لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لبيك.
صليت المغرب في طيبة، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد حملني الشوق سنين عديدة وأعواما مديدة، وكنت كلما سافرت خارج وطني إلا اعتذرت من الحبيب المصطفى، وقدمت له العذر، إذ كيف يطيب لي السفر خارج وطني ولا تكون مكة المكرمة قبلتي والمدينة المنورة وجهتي؟
هذه المرة عزمت أمري واتخذت الأسباب وتوكلت على مسبب الأسباب، قلت أتحجج بأمي، وربما تنفعني هذه الحجة، وأتمسك بها وأجعل عذري مقبولا، إذ كيف بي أزور المقام دونها؟ وهل يجوز أن أقصد أفضل البقاع وهي ليست معي؟
وكيف أجمع عليها همين، هم تشوفها لزيارة البقاع، وهم أنانيتي لو قصدت الزيارة وهي ليست بجنبي.
مسكينة، وهي التي أنهكها المرض وهدها هدا وجعلها كأعجاز نخل خاوية، كنت أرجو أن يمد الله لي ولها في العمر فأظفر وهي عندي وفي كنفي، ووجهي ممرغ في أرض وطئها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وتحت أقدامها، أو ليست المدينة المنورة هي جنة الدنيا؟ أو ليست الجنة تحت أقدام الأمهات؟
إذن هما جنتان، جنة حبيبي المصطفى، وجنة أمي.
كان التيسير مذ قررت اصطحابها، وفي أقل من عشر ليال هيأت لها البطاقة الوطنية، والجواز، بل وحتى التأشيرة، فعلمت يومها أن الناقة مأمورة وأن الرياح تجري حيث تشتهي سفننا.
عرضت الأمر على زوجي وطلبت منها أن تصحب معها الحاجة الوالدة، فاستجابت على الفور، فقلت إذن هي رفقة طيبة ورب غفور.
خرجنا من طنجة الأربعاء فجرا ودخلنا طيبة الخميس فجرا، وكنت على عجل، أحب أن أصلي هناك حيث الصلاة بألف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: (صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد).
خرجت مهرولا، أسرع الخطى لعلي أظفر بصلاة الفجر، ولك أن تشعر بالصلاة أول مرة في مكان من الجنة.
بكيت دون دموع، بكيت بكاء الفارح، كأني خرجت من السجن، ورجعت إلى أهلي، وكأني طائر غادر قفصه دون رجعة، ورجعت بي الذاكرة، لأنشودة جميلة للفنان رشيد غلام:
كعصفورة بكفي طفل يضمها “”””” تذوق سياق الموت والطفل يلعب
فلا الطفل ذو عقل يحن لما بها “”””” ولا الطير ذو ريش يطير فيهرب.
لا إله إلا الله لا إله إلا الله والحبيب رسول الله.
وهي بجنبي تطير فرحا وترتعد شوقا، أراها تمسك بيدي، وكأنها تريد أن تقبلها، فأهرع إليها أقبل يدها ورأسها، ولولا مخافة الرياء لقبلت ما تحت أقدامها، مسكينة توشك أن ترقص من الفرح، تسترجع الذكريات، تسترجع المآسي كما تسترجع المسرات، هموما وأحزانا حملتها لتلقها بحضرته، تحمد الله وتشكره، وفي يقينها أن الله استجاب لها وحقق مرادها، وهي ترجو صادقة أن لو كان اقترب أجلها فيجعل موتها في المدينة، وكأنها اطلعت على حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا علي بن عبد الله؛ حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها).
صلينا الظهر والعصر ورجعنا بين يدي صلاة المغرب، وجدت آلاف من المحبين، من العاشقين كلهم يرجو نظرة، كلهم يرجو شربة بيده حيث لا يظمأ أبدا، كلهم يرجون الشفاعة.
أنوار تهب نسماتها من رحاب المسجد، عبرات تسكب في قلوب الملايين، هنا حيث سطع النور، هنا حيث بدد الله الظلام، هنا حيث البداية، هنا حيث الدولة هنا حيث الجنة هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلا حيث وبلا واسطة.
سمعت أذان صلاة المغرب، فوجدت ولدين بوجهين أبيضين وبثياب بيض، يحملون تمرا يتحفون به رواد بيت الله، تمرات وتمرات، ودخلت المسجد فشربت من ماء زمزم، حتى تضلعت، وقلت في نفسي: صدق صديقي السيد الحكيم، كان قد أخبرني ونحن بغرناطة، أن هذه الأرض مباركة، أرض طعامها مبارك (التمر) وماؤها مبارك ماء زمزم) وحتى الهواء مبارك فيها، هكذا قالت لي أمي حتى حرارة جوها مبارك، وجعلت حديث الحبيب المصطفى نصب عيني ودليلي في مدينته.
روى أبو هريرة: (لَا يَصْبِرُ علَى لَأْوَاءِ المَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِن أُمَّتِي، إِلَّا كُنْتُ له شَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ، أَوْ شَهِيدًا).
قصدت أمي حجا وعمرة، ونحن خارج موسم الحج، فتركتها عند قصدها، فقلت لو صدقت الله لصدقها فهو صاحب القصد والنية، وكم كان الأمر محزنا عندما علمت بمنع من تجاوز سنه الخامسة والستين سنة من أداء مناسك الحج هذا العام.
جعلت أمرها بينها وبينه، وكم كنت أردد دعاء سمعته قديما (اللهم ارزقنا إيمان العجائز).
وتذكرت حديثا جاء عن أنس رضي الله عنه، عند الترمذي، وكذلك من حديث ابن عمر رضي الله عنهما “من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة”.
وفي رواية عند الطبراني “وصلى سبحة الضحى”.
فهو الكريم العزيز الوهاب إذا أعطى أدهش.
دخلت المسجد فارتعدت فرائصي، شعور غريب؛ ربما من ذاك الذي وصفه حسن أوريد في كتابه “رواء مكة” أو مأذونه صاحبي وأستاذي سيدي أحمد العبودي، في مجموعته القصصية “ومضات” تحت عنوان: موكب النور.
صليت ركعتين بعد صلاة الظهر وانتظرت ما يزيد على الساعة، حتى نقص عدد رواده، فحملت مصورتي وشرعت ألتقط بعض الصور والفيديوهات هنا وهناك، ولأني مولع بفن التصوير، جعلت مصورة من النوع الجيد لعلها تفي بالغرض، جودة عالية ودقة في التصوير، وبعدما فرغت جاءني شرطيان بلباسهما العسكري، وطلبا مني بأدب أن هذا الذي قمت به ممنوع، وأجبتهما أيضا بأدب من باب إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، فقلت لهما لم يكن في علمي ذلك، ولو شئتما أطلعتكما على الصور
تركتهما وفي خيالي، لم هذا التضييق؟ أيصل الأمر لهذا صنيع؟ وكنت قبل أسبوعين في غرناطة، وفي أهم المعالم السياحية بها “قصر الحمراء” ألتقط ما أشاء من الصور، كما كنت في فبراير من هذا العام في زيارتي الأولى لمسجد آية صوفيا بإسطنبول حيث صليت الجمعة، وكنت قد زرت مسجد الفاتح والمسجد الأزرق مرات متعددة، ولم أمنع من ذلك، شرحت للشرطيين أني مسلم مغربي، حتى لا يتوهما أني أجنبي للون عيني الأزرق وشعر رأسي الأشقر.
ودعك من هذا وذاك وكم هن الشقراوات الأجنبيات المائلات المميلات، اللائي ينشرن الرذيلة والفاحشة على جنبات الحرم وفي بلاد الحرمين.
خرجت من المسجد وتوجهت صوب أمكنة معدة لشرب المياه العذبة السلسبيلة الطيبة المباركة، فجاءني رجل بلباس عادي سلم علي ورحب بي فقدمت له نفسي أني مغربي، فرحب بي مبتسما، وقدم لي نفسه أيضا، فلم أكن أتوقع أنه شرطي بلباس مدني، ولجمال خلقه، وكنت قرأت بعضا من طباع أهل المدينة، وتميزهم عن أهل مكة؛ أخرج بطاقته الشخصية ليطمئنني أن الأمر عادي، وألا مجال للقلق أو الخوف، وبدأت أشرح له كما شرحت لهما من قبله، فاعتذر مني وطلب مني الصفح، وقال لي إنه كان متتبعا لحركاتي وسكناتي، قبل أن أكمل له الشرح، وفي الأخير طلب هويتي بأدب، فمكنته من جواز سفري الرقمي الذي بحوزتي بهاتفي، فودعني وانصرف، على إيقاع:
– لو احتجت شيئا يا حاج، فنحن في الخدمة، فأهل المغرب لهم مكانة وحظوة.
رجعت إلى الفندق فوضعت مصورتي في دولاب وسجنتها في مكان قصي مظلم وحكمت عليها بالسجن الموقوف التنفيذ لمدة أسبوعين، ريثما أعود أدراج وطني.
أهكذا هي بلاد الحرمين الشريفين؟ أليست هي بلاد الأمن والأمان والسكينة والطمأنينة والإيمان؟
ومن جميل الأقدار أن نصلي الجمعة في مسجد رسول الله، وفي كنفه وضيافته، قبل التوجه لمكة بيت الله الحرام، ثاني القبلتين وأولى الحرمين، قدمنا بين يدي مكة رسول الله، حتى نتطهر ونتزين قبل الدخول إلى بيت الله الحرام، نستمسك به، ونستشفع به عساه يطيبنا ويرقينا، صلى الله عليه وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.
بت ليلة الجمعة أنتظر يومها، ولأنها أرض مباركة هجعت قليلا فقمت مرتاحا نشطا، خفيفا من ثقل ودرن الدنيا وأوزارها، أمسكت بيدها مسرعين، حتى نظفر بصلاة آخر الليل.
دخلت المسجد فصليت حتى فرغت من قيام الليل، وجلست أستغفر الله حتى حان النداء لصلاة الفجر، شغلت هاتفي أسجل بالصوت والصورة، أذان صلاة الصبح، فشدني جمال الصوت وعذب الكلمات، وجمال الإيقاع، وأحسن المقامات وأجمل النغمات، بلاغ رباني ممتد عبر الزمان والمكان، ضارب جذوره في التاريخ والجغرافيا، إنه النداء الخالد: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
رجعت للفندق حيث نقيم، والمسافة أقل من عشر دقائق، فخلدت للراحة، على وقع الاستعداد لصلاة الجمعة، وهي أول صلاة لنا بهذا المقام، حشود بالآلاف إن لم تكن بمئات الآلاف كلهم حجوا من كل حدب وصوب، للصلاة في خير البقاع، استمطارا لمحبة رسول الله، وتقربا لله تعالى.
كان الخطيب قاصدا مقتصدا في خطبته، يختار أطايب الكلام، كما يختار الجائع أطايب الطعام، لم تتجاوز خطبته الأولى مع الثانية ومع الدعاء العشر دقائق، قلت هي السنة إذن في الأصل والمنشأ، في رحاب السنة وحضن الحبيب سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان الموضوع الحياء، والحياء من الإيمان، وكما جاء في الحديث: الإيمان بضع وسبعون شعبة، وفي رواية بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
خشيت على أمي من شدة الحر وهول الصلاة خارج المسجد حيث التكييف، لكنها أرض البركة، أرض أحبها رسول الله، فأحبته، جميلة بمائها وشرابها، جميلة طيبة بطعامها وهوائها، جميلة حتى بحرها وقيظها.
صلينا العصر ومكثنا مجتمعين قريبا من المسجد النبوي، ننتظر زيارة بعض المزارات القريبة من المسجد، حيث البقيع، والقبة الخضراء، ومسجد الغمامة، ومسجدي أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، وسوق المدينة، وسقيفة بني ساعدة.
كان دليلنا ومرشدنا الحاج سيدي زكريا موفقا في شرحه لنا بعضا من تاريخ هذه المعالم التاريخية، بدأ رحلته وشرحه بموعظة موجزة عن محبة رسول، وأن الجدران لا تحجبنا عنه فنحن معه، وفي حضرته قريبا من مضجعه الشريف، يحث عننا على الاستزادة من الصلاة والسلام عليه، نستمتع بحلو كلامه وعذب أسلوبه البسيط، الذي تعرفه أمي وتدريه.
ونحن نحظى بزيارتنا الأخيرة، أزبدت السماء وأرعدت، وأبرقت، ونزل الغيث على طيبة، كنت أرجو أن أرى هذا الغيث ولطالما سمعت عنه، وها أنا ذا اليوم الحمد لله أصيب منه، أمسح به وجهي وأدلك به قفاي وجبهتي، وأبلل به شعري، وأخلل به لحيتي.
وليل طيبة له طعم خاص، رجعت المسجد بعدما هجعت أمي، فألفيته يعج بالصلاة والذكر والتسبيح والتهليل، أنوار في أنوار سكينة ووقار.
كنت قصدت زيارة الروضة الشريفة، روضة من رياض الجنة، فقيل لي هناك تطبيق لا بد من تثبيته، (اعتمرنا) فرجعت الفندق مرة ثانية، وكانت الثانية ليلا من يوم السبت فحملت التطبيق على عجل، وأخدت موعدا للزيارة، فكان الثالثة صباحا، وجدت صفا فانتظمت فيه، حتى حان دوري، أطلعتهم على تصريحي بالزيارة، فسمحوا لي، رأيت عجبا، صفوف بالمئات ولربما بالآلاف تنتظر أن يسمح لها بالدخول، أقواما من العرب والعجم، أفذاذا وجماعات، قلوبهم تتفطر لرؤيته، والصلاة في روضته، قلوب جمعها الإيمان في أرض الإيمان، جمعنا الدين وإن اختلفنا في الأعراق والألوان والأوطان والجنسيات، واستحضرت قوله تعالى: في سورة الحجرات “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
قلت مع نفسي: كلهم جاؤوا إليه، شدهم الشوق إليه، يود أحدهم لو يفتديه بأبيه أو بأمه أو بأهله ودراريه، قد يطول المكث في الصف، وقد يستغرق الساعة أو الساعتين أو الثلاث، لا يبالي أحدهم بقسوة رجال الشرطة أحيانا، أو بالازدحام مرة أخرى.
يرددون بصوت واحد مسرين أحيانا وجاهرين مرات أخرى: الصلاة والسلام عليك يا حبيبي يا رسول الله.
رأيتهم مهرولين، فهرولت، لعلي أحظى بمصلى قرب الروضة الشريفة المشرفة، وحتى لا يكون بيني وبين المحراب حائل، صليت ركعتين، وثنيت بركعتين، وثلث، ولولا خوفي من صرامة رجال الشرطة وحزمهم، لجعلت صلاة الوتر النبوي هناك.
صليت مفجوعا مكلوما مكروبا، دخلت عليه بذنوبي، أرجو شفاعته، كما أرجو قربه وشفاعته، طلبت منه شربة بيده الشريفة.
أعلم أنه حي في مضجعه يسمعني، ولولا أوزاري، لسمعته وهو يرد علينا السلام، تذكرت قوله صلى الله عليه وسلم في آخر خطبته في حجة الوداع: “أمتي أمتي أمتي”.
– قلت يا رسول الله: أنا محمد، تسميت باسمك، زادي قليل، ما أظنه مبلغي، لكني أحبك يا رسول الله.
– أحبك يا حبيب الله، وقد قلت: المرء مع من أحب.
دليلنا في رحلة الأنوار الحاج زكريا الطاهري، تعرفت عليه قبل أربع سنوات، في سفري الأول خارج الوطن، رجل هين لين، من أصل صحراوي، خفيف الظل، كثير الدعابة، تحبه من النظرة الأولى.
لم تتح لي الفرصة حينها للتعرف عليه أكثر، وكما يقال معرفة الرجال كنوز.
وكما ورد عن الإمام علي كرم الله وجهه (استكثر من الإخوان فرب معرفة في الدنيا بركة في الآخرة).
التقينا في إسطنبول، أرض الفاتح، ولم يخطر ببالي يومها أن هذا الرجل الصحراوي سيكون دليلنا ومرشدنا في رحلة النور، ولو كنت أعلم ذلك، لأمسكت بحجزته، تعرفت عليه عن طريق أخي الحكيم، يشتغل في تنظيم الرحلات السياحية، وغالب رحلاته صوب مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإسطنبول عاصمة آية صوفيا، وصلاح الدين، ومسجد الفاتح، ومسجد السلطان أحمد، والمسجد الأزرق.
عشرات الرحلات التي كان يسهر عليها حتى أصبحت له دربة وخبرة، لكن تواضعه، جعله بين الفينة والأخرى يردد هذه العبارات:
– (كلها ورزقو) يتعمد اللسان الدارج حتى يعلم الجميع ما يقول.
أخبرنا الليلة ببرنامج زيارة المزارات، وجعل الوقت مبكرا، بعد الصبح مباشرة، نجتمع في بهو الفندق، فننطلق راشدين، لأننا نتشوف لزيارة هذه البقاع الطيبة المباركة، في مدينة طيبة؛ فقد كنا جميعنا في الوقت المحدد، بل وقبل حتى الموعد.
ركبنا الحافلة، فأخد مكبر الصوت وشرع في شرحه الجميل، المعطر بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبدأ بتذكيرنا بتجديد النية، وقد يدرك أحدنا بالنية ما لا يدرك بالعمل، يحببنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستهل كل مواعظه، بتحريضنا على الابتسامة، ثم الابتسامة، فنحن فرحون بالحبيب، يذكرنا بأننا ضيوف الرحمن في حضرة رسول الله، يقطع كلامه الجميل، زغاريد نسوة من هنا وهناك، نستتبع ذلك بترديد بعض الأناشيد.
تطوعت باختيارها وترديدها، ونحن قرب ثنية الوداع، وكلنا يردد:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع “””” وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع””” جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع.
وقفت الحافلة، كما بركت الناقة يومها، حين قال لهم الحبيب المصطفى: “دعوها فإنها مأمورة”.
أشار علينا بأن المحطة الأولى، هي مسجد قباء، أول مسجد في الإسلام، أول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كنا سبعا وعشرين تيمنا بليلة القدر؛ معظمهم من النساء، لهن حظين، ولنا حظ واحد.
تقدم النساء وكلفني بقيادة فريق الرجال، انتظرته حتى فرغ من خدمتهن، وسلمت له الراية، وأسلمت الرمح لباريها.
طلب منا التمهل قبل الصلاة، حتى يشير علينا باختيار مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد فيه.
فألفيتني كما نحن جميعا نتحسس نفس المكان عسانا نضع تلك الجباه على مكان سجد فيه الحبيب، وقد أخبرنا الليلة، بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه ابن ماجة عن سهل بن حنيف: “من تطَهَّرَ في بيتِهِ، ثمَّ أتى مسجدَ قباءٍ، فصلَّى فيهِ صلاةً، كانَ لَهُ كأجرِ عمرةٍ”.
ومسجدنا هذا ذَكَرَه اللهُ في قولِه تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108، فهو المَسجِدُ الَّذي أسَّسَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أوَّلِ مَقْدَمِه المدينةَ على التَّقوى والإيمانِ.
مَسْجِدُ أُسِّسَ على التَّقْوى، وهو أوَّلُ مَسجِدٍ بناه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينةِ، وللمَشيِ إليه والصَّلاةِ فيه فَضلٌ عظيمٌ.
قصدنا هذه المرة أحدا، جبل أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس أحدا فقط؛ غفر الله لي، وإنما الوجود أحبه ويبقى أحد قد جهر بالحب، كما جهر الجدع بالنحيب والبكاء، وصلت الحافلة أحدا، فشرع كعادته بالشرح والتفسير والبيان، يقدم لنا نظرة تاريخية عن غزوة أحد، وقبلها عن غزوة بدر، وختم بالأحزاب، عندما بلغ مكان الخندق، والنصر الذي نصر الله به جنده بالبرد الشديد والريح، وإسلام الصحابي الجليل نعيم بن مسعود، وتخديله عن المسلمين، والصحابي سلمان الفارسي، صاحب خطة الخندق والبحث عن الحقيقة، وعلامات النبوة، والخاتم، وسلمان منا آل البيت.
بأسلوب تعليمي بسيط، يسأل أحيانا، فنجيب، وفي خيالي أن الرجل ملم بأحداث السيرة، يختصرها ويقدمها لنا في طبق تطبيقي، بعيدا عن التنظير والتجريد.
والحقيقة أني كنت مولعا منذ صغري بدراسة السيرة والوقوف عند محطاتها، لكن هذه المرة، أرى أحدا بأم عيني، وأصعد جبل الرمات، وأذكر وصايا الحبيب: “لا تغادروا الجبل…..”.
هرولت مسرعا بعدما تسللت لأمي حتى لا تشعر بي، فأتمكن من صعود جبل الرمات، وأرجع لأمسك بيدها، لكني تفاجأت عندما التفت إليها فألفيتها خلفي، تركض كفتاة في سن الشباب، تجري بحذائها الرياضي الذي انتعلته صباحا، ربما لهذا الغرض.
لم أمنعها الصعود ولا أستطيع، ولربما هذا الجبل المبارك بصخره الأسود المدبب، يشبه تلك الجبال التي عاشت فيها وتربت فيها أمي؛ جبال مقدمة الريف.
قالت لي وهي فرحة مسرورة بهذا الإنجاز:
لا عليك ولا تخشى علي، فأنا أحسن المشي في الجبال –
فتركتها ترفل في نعيم جنة أحد، وبصنيعها هذا ذكرتني بقصة عمرو بن الجموح، والذي منعه أبناءه المشاركة في غزوة بدر وكان أعرج من ذوي الأعذار، لكنه أصر أن يشارك في غزوة أحد، وقال لهم: لن تمنعوني، وقال كلمته المشهورة: إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.
فكان من شهداء أحد، الذين تشرفنا اليوم بزيارتهم والسلام عليهم والدعاء لهم.
التقينا في إسطنبول، أرض الفاتح، ولم يخطر ببالي يومها أن هذا الرجل الصحراوي سيكون دليلنا ومرشدنا في رحلة النور، ولو كنت أعلم ذلك، لأمسكت بحجزته، تعرفت عليه عن طريق أخي الحكيم، يشتغل في تنظيم الرحلات السياحية، وغالب رحلاته صوب مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإسطنبول عاصمة آية صوفيا، وصلاح الدين، ومسجد الفاتح، ومسجد السلطان أحمد، والمسجد الأزرق. Life of pi
هي راحة نفسية يستشعرها البوذيون ، والهندوس ، والمسيحين ، واليهود . هي راحة لما تحب وتعتقد أنه الصواب ولكن الله في كل مكان وفي كل دين وحتى في قلوب القتلة والعاهرات . أحياناً نعتقد أن العالم مخطىء في اختياراته العقائدية ولكنه اعتقاد مضلل سببه الموروث والتنشئة والوسط ..