيتهم أيضاً.
ولا شك أن من أهم فوائد تعليم الطلاب الكمال وإتقان العمل في المدارس أنه يمكن أن يحفزهم على العمل بجدية أكبر والاستجابة لروح المنافسة الشريفة وتحقيق أهدافهم. ويرى بعض الباحثين بأنه غالباً ما يميل الكماليون إلى وضع معايير عالية لأنفسهم وتكون مدفوعة بالرغبة في التفوق في دراساتهم، مما يجعل المنافسة شرسة في بعض الأحيان. لكن ربما يمكن أن يساعدهم هذا الدافع على الأداء الأكاديمي بشكل أفضل وتحقيق النجاح في حياتهم المهنية. كما قال جون ديوي، الفيلسوف الأمريكي والمصلح التربوي، ذات مرة، “التعليم ليس إعدادًا للحياة؛ التعليم هو الحياة نفسها”. بمعنى آخر، فإن الرغبة في التميز والدافع لتحقيق الكمال جزء لا يتجزأ من عملية التعلم نفسها، وهكذا يجب أن تكون.
فائدة أخرى للكمال في المدارس هي أنه يمكن لتلك الفلسفة أن تساعد الطلاب على تطوير مهارات التفكير النقدي (Critical Thinking) وحل المشكلات (Problem Solving). ومن الملاحظ أيضاً أن أصحاب الكمال يميلون إلى التركيز على التفاصيل الدقيقة والتحليل، مما يساعدهم على تحديد المشكلات المحتملة والتوصل إلى حلول فعالة في الوقت المناسب وقبل فوات الأوان. ويرى الباحثون في مجال التربية والتعليم بأن هذه المهارة مفيدة بشكل خاص في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، حيث يكون الاهتمام بالتفاصيل وحل المشكلات أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق النجاح وتفادي الأخطاء والحوادث والكوارث.
ومع ذلك، فمن المهم التأكيد على أن السعي إلى الكمال وإتقان العمل لا ينبغي أن يأتي على حساب الصحة العقلية والجسدية والرفاهية للصبي أو الطالب. فعندما يركز الطلاب بشكل كبير على تحقيق الكمال وإتقان العمل، يمكن أن يصبحوا قلقين ومجهدين ومرهقين. لذلك، من الضروري تشجيع الطلاب على إعطاء الأولوية للرعاية الذاتية وطلب المساعدة عندما يحتاجون إليها وفي وقتها المحدد تجنباً لبعض المشاكل المحتملة.
خلاصة:
في الختام، يمكننا القول بأنه يجب التأكيد على فوائد مهارة الكمال وإتقان العمل في المدارس لتحفيز الطلاب على السعي لتحقيق التميز مع مراعاة صحتهم العقلية والجسدية ورفاهيتهم، كما أشار إلى ذلك جون ديوي. كما يجب أيضاً تشجيع الطلاب على وضع معايير عالية لأنفسهم بغية تحقيق الأهداف بشكل سليم وممتاز، وتطوير مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات، وإعطاء الأولوية لصحتهم العقلية والجسدية ورفاهيتهم. ومن الملاحظ أنه خلال تحقيق التوازن بين السعي لتحقيق التميز والرعاية الذاتية، يمكن للطلاب تحقيق النجاح الأكاديمي مع الاستمتاع أيضًا بحياة مُرضية ومجزية. ولا ينحصر تطبيق نظرية أو فلسفة أو مهارة الإتقان والكمال على العمل المدرسي فحسب، بل يجب أن يكون ذلك بمثابة ثقافة سائدة في المجتمع بجميع شرائحه ومجالاته، وبالتالي، فإن الحرص على تعميمه على جميع مناحي الحياة (وخاصة في الادارات ومراكز اتخاذ القرار في الوزارات ومؤسسات الدولة) يجب أن يكون مبدءاً سائداً وشائعاً بين الناس، لأن ذلك من شأنه الحد من الإهمال والغش والفساد والرشوة. ومن المعلوم أن المواطن أو الفرد الصالح هو من ينشد الكمال في الأشياء ويسعى إلى إتقان عمله وكسب قوته من الحلال، ويتسابق في الاحسان وفعل الخير عملاً بمبادئ دينه وتعاليم رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، كي يصبح بالفعل فردا نافعاً ومواطناً حريصاً على سلامة مجتمعه وسلامة نفسه وأسرته.
والله ولي التوفيق،،،
موضوع مهم ، خاصة في شقه المتعلق بالتربية والشباب…حيث أزمة العمل والإيمان بالعمل اكبر من البحث عن الكمال في الأداء ، ويمكن ان نضيف خصوصية بعض الممارسات المهنية التي لا يمكن ان نتحدث فيها الا عن الكمال او اقله الاقتراب من الكمال ، كالاعمال والمهام المتعلقة بالتربية والصحة.. وهنا خلقت الدول المتقدمة الفرق.