من أجل فهم جديد للعمل الخيري والإحساني

من أجل فهم جديد للعمل الخيري والإحساني
الإثنين 21 غشت 2023 - 00:31

نسعى من خلال تحليل هذه الحالة “الإحسانية” إلى الدعوة إلى فهم وفعل جديدين بشأن العمل الخيري في بلادنا، خاصة في صفوف الشباب.

تحليل حالة:

يروج فيديو هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي بعنوان “لبؤات الأطلس يحملن ‘الياجور’ على أكتافهن للمساهمة في عمل خيري”. ومن خلال اطلاعي على هذا العنوان كنت أتمنى وأنتظر حقا التعرف على مبادرات مغايرة للعمل الخيري وانخراط السكان فيها، لكن هذا ما لم يتحقق للأسف! لا شك أن لهذا التواصل وموافاتي بالفيديو علاقة بتتبع للأسئلة التي طرحتها مؤخرا حول العمل الإحساني والخيري، وفهمت أنها تؤكد لي صعوبة التغيير، لكن تغيير العقليات من أصعب أنواع التغيير الاجتماعي، ويتحقق بالاستمرار في الحوار والنقد الموضوعي وتقديم البدائل التي يقتنع بها الناس بعد أن رفضوها وتصدوا لها، ثم يعترفون بصوابها ويعملون بها.

فيديو يوثق من خلاله شاب بكل اعتزاز عمله الإحساني المتمثل في إيصال كميات كبيرة من مواد البناء، إسمنت وآجر وحديد… إلى سكان إحدى القرى المعزولة في أعالي جبال الأطلس، التي تعاني الحرمان من انعدام الطريق وصعوبة المسالك، كما أكد الشاب المبادر، وقدر قيمة هذا الإحسان بأكثر من 20 مليونا، والنقل لوحده كلفه 3300 درهم.

وفي توثيق المعني لتواصله مع عشرات النساء والرجال والأطفال المصطفين على جنبات الدوار ينتظرون وصول القافلة الإحسانية، وحديثه عن الصعوبات الكبرى التي عانى منها ورفاقه في إيصال المواد لصعوبة التضاريس وانعدام المسالك، حيث تكلف رجال ونساء الدوار بإتمام إيصال وحمل المواد بالدواب وعلى ظهورهم، وخلال حديثه مع السكان الفرحين بهذا الإحسان طالبهم إن كانوا يصلون بالدعاء خلال الصلاة للمحسنين الذين وفروا هذه المواد التي ستخصص لإعادة بناء مسجد هذه القرية المعزولة؛ كما يخاطب خلال تصويره العمل الإحساني المتتبعين بالقول: “عيشو معنا الأحداث أ لإخوان، شوفو كيفاش الناس كتعيش وسط المعاناة والصعوبات”.

ومن خلال حديث الشاب المحسن أو منسق هذه العملية الخيرية على ما يبدو، والصور التي نقلها من فضاء الدوار النائي، وملامح النساء بالخصوص المصطفات على جنبات الطريق لاستقبال الإحسان المخصص لإعادة بناء مسجد الدوار، رغم علامات الفرح والشكر التي عبرن عنها باللغة الأمازيغية، في حين فضل الشاب الحديث معهن بالدرجة مع نطق بعض الكلمات بالأمازيغية بشكل سريع، يتضح أن الدوار وأمثاله العديدة في أعماق الجبال بالخصوص تعاني من العزلة وتفتقر إلى المسالك، وتعاني ساكنتها من غياب شروط ومرافق العيش المقبول. وفي غياب الطريق ووعورة المسالك ومستوصف على الأقل قريب من الدواوير، ومدرسة ومواد ووسائل التدفئة والإنارة، ووسائل النقل ومصادر التزود بالمواد الغذائية…فالمؤكد أن نسبة كبيرة من أطفال هؤلاء النساء، ذكورا وإناثا، لا يدرسون، وهن وبناتهن المتزوجات يلدن في ظروف قاسية، ومنهن من توفين في الطريق إلى مستشفى الإقليم، وفي فصل الشتاء يمرض بل يموت بعض أبنائهن من شدة البرد والثلوج وغياب مواد التدفئة، ويعانون من الجوع لضعف المستوى الاجتماعي ودخل الأسر، وفي غياب وصعوبة الخروج والوصول للسوق الأسبوعي البعيد، إن لم يكونوا يعانون من العطش في هذا الفصل بسبب ندرة المياه كما يحصل في العديد من الدواوير.

هذه “حالة اجتماعية إحسانية” تعكس تصورا مستشريا للعمل الخيري وتستدعي طرح السؤال الآتي:

المؤكد أن إعادة بناء مسجد القرية المعزولة ليس أولوية كبرى لدى كل ساكنته، وإن كان كذلك لدى شخصين أو حتى عشرة منهم الذين يوجد أمثالهم في كل الدواوير والأحياء، وتكون لهم ارتباطات وأفكار خارج العمل الاجتماعي والمصلحة الفعلية للساكنة، أو غير واعين بها فعلا؛ فلو تمت استشارة السكان، لأن المسجد القائم يفي بالغرض، وجل رجال ونساء القرى يصلون بمنازلهم، وأرض الله الفسيحة في البوادي كلها أماكن للصلاة، وتم تخييرهم بين المساهمة في تهيئة تلك المسالك الوعرة لتصير قابلة للإيصال والتنقل، أو بناء مستوصف يوفر الأدوية ودار للولادة أو على الأقل مضادات سموم الأفاعي والعقارب، أو حجرتين لتعليم الأطفال، أو دار للفتيات المتمدرسات، أو التكفل بيتيم، أو ناد لتكوين الفتيات وتعاونية لتثمين المواد المحلية، أو المساهمة في تزويد الدوار بوسائل ومواد التدفئة، أو في إيصال الماء الشروب، أو تنظيم قافلة طبية لفحص وعلاج المرضى…لفضلوا ذلك على إعادة بناء مسجد القرية. أليس كذلك؟.

وإذا تحقق لهم ذلك فلا شك أنهم سيدعون بالخير الوفير للمحسنين الذين سيجازيهم الله، ليس في المسجد ووقت الصلاة فقط، بل في البيوت والمستوصف والمدرسة والسوق وعلى الطريق وفي الصيف والشتاء وفي السر والعلن…و”غنشوفو كيفاش ساهمتو فعلا في التخفيف من معاناة الناس ومن الصعوبات لي كتعيش فيها”.

هذه مجرد حالة تعكس الثقافة والتصور المستشريين للعمل الإحساني، خصوصا في البوادي والقرى النائية والمعزولة، الذي يقدم عليه في الغالب مواطنون قادمون من المدن، خصوصا الشباب، وهم يتوهمون اكتشاف العزلة.

وقد حان الوقت لتغيير هذا التصور إلى الأفضل، والشباب المتعلمون والواعون مدعوون إلى الانخراط في ذلك بوعي تنموي حديث، بدل إعادة إنتاج التمثلات والتصورات التقليدية للعمل الخيري التي تفتقر إلى التأثير النافع والحيوي على حياة الفرد والمجتمع وتطورهما.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Lamya
    الأحد 27 غشت 2023 - 09:37

    هناك اشغال لا يمكن ان تقوم بها الا الدولة كبناء طريق او مدرسة او مستوصف و كل ما ذكرت ما عدى انشاء تعاونية فلاحية او ادوات التدفئة و حتى هذا صعب اذا كانت القرية معزولة و انعدام طرق معبدة توصل اليها لذلك العمل الاحساني كما تتصوره انت استاذ يجب اولا ان يكون منظم لحمع التبرعات لان تكلفة اعادة تهيئة مسجد ليست هي تكلفة تهيئة طريق لفك العزلة و ايضا هذا لا يمكن تحقيقه الا بالتعاون مع الدولة كذلك المستوصف او مركز صحي او مدرسة عمومية,,,
    و هناك مؤسسة محمد الخامس للتضامن مثلا تابعة للدولة و لكن اذا ساهمت فيها لا يمكنك تحديد المكان او القرية المستهدفة التي تقام فيها هذه الاعمال الخيرية او نوعية العمل الخيري و تقول مثلا اريد بهذه المساهمة تعبيد طريق في القرية الفلانية و يتحقق ذلك و تراه فعلا كما تفعل بعض الجمعيات الخيرية فيما يخص حفر بئر في قرية تعاني من العطش او ايجاد حل لمشكلة التدفئة في قرى تعاني من البرد القارس… فتكون قرى بعينها مستهدفة و ترى النتيجة بعينك

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك