لمن المصلحة في تعطيل التعديل؟!

لمن المصلحة في تعطيل التعديل؟!
السبت 7 أكتوبر 2023 - 22:57

سيدرك الكثير من القراء بكل يسر ودون كبير عناء أن التعديل المقصود في العنوان أعلاه يهم مدونة الأسرة، باعتباره الموضوع الذي أثار وما زال يثير جدلا واسعا وردود فعل متضاربة بين رافض وموافق؛ فقد ورد في بلاغ الديوان الملكي، الصادر يوم الثلاثاء 26 شتنبر 2023، أن أمير المؤمنين الملك محمدا السادس وجه رسالة سامية إلى عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، يدعوه من خلالها إلى إعادة النظر في مدونة الأسرة، تفعيلا للقرار الذي سبق أن أعلن عنه في خطاب العرش لسنة 2022 وتجسيدا للعناية المولوية الكريمة التي ما انفك يوليها للنهوض بقضايا المرأة وللأسرة بشكل عام.

وبالرغم من أن جلالته قام، بموازاة مع هذا التكليف غير المسبوق، بإسناد الإشراف العملي على هذا الإصلاح المهم بشكل جماعي ومشترك إلى كل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، ودعا إلى اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح والتشاور والحوار وإشراك الهيئات الأخرى المعنية بشكل مباشر ووثيق؛ وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والسلطة الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مع الانفتاح أيضا على هيئات وفعاليات المجتمع المدني والباحثين والمختصين، لمركزية الأبعاد القانونية والقضائية لهذا الموضوع الحساس، وشدد على أن تجرى المشاورات في غضون الستة أشهر المقبلة، مؤكدا أنه لن يحل ما حرم الله ولن يحرم ما أحل الله، ولاسيما في الأمور التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية.

وبالرغم من أن الملك كان قد أكد، في خطاب العرش يوم 30 يوليوز 2022، أن “بناء مغرب التقدم والكرامة الذي نريده لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء، في عملية التنمية”، وشدد على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية في كل المجالات، مضيفا بأنه “إذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية” وأن “التجربة أبانت أن هناك عوائق عديدة، تقف أمام استكمال هذه المسيرة وتحول دون تحقيق أهدافها”؛ فإنه وبمجرد ما أن تمت إذاعة الخبر عبر مختلف وسائل الإعلام الوطنية الرسمية، وقبل أن تجتمع اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، حتى انتشرت الأقوال الزائفة حول التعديل المرتقب لمدونة الأسرة، حيث أبى البعض إلا أن يروج لمعطيات مغلوطة في إطار من السخرية عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف رفع نسبة المشاهدة وتحقيق الربح المادي؛ مما أثار حفيظة عدد من الهيئات الحقوقية، التي أبدت استياءها واستنكارها لهذه الحملة الهجينة، التي يديرها بعض صناع المحتويات الرديئة والمدونين التافهين ومن شأنها ترويع الشارع المغربي، في هذه المرحلة المهمة من مسار حقوق المرأة والأسرة بالمغرب.

جدير بالذكر أن مدونة الأسرة ظلت، على مدى عقدين، مثار خلاف كبير بين المحافظين المدافعين عن ضرورة ارتباطها بالشريعة الإسلامية والحداثيين المشددين على ضرورة الاستجابة للاتفاقات الدولية التي صادق عليها المغرب؛ فالتيارات المحافظة تعارض بشدة تلك المطالب التي تنادي بتغيير بعض القوانين من أجل أن تصبح ملائمة للتشريعات والمواثيق الدولية، حيث سبق لعبد الإله ابن كيران، رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، أن نبه، في مؤتمر خاص بنساء الحزب، إلى أن هناك أفكارا جاهلية تهدد الأسر المغربية، ودعا الحضور إلى توخي الحذر قبل فوات الأوان، والدفاع عن مصلحة الأجيال الصاعدة وعدم التفريط في المرجعية”، رافضا بشدة أي تعديل يمس بقانون الإرث، على اعتبار أنه يخضع لحكم شرعي ولا يجوز التنازل عنه، لأن أي تنازل من شأنه تدمير الأساس الديني…

وفي المقابل، رحب عدد من الحقوقيين بالدعوة الملكية الرامية إلى مراجعة “مدونة الأسرة” وتدارك ما شابها من نقائص، ويؤكدون أن قرار مراجعة المدونة راجع بالأساس إلى أسباب عديدة ذات طبيعة قانونية صرفه كضرورة وفاء المغرب بالتزاماته حيال المنتظم الدولي، وخاصة ما تعلق منها باتفاقية “سيداو” التي تعنى بمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وتحقيق نوع من الملاءمة مع دستور 2011 الذي يؤكد على مساواة الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. وأنه فضلا عما طرأ من تحولات على بنية المجتمع المغربي، هناك الكثير من المقتضيات التي باتت اليوم في أشد الحاجة إلى تعديل وتحيين؛ ومن ضمنها تلك الفصول التي تسمح بتزويج القاصرات، والمقتضيات المتعلقة بثبوت الزوجية والنسب وتلك المرتبطة بنظام الإرث، وحضانة الأطفال بعد الطلاق، وحق الزيارة والتعويض عن المسكن وغيره…

فلا نرى من اعتراض على أي نقاش عمومي هادئ وهادف إلى تطوير المجتمع وصيانة حقوق الإنسان، نقاش يعتمد في شموليته على المنطق والعقل ويحترم تعاليم الدين الحنيف، ولا اعتراض على الاختلاف في الفكر والرأي؛ بيد أن الاعتراض الكبير هو على المزايدات غير المجدية وترويج الأضاليل والمغالطات والأفكار المسمومة والهدامة، تلك الأفكار التي شأنها إحداث شرخ عميق في المجتمع وإثارة الفتنة بين أفراده والمس بالأمن والاستقرار.

إن بلادنا أضحت بحاجة إلى مدونة أسرة ذات صياغة قانونية واضحة تحفظ كرامة المرأة وتضمن انسجام الأسر، مدونة خالية من كل الصيغ والمواد المبنية على الدونية والتمييز بسبب الجنس أو الدين، مدونة تضمن الاستقرار الأسري والمساواة بين الجنسين في الحقوق والرعاية والمسؤوليات، مدونة تراعي المصلحة الفضلى للأطفال وتأخذ بعين الاعتبار كذلك بأن حماية حقوق النساء لا تتعارض مع تناسق واستقرار الأسرة كما يروج لذلك بعض المحسوبين على “التيار المحافظ”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام