يعتبر ماكرون أن كبرياء فرنسا قد تم خدشهُ أو مُرِّغ وجهه في التراب، حين اعتبر موافقة المغرب على عروض الدول الأربعة، بمثابة رفض للعرض الفرنسي للمساعدة في إنقاذ وإغاثة ضحايا الزلزال الذي ضرب منطقتَي الحوز ومراكش ومناطق أخرى مجاورة.
كيف للمغرب الذي كان إلى وقت قريب مستَعمَرَةً فرنسية أن يُوافق على عروض المساعدة المقدمة من إسبانيا وقطر وبريطانيا والإمارات العربية المتحدة ويستثني العرض الفرنسي؟
هذا، إذن، هو السؤال الذي حيّر المتابعين وجعلهم ينشغلون به بدلا من الانشغال بالكارثة وتداعياتها. هذا هو السؤال نفسه الذي أرهق الإعلام الفرنسي، وأزهق روح صبره، وحطَّ من كرامته وكبريائه وشكك في صدقيته ومصداقيته، وهو يبيع للمتابعين والمراقبين للعلاقات المغربية – الفرنسية الوهم، خلال الزيارة الأخيرة للملك محمد السادس غير الرسمية إلى باريس. لقد طبّل الإعلام الفرنسي وزمّر لتلك الزيارة، وتوقّع لقاء تاريخياً للمصالحة وطي صفحات الخلاف بين العاهل المغربي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. إلا أن كل تلك التوقعات خابت وتبخّرت حين قطع الملك زيارته غير الرسمية تلك وقرر العودة إلى المغرب مباشرة بعد الزلزال الذي ضرب منطقة الحوز ومراكش.
فلا تستغربوا، إذن، حجم الدمار الفكري الذي خلفه زلزال السعار الإعلامي الذي ضرب فرنسا، عندما تأكدت باريس من أن العرض الفرنسي قد تم رفضه بلغة ديبلوماسية رصينة ومهذبة ومؤدبة من طرف المغرب؛ لا تتعجبوا من درجة الانحطاط والصفاقة التي بلغتها الصحف والقنوات الفرنسية وهي تنحدر وتندحر إلى قاع الإعلام المغرض والمأجور الذي يضرب بكل قيم حقوق الإنسان وحرية الرأي والتفكير والتعبير، ويتحول إلى طابور خامس يُوظف لفائدة الدفاع عن فرنسا الاستعمارية التي أبانت عن استعدادها للتضحية بكل القيم الإنسانية في حال شعرت بتهديد مصالحها الاقتصادية.
وقد لمست حجم السعار الإعلامي هذا، وأنا أتابع قناة فرانس 24 الإخبارية، أحسست بالشفقة ناحية مقدمة الأخبار المغربية دنيا نوار، الصحفيّة والإعلاميّة المغربيّة، التي وُلدت بمدينة طنجة ونشأت وترعرعت بها، قبلَ أن تنتقلَ في وقتٍ لاحق إلى فرنسا، حيثُ بدأت مشوارها المهني كإعلاميّة، لتُصبح، اليوم، مقدمة برامج تلفزيونيّة على شاشة قناة فرانس 24.
كانت نبرة الارتباك ملحوظةً في صوت المذيعة، فيما كانت عيناها زائغتان وهي تقدم فقرة إخبارية خاصة بزلزال المغرب. كانت دنيا نوار تعلم أن في الأمر توجه مقصود لخدمة أجندة سياسية مفضوحة تروم خدش الصورة الرائعة التي صدّرتها المملكة المغربية إلى العالم، وهو يشاهد الشعب المغربي يعزف سمفونية التضامن والتحدي.
كانت الغاية من كلام دنيا نوار أن تُصدّر للمشاهد صوراً غير صور التضامن والتكافل والتآزر والتحدي، لكن شيئا من ذلك لم يحصل.
فبينما كان العنوان أسفل الشاشة يتحدث عن طوابير كبيرة وطويلة للمتضررين من الزلزال المنتظرين للمساعدات، وبينما كانت دنيا نوار تحدثنا عن تفجُّر احتجاجات بين المتضررين جراء عدم وصول المساعدات إليهم أو تأخرها؛ كانت القناة تبث شريط فيديو لا علاقة له بطوابير عنوان الشريط الأحمر في أسفل الشاشة ولا صلة له بالاحتجاجات الوهمية التي تحدثت عنها دنيا نوار ولم تكلف نفسها الإتيان بصورة واحدة على الأقل تثبت صحة ادعائها.
لقد كان الشريط يتضمن مشاهد مختلفة لفرق الإنقاذ والإغاثة وهي تؤدي عملها بروح عالية ووطنية فريدة.
هذه هي فرنسا الاستعمارية، التي شعرت أن المغرب قد حسم أمر علاقاته بها، يوم قال العاهل المغربي “أوجه رسالة واضحة للجميع: إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات (…) وننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل”..
لقد كان خطاب الملك محمد السادس صادماً وصارماً وحاسماً، بل اعتبره متتبعون كثيرون بمثابة إنذارٍ موجهٍ للرئيس الفرنسي الذي كان يسوّي ربطة عنقه قبل الطيران إلى الجزائر لملاقاة العصابة الحاكمة هناك، وإيقاف سيلان لعاب فرنسا للغاز الجزائري الذي بات ذو شأن وقيمة عشية توقف إمدادات الغاز الروسي إلى أوربا، نتيجة الحرب على أوكرانيا.
والآن، وبعد فشله الذريع في تحقيق اختراق للموقف المغربي المتصلب؛ وبعد أن تأكد من حقيقة الرفض الرسمي للمساعدات الفرنسية، اختار أن يتوجه الرئيس الفرنسي، من قصر الإليزيه بباريس، بخطاب إلى الشعب المغربي.
وقد يتساءل متتبعون ومراقبون كثيرون: كيف يتجرأ رئيس دولة على التوجه بخطاب رسمي إلى شعب دولة أخرى؟؟؟
يبدو أن ماكرون قد فقد بوصلة الرؤية السياسية الحكيمة تماماً، وما عاد يُعد حساباً لخطواته المجنونة، بعدما بات منبوذاً وغير مرحب به في جميع بلدان القارة الأفريقية، وليس في المغرب وحده.
ولعل مخاطبته الشعب المغربي هي ورقته الأخيرة التي قرر لعبها، ويوقع على شهادة انتحاره السياسي الغبي على أسوار موقف مغربي رسمي صلب تفوقه أسوار الموقف الشعبي صلابة وثباتاً.
إن الموقف الشعبي صار مستهدفا من فرنسا المدعومة بنزعتها الاستعمارية، المتعالية والمتعجرفة، وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم. فبينما يقاوم الشعب المغربي الغطرسة الفرنسية وكل أشكال استعمارها الجديد، يحاول حمقى قصر الإيليزيه ارتكاب حماقة نفي موقف المملكة الرسمي المغربية إلى ما يشبه كورسيكا أو مدغشقر، وشراء موقف لطيف ظريف وعميل لفرنسا الكولونيالية بفرنكات الإعانات الموجهة لإحداث ثقب في جدار الرفض المغربي لكل ما هو فرنسي.
لقد قررت فرنسا اختراق المغرب من جهة المنظمات والجمعيات غير الحكومية، وهو ما أكدته وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، حين أكدت، في مقابلة بثتها قناة بيزنس إف إم (BFM)، على أنها أعطت تعليماتها بتخصيص مساعدة بقيمة خمسة ملايين يورو للمنظمات والجمعيات غير الحكومية المنخرطة في عمليات الإغاثة في المغرب.
فما الذي يتوجب على المغرب ينبغي فعله حتى لا يتحقق الحلم الفرنسي باختراق أحد موقفيه الرسمي أو الشعبي أو هما معاً؟
على المغرب، ولكي يستمر موقفيه الرسمي والشعبي في الثبات والصلابة، ألا يُقايض ملف الصحراء المغربية بملف آخر مهما كان حجمه السياسي ووزنه الاقتصادي وأهميته الجيوسياسية، وأن يظل متشبثاً بمطلب اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء، وهو اعتراف صار قريب المنال مع توالي الانتكاسات الفرنسية وعجر الإيليزيه عن تغيير أو تليين الموقف المغربي الثابت والراسخ.
وعلى الدولة المغربية تشديد المراقبة والرقابة على الحسابات البنكية للمنظمات والجمعيات وإجراء عمليات افتحاص وتدقيق في مالية هيئات المجتمع المدني لسؤالها عن كل فرنك قد تتوصل به عبر حسابها أو تتسلمه في شكل مساعدات عينية؛ مع التعهد بمحاكمة كل من ثبت تورطه في تلقي أموال أجنبية (فرنسية)، حتى يتيقن ماكرون من صلابة الموقف المغربي وصعوبة اختراقه، ويتأكد من أن مصير أي عميل سوف تراهن عليه فرنسا لتنفيذ أجندتها سيكون السجن، أو طعنة قاتلة من إحدى أيادي أحفاد علال بن عبد الله.
انشاء الله، هي بداية لتمنيع المجتمع المغربي من السموم الفرنسية الفتاكة ولعلها تكون قدوة لمجتمعات افريقية اخرى
فرنسا عدوة إفرقيا و العالم . لن ننسى جرائمها التي لا تعد من قتل و حرق و شنق و تعذيب و تجويع و سجن و نفي لأجدادنا و آباءنا. سنتذكر دائما أنها نهبت و سرقت ثرواتنا و سنسترجعها يوما و بقيمتها الحالية طال الزمن أو قصر . التاريخ لاينسى.