أَحِنُّ إلى شاي أمي

أَحِنُّ إلى شاي أمي
الثلاثاء 1 غشت 2023 - 01:46

على غير عادتي قضيت مع السيدة الوالدة عشرة أيام؛ في كنفها وضيافتها في بيتها العامر تحت ظلالها الوارفة، وقد بقيَتْ شبه وحيدة بعد انتقال أختي الصغيرة إلى بيتها حيث المستقر الجديد، تحاول جاهدة أن تتأقلم مع أشغال البيت، وكانت المسكينة قد تركت ذلك مضطرة، بعدما أنهكها المرض العضال ونال منها غير قليل.

أراها اليوم وهي تقوم بأشغال البيت من كنس وتنظيف وإعداد بعض الوجبات السهلة اليسيرة، أرقبها وهي تقوم من مضجعها قبيل منتصف اليوم فتبدأ نهارها بركيعات الضحى وحصة الذكر والدعاء، وقد تبقى في محرابها خاشعة خاضعة متنسكة مبتهلة، وأظن أنها تخصص ما يزيد على الساعة للدعاء والتبتل، وكلي يقين أنها تجعلني على قائمة الذين تخصهم بدعواتها، أعرف ذلك، وربما تحسست الأمر فسمعت منها ذلك.

أتركها في خلوتها، فلا يليق بي أن أقطع عليها ذاك الاتصال الرفيع بينها وبين رب السماء، ولطالما قلت في خاطري: تلك دعواتها وما من نعمة أرادنا بها الله إلا لها فيها نصيب، دعواتها تحفظني، وكلما كنت في سفري إلا تذكرتها، وأدركت أنها ترسل لي من الدعوات ما يحفظني من هول الطريق، ويجعل أسفاري سهلة يسيرة؛ أتذكر دعواتها الصباحية وحتى المسائية، أستحضرها وأنا بصدد ترديد دعاء السفر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، 〈سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ⓭ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ⓮〉. “اللهمَّ إنَّا نسألُكَ في سَفَرِنَا هذَا البِرَّ والتَّقْوَى، ومِن العَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرِنَا هذَا وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَه، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعَثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَر وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ”.

قلت: لعلي أحظى بخدمتها هذه المرة، وأخفف عنها بعضا من أشغال البيت، دخلت المطبخ أهيّئ لها وجبة الإفطار، وكم أرجو أن ينال عملي هذا رضاها، هيأت لها إبريقا من الشاي الأخضر وأكثرت فيه النعناع، وتعمدت أن أنقص لها من مقدار السكر، وأنا أقول في نفسي: يا ليتها تتخلص ولو تدريجيا من السكر !.

لكن هيهات، تواجهني بضعفي وهواني وعدم كفاءتي في صناعة وإتقان الشاي، تقول لي وهي مبتسمة مستبشرة: (غير الما والزغاريد)، أضيف لها قطعة صغيرة من السكر، لكنها تشربه معي على مضض، تفاجئني مساء بإبريقها الصغير وقد حضَّرَتْهُ على طريقتها الخاصة، وأكثرت فيه من السكر، وزادت على النعناع بعضا من أوراق اللويزة الطرية التي غرستها بيدها وتتعهدها يوميا بالسقيا.

وفي الحقيقة صدقت أمي، وأبدعت في إتقان إقامة إبريقها، وقد أنساني طيب مذاقه وعذوبة رائحته كثرة سُكَّرِه.

ما أجمل أن تصب لي كأسا ويدها المسكينة ترجف، وتقول لي ممازحة: (هذا هو أتاي!)، قلت لها: وليس في الدنيا أفضل منه، وهي تعرف عشقي وهيامي بهذا الشراب الذي لا أجد ما يعوضه، ربما أفرط في احتسائه وأبالغ.

إفطار مع السيدة الوالدة يفوق تصنيف الخمس نجوم في أفضل المطاعم المصنفة في العالم، بل في عالم الشهود كله. زيت وبعض حبات زيتون في مدينة الزيتون وكسرة خبز على وقع دردشات خفيفة أفضل من الدنيا وما فيها.

أستشيرها في وجبة الغداء، ولا بد لي من رأيها، وأعرف أنها تحب القرع. وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُحِبُّ بعضَ الأطعمةِ، وقد نقلَ الصحابةُ لنا ذلك. وفي هذا الحديث يقولُ جابرُ بنُ طارقٍ رَضِي اللهُ عنه: “دخلتُ على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسلَّمَ في بيتِه وعِندَه هذا الدُّباءُ، فقلتُ: أيُّ شيءٍ هذا؟ قال هذا القرعُ، هو الدُّبَّاءُ نُكَثِّرُ به طعامَنا”، أي: نَطبخُه ونجَعَلُه بالطَّبْخِ فيه كثيرًا، ونَجعلُ منه مرقًا يَزيدُ في طَعامِنا وإدامِنا، فيأْكُلَ منه أكبرُ عددٍ من أهلِ البيتِ والأَضْيافِ.

وزاد حب الدباء مذ وقفت على هذا الحديث، وربما كنت حدثتها بهذا الحديث فازداد حبها للقرع.

أذكر يومها ونحن في ضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي أفضل البقاع، وفي أرض هي جزء من الجنة، وكان قد أعياها طعام أهل مكة والمدينة؛ من الأرز والدجاج، فسحت أبحث لها عن القرع والثوم والبصل، أبحث هناك، حتى ظفرت ببغيتي ومنيتي، فصنعت لها وجبة دسمة شهية بالدجاج والدباء.

هو نفسه هذا الطاجين الذي نذرت أن أتحفها به اليوم، مع اختلاف في اللحم، جلبت معي من بيتي حيث أقيم بمدينة القصر الكبير جزءا من لحم الخروف الذي ضحيت به، وكما ورد عن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أتعمد أن أُكْثِر المرق وإن كان إخواني يكرهون ذلك، بل وصرت أضحوكة لهم، كلما علموا بقدومي إلا وتحدثوا عن وجباتي التي أكثر مرقها.

لكنها أمي تحب ذلك، ولا يهمني إلا رضاها.

عزمت أمري وتوكلت على الله، والله يحب المتوكلين.

كنت حريصا كل الحرص على المقادير، حتى لا يصيبني بعض مما أصابني منها في قضية (براد الشاي).

أظن أن سمعتي في إعداد الطعام مازالت على ما يرام، وخاصة أني هيأت لها الكسكس بطريقتي الخاصة فنال استحسانها، وظفرت برضاها وأمطرت عليَّ من دعواتها في يوم الجمعة؛ وكم أرجو أن أصادف تلك الساعة، ساعة الاستجابة.

تركت القِدْرَ على نار هادئة، وقد أكثرت فيه القرع، ورجعت أجلس بجانبها، وحملت هاتفي أتحسس بعض الرسائل التي وصلتني من صاحبي وأخي سيدي أحمد العبودي؛ أحيانا يستحسن أن يترك لي رسائل صوتية، يستشيرني كعادته، وإن كنت أرى في ذلك تشريفا لي، ويأخذ برأيي، هذه المرة أجده مهموما بكتابة رسالة شكر ووفاء لأستاذة كان لها اليد الطولى في إكرامنا، كانت حريصة كل الحرص على أن تجود علينا وتتكرم في كل ندواتنا ولقاءاتنا التربوية، لست أدري وصاحبي في آخر أيامه في عمله الوظيفي، فليس بينه وبين توقيع آخر محضر له بسلك الوظيفة العمومية إلا ثلاثة أيام، أجده حريصا على هذه الرسالة التي ضمنها أرقى وأسمى عبارات الشكر والثناء، ولربما ما قرأت رسالة في الشكر والثناء كالتي بعث بها إليَّ يرجو فيها رأيي، ويطلب مني أن أدلو فيها بدلوي، وكان قد اقترح عليَّ أن تكون موقعة منا نحن الاثنين.

يا لكرم هذا الرجل!! وأنعم به من أخ كريم!، يريد أن يشركني معه في هذا العمل العظيم، هي سيدة عظيمة كريمة، لها مكانة خاصة، يأبى السيد المفتش التربوي إلا أن يجعل لها مكانا عليا في سماء الفضائل والمكارم والعطاءات.

تركت هاتفي جانبا خوفا منها، من سيدة الدنيا برمتها خوفا من لوم أو عتاب وربما زجر وردع، فقد خضعت مرات متعددة لاستنطاق كامل الأركان، أنحني برأسي بين يديها وأعترف لها بجُرمي، أعترف لها بخطئي وخطيئتي، معها لا أقوى على التبرير ولا أفلت بالمراوغة، ولا تنفعني أدلتي وحججي، الحكم عندها قاطع مع التنفيذ المعجل، ولا يقبل النقض ولا الإبرام.

حكمت عليَّ أن أترك الهاتف جانبا وأن أشاركها الحديث، بعدما أعياها بروتوكول حواري معها وهاتفي في يدي، أراها وكأنها تريد أن ترمي به من النافذة، قالت لي وهي مُغْضَبَةٌ: هذا جواد أخوك إذا هبَّ لزيارتي ترك هاتفه المحمول في بيته وجاءني فردا، جاء متجردا من كل ما من شأنه أن ينغص عليها روعة اللقاء.

اقتربت منها وهي تضرب كفا بآخر، وهي تتحسر، قلت لها مستفهما: ماذا بك أُمَّاه؟ وها أنا خضعت للأوامر وامتثلت للتعليمات.

أجابت: ما الذي أصابك؟ خشيت على نفسي أن يكون قد بلغها عني خبرا يسوؤها، زادت دقات قلبي وأنا أستفسرها عن مضمون ما سمعت منها.

استطردت، ماذا أصابك يا بني؟ لماذا تأخرت في ولوج العمل في الجامعة؟ ما إن أكمَلَت العبارة حتى تنفست الصعداء، وقلت في نفسي: الحمد لله، نجوت هذه المرة، وكأن الأمر بيدي، وكأن الكفاءة وحدها ما يحقق الولوج للتدريس بالجامعة، وهي المسكينة لا تعرف أن بعض المناصب محفظة ومسجلة بأسماء عائلات معينة، ويغيب عنها المسكينة أن هناك مناصب في الجامعات يتم إحداثها على مقاس ابن فلان أو ابنة علاَّن، شخصيات معينة، قد لا يكون لها أدنى اتصال بالبحث العلمي ولا بالكفاءة ولا بالمستوى العلمي، ولكنه الفساد إذا عمَّ يأتي على الأخضر واليابس.

قلت لها: ثم ماذا يا أمي؟ لماذا لا تقتحم وسائل الإعلام المرئية، وقد أعيتني مشاهدة ومتابعة من هم أقل منك شأنا وشأوا.

والثالثة: وأحسب أنها تقصد لماذا لم أقتحم مجال السياسة، وأنافس كبار السياسيين؟.

وربما هي ترى أن ابنها البكر الذي قضى ما يقارب العقدين من الزمن في الجامعة متنقلا بين العاصمة العلمية فاس حيث القرويين، والعاصمة الإدارية الرباط حيث دار الحديث الحسنية، طلبا للعلم، ترى فيَّ أني أهل لأكون زعيما سياسيا. غفر الله لك أمي وغفر الله لي، وأنا الضعيف كنت طويلب علم ومازلت وسأبقى. دعيني أقبل يدك وارتشف من عطف حنانك يا سيدة العالم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب