عيد ميلاد سعيد "كيرا"

عيد ميلاد سعيد "كيرا"
الجمعة 23 يونيو 2023 - 20:10

هي حفلة مكتملة الأركان. لا ينقصها أي شيء. حلوى، وشموع، وموسيقى، وحضور، و”كيرا” عروس الحفلة. كل الأضواء مسلّطة عليها، وكل الأبصار متجهة إليها. تبدو سعيدة جدا بذلك. كيف لا والحفلة حفلتها، والجميع إلى جانبها مبتهج بها ومعها. إنه عيد ميلادها. تشهد على ذلك قبعة عيد الميلاد التي تزين رأسها الصغير، واسمها المنقوش بالكْريمْ، وباللغة الإنجليزية، على الحلوى مُرفقا بعبارة عيد ميلاد سعيد.

إنها تشع نورا. فهي نور. على الأقل هذا ما يعنيه اسم Kira في واحد من معانيه الكثيرة. يبدو اسمها غريبا، وإن كان له، دون شك، وقعٌ جميل. إنها مثل الكثير من بنات جنسها، ومن أبناء جنسها، وحتى من أجناس أخرى، تحمل اسما غير متداول، بل وغير معروف عند الكثير من الناس. ليست له، على أي حال، نغمة عربية.

عندما كنت أتحدث عنها كنت أستخدم ألفاظا من قبيل “كلبة” و”حيوان”. انتبهتُ إلى أن ألفاظي مسيئة، وتحمل دلالات قدحية واضحة، وإن كانت غير مقصودة أبدا. ولأن صاحبتها من طينة النساء اللواتي يجعلنك تدرك خطأك بصمتهن، ودون التفوه بأي كلمة، فقد تنبّهت سريعا إلى ألفاظي، وشعرت بالخجل. في العادة، لا نقول الإنسان فلان، لأن اسمه وحده كافٍ، فهو يتضمن في حد ذاته صفة إنسان. فلماذا، وأنا أتحدث عنها، لا أكتفي بذكر اسمها دون السابقة كلبة أو حيوان؟ للأسف، لقد وضعتُ نفسي بنفسي في موقف محرج. يا لغبائي!

من يعرف صديقتي يمكنه أن يقول إن الأمر عادي جدا، ومتوقع تماما، وليس بغريب أبدا، ما دام والدها طبيب بيطري. فقد تربّت منذ نعومة أظافرها على رؤية الحيوانات، وعاشت بالقرب منهم بحكم مهنة والدها. بيد أن الأمر ليس استثناء أبدا، ولا يخصها وحدها.

“كيرا”، في نظر صديقتي، ليست مجرد كلبة مثل كل الكلاب، وليست حيوانا مثل باقي الحيوانات، وإن كانت تشترك مع الكلاب والحيوانات في كل الخصائص والصفات الأساسية. هل كانت “بلوندي”، كلبة أدولف هتلر، القريبة جدا إلى قلبه (هل كان له قلب حقا؟)، مجرد كلبة وهي التي شاركته الحياة ونشوة الانتصارات، كما شاركته الانكسارات، بل وماتت معه في قبوه، وفي قلبه خيبة أمل بحجم الحياة؟

لقد صارت “كيرا” ببساطة فردا من عائلة صديقتي، وجزءا لا يتجزأ منها، وعنصرا لا تكتمل العائلة إلا به، ولا يمكن التفريط فيه بأي شكل، وتحت أي ظرف. لقد بات وجودها حيويا، ويفرض منحها الرعاية والاهتمام، ويتطلب تمتيعها بحقوقها كاملة، بما في ذلك تلبية حاجتها إلى الترفيه والنزهة والسفر، والسهر على الاحتفال بعيد ميلادها كل سنة، وتقديم الهدايا لها، والحرص على حضور أصدقائها وصديقاتها لزيادة كمية وكثافة فرحتها وسعادتها.

من الواضح أن هناك ميلا متزايدا إلى إضفاء الطابع الإنساني على الحيوان. لقد أخذ هذا الأخير يصير أكثر إنسانية بفعل عملية الأنسنة المتواصلة. بات من المألوف أن نتحدث عن جمال الحيوانات، وعن مسابقات وُجدت خصيصا لهذا الغرض. وبما أن الجمال لا يكتمل دون موضة، فإن هذه الأخيرة لم تعد مقتصرة على الإنسان وحده، وإنما صارت مطلبا لدى الحيوانات أيضا. صار من الممكن اليوم الحديث عن كلب أنيق وعن كلبة “سيكسي Sexy”.

كما أن هناك حديثا، مدعّما ببحوث ودراسات وحتى بمزاعم غير متحقق منها، يخص مشاعر الحيوانات، بل وحياتها الروحية أيضا. وصار مسموحا، في بعض المجتمعات على الأقل، أن ترافق الحيوانات أصحابها إلى المعابد للحصول على مباركة رجال الدين. وأكثر من ذلك هناك إحصائيات عالمية ترتبها حسب درجة غناها، وما تملكه في أرصدتها البنكية.

لم يعد وجود حيوان أليف في البيت يقتصر على البلدان الغنية فحسب، وإنما امتد ليشمل البلدان النامية، ولم يبق حبيس الطبقات الاجتماعية العليا وحدها، وإنما بات ينسحب حتى على الطبقات الدنيا. ولذلك فعدد الحيوانات الأليفة في العالم يعرف تزايدا كبيرا ومطردا، وإن بنسب متفاوتة بين الشمال والجنوب. وتعرف الأسواق الوطنية والدولية الخاصة بها رواجا كبيرا. وقد ظهرت شركات اختصت في توفير الأغذية المناسبة لها، وخصصت شركات أخرى فروعا لها لإنتاج هذه الأغذية. ويكاد لا يخلو متجر من المتاجر، في عالم اليوم، حتى في الأحياء الشعبية، من أطعمة خاصة بهذه الحيوانات. والاطلاع على حجم المعاملات التي تخص هذا القطاع يجعل المرء يصاب بالدوّار حقا.

وقد بلغ الأمر إلى حد أن بعض الإحصائيات تشير إلى أن عدد الحيوانات الأليفة في بعض البلدان يتزايد بوتيرة تفوق عدد المواليد من البشر. الأمر الذي يدعو إلى القول إننا صرنا نعيش في مجتمع “مُحب للحيوانات”. “زوفيليا Zoophilia” مع استبعاد الجانب الجنسي. وبطبيعة الحال، أعرف تماما أن هناك تفسيرات فلسفية وسيكولوجية وسوسيولوجية وأنثربولوجية كثيرة لهذه الظاهرة، لكن ليس هنا المجال للخوض فيها.

ولترسيخ هذا الأمر أكثر ظهرت، وتظهر باستمرار، مؤسسات وجمعيات وطنية ودولية هدفها حماية الحيوانات، وضمان حقوقها، بل والمطالبة بمنحها صفة المواطنة. لما لا وهي تشاركنا هذا العالم وتقاسمنا إياه؟

من الواضح أنه انتهى ذلك العصر الذي كان فيه الإنسان يُعتبر مركز الكون بفعل ما جادت به الطبيعة عليه من هبات، وأهمها العقل، كما أكدت على ذلك الفلسفة اليونانية. كما انتهى ذلك العصر الذي كان فيه الحيوان، تحت تأثير الفلسفة الديكارتية، يعتبر مجرد آلة أحكم الله صنعها. أي كشيء ميكانيكي فحسب.

ويمكن القول إن عناق فرديريك نيتشه لذلك الحصان المنحوس، الذي كان يُعاقب لعناده بالسياط، وبكاءه عليه، يشكل نقطة تحول مفصلية تجسد تغيّر نظرة الفلاسفة المعاصرين إلى الحيوان. علما أن ثمة مدرسة فلسفية قديمة، هي المدرسة الكلبية، أعطت اهتماما خاصا للكلب، بل اعتبرت أن حياته يمكن أن تجسد نموذجا للحياة المثالية.

حتى في السينما، هناك أفلام كثيرة لعبت فيها الكلاب دور البطولة بامتياز. اكتفي بذكر فيلم “هاتشي Hatchi” الذي أخرجه لاس هالستروم. وهو مستوحى من قصة واقعية. ويحكي الفيلم حياة كلب ياباني، يسمى هاتشي، عاش في أمريكا، وكان يرافق صاحبه أستاذ الموسيقى (ريتشارد جير) إلى محطة القطار في الصباح وينتظره في المساء ليعودا معا إلى البيت. عندما مات صاحبه لم يستوعب الكلب الأمر، واستمر في الذهاب إلى المحطة في الوقت المعلوم، إلى أن أفنى حياته، ومات فعلا، في انتظار من لن يأتي أبدا.

إن موت حيوان أليف يكون له وقع الفاجعة. وللتخفيف من الألم يسعى بعض الأثرياء إلى استنساخ “Clonage” حيواناتهم المحبوبة. بينما يقيم الآخرون مراسيم جنائزية حقيقية مهيبة، ويتلقون العزاء في فقيدهم، ويوارى جسد الميت الثرى، في بعض الأماكن من العالم، في مقابر خاصة بالحيوانات.

وقد يصل الأمر أحيانا إلى كتابة نصوص في رثاء الفقيد. نصوص نثرية وشعرية تقطر حسرة وأسى. تحضرني قصيدة “موت كلب” “A dog has died” لبابلو نيرودا. مات كلبه، رفيقه، فدفنه في حديقته، وبات ينتظر الموت ليلتحق به، وقد بلغ به الحزن مبلغا عظيما. يقول الشاعر:
There is no good-byes for my dog who has died

في الأول، كما في الأخير، لا يسعني إلا أن أقول: عيد ميلاد سعيد “كيرا”. وأطال الله في عمرك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 13

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع