قصةُ مدرسة من المدارس الحرة التي أخرجت، زمنَ الاحتلال الأجنبي، التلميذات والتلاميذ المغاربة من قيود الجهل ومكائد المدارس الاستعمارية، تحكيها الأكاديمية نجاة المريني، وهي من أعلام دراسة الأدب المغربي بالجامعة، ومن خريجات إحدى هذه المدارس: المدرسة المحمدية بسلا.
وشهدت المريني على أن هذه المدرسة كانت “تبث في تلاميذها روح الوطنية والكفاح وتغرس في نفوسهم حبّ طلب العلم ومحاربة رياح الأمية، وتسعى إلى تمكين الفتاة السلاوية من التحرر من قيود الجهل والتخلف وتوعيتها بدورها في المجتمع لبناء أسرة صالحة، في ظروف لم يكن متاحا لهذه الفتاة أن تعلن عن حضورها إلا عن طريق التعلم والدرس”.
ومع تذكرها عناية السلطان محمد الخامس بالتعليم الحر في مختلف مدن البلاد، استحضرت الكاتبة ذكرى الفقيه الحاج محمد المريني ونجاحه في تسيير “المدرسة المحمدية” وحفاظه عليها “حفاظَه على أسرته”، مع حرص على “حفظ اللغة العربية من الضياع وترسيخ ما للهوية المغربية من إشعاع في أذهان التلاميذ في فترة كشّر المستعمر فيها عن أنيابه لحرب الوطنيين، وتغريب الأبناء بنشر لغته وتاريخه، فكان ردُّ فعل الوطنيين خلق مدارس وطنية حرة تسعى إلى التنوير وإلى تشبث الشعب المغربي بلغته وهويته وتاريخه وحضارته”.
وفي زمنٍ استمر فيه الاسم واختلف المسمّى وخالَف… توصل نجاة المريني رسالة مفادها أن “الوفاء للوطن، هو وفاء للضمير ووفاء للحرية التي كان يناضل من أجلها الوطنيون الأحرار بوسائلهم المتعددة، في الأسرة، والمدرسة، والحزب، والخلية، والجريدة، وساحة المعركة”.
وهذا نص المقال:
في أجواء الدخول المدرسي اليوم، وما تعرفه المدرسة المغربية من تطورات، وما تعرفه مدارس التعليم الخاص من منافسات في المدن المغربية على اختلافها، أعود بالذاكرة إلى ما كانت تعرفه المدرسة المغربية الحرة في أوائل التسعينات (1920 ــ 1956) من حضور قوي كان يسعى إلى حفظ اللغة العربية من الضياع وإلى ترسيخ ما للهوية المغربية من إشعاع في أذهان التلاميذ في فترة كشّر المستعمر فيها عن أنيابه لحرب الوطنيين، وتغريب الأبناء بنشر لغته وتاريخه، فكان ردُّ فعل الوطنيين خلق مدارس وطنية حرة تسعى إلى التنوير وإلى تشبث الشعب المغربي بلغته وهويته وتاريخه وحضارته.
وفي إطار الحديث عن التعليم في هذه الفترة -وقد أصبح اليوم يعرف بالتعليم الخاص-، فقد تمثلت عناية السلطان محمد بن يوسف بالتعليم العربي الحر بإنشاء المدارس في مختلف المدن المغربية في فترة الحماية البغيض حفاظا على الهوية المغربية وعلى أصالة المغاربة بالحفاظ على تراثهم وعلى لغتهم العربية.
لقد سعى المستعمر إلى بث سمومه في أبناء المغاربة بتغريبه وفرض لغته الفرنسية عليهم ببناء مدارس أسمتها مدارس أبناء الأعيان، مؤكدا نزعته الاستعمارية في تأكيد وصايتهم على الشعب المغربي وحرب كل ما يمت بصلة إلى جذوره الحضارية واللغوية.
لكن أهدافه باءت بالفشل لتلغيم التعليم باعتباره الرافد الأول لكل بناء حضاري، فعن طريق المدرسة نستطيع أن نقف سدا منيعا أمام كل الأهداف الرامية إلى زعزعة عروبة المغاربة بدءا باللغة العربية.
وكانت الحركة الوطنية في المغرب مهمازا لحرب هذا التوجه التعليمي التربوي الذي يتغيّى حرب اللغة العربية، فدعت إلى إنشاء ما عرف بالمدارس العربية الحرة التي تعنى باللغة العربية وتعمل على توسيع نطاقها في مدن مغربية عديدة. وكان محمد بن يوسف داعما لهذا التوجه، فإضافة إلى تشجيعه لإنشاء هذه المدارس الحرة، دعا وزارة الأوقاف المغربية إلى تشييد بعض المدارس على بعض الأراضي التي تملكها، ومن هذه المدارس المدرسة المحمدية الحرة بسلا.
كان محمد بن يوسف رحمه الله حريصا على مواكبة الحركة التعليمية في المغرب بإنشاء مدارس تعنى باللغة العربية في مدن مغربية كثيرة، أغلبها حمل اسمه أو اسم ابنته الأميرة للاعائشة، وأكثر من ذلك كان هو أو الأميرة يشرفان على تدشين هذه المدارس في الأربعينات والخمسينات، ففي مدينة سلا تأسست ثلاث مدارس للتعليم الحر: مدرسة النهضة بإدارة المجاهد أبي بكر القادري سنة 1933، ومدرسة الأميرة عائشة بإدارة المجاهد الحاج أحمد معنينو 1947، والمدرسة المحمدية الحرة بإدارة الفقيه الحاج محمد المريني سنة 1948.
المدرسة المحمدية الحرة بسلا:
تقع المدرسة المحمدية الحرة بمدينة سلا وسط ثلاث معالم بارزة في المدينة؛ المسجد الأعظم الموحدي، والمدرسة المرينية بطالعة سلا، وضريح سيدي عبد الله بن حسون السعدي، وكأني بهذه المدرسة تمثل نبضا دفاقا في تاريخ المغرب، جهادا وحضارة وعطاء وصلاحا.
تأسست هذه المدرسة سنة 1948 تحمل الاسم المحمدي انتسابا إلى السلطان محمد بن يوسف بظهير ملكي، وكان إنشاؤها على أرض حبسية كما أمر السلطان، ومن ثمّ أصبحت من أحباس وزارة الأوقاف، وسيتمُّ تعيين الفقيه الحاج محمد المريني مديرا لها بعيدا عن كل تحزّب باعتبار مديري المدرستين السابقتين ينـتسبان إلى حزبي الاستقلال والشورى والاستقلال، ومن ثمَّ سيشرف الفقيه المريني على هذه المدرسة وعلى تسييرها تربويا وعلميا وإداريا إلى أن وافته المنية، (1948 ـــ 1986).
وللحديث عن المدرسة المحمدية الحرة التي أسندت إدارتها إلى العالم الجليل الفقيه الحاج محمد بن أبي بكر المريني رحمه الله (1903 ــ 1986)، لا بد من الحديث عن هذا الرجل الذي أفنى زهرة شبابه في التعليم والتدريس بأبهاء المساجد وحجرات المدارس وقباب الأضرحة، لا يعرف النوم سبيلا إلى جفنيه، ولا الهدوء طريقا إلى نفسه إلا بعد أن يطمئن إلى تلاميذه ومساعديه، وقد وفَّاه جلالة الملك محمد بن يوسف طيَّب الله ثراه ما كان أهلا له جزاء طيبا، فعينه مديرا لهذه المدرسة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
كان الفقيه محمد المريني بحق مدرسة متحركة في بيته مع أسرته الصغيرة وعشيرته المقربة، وفي المدرسة مع الأطفال والتلاميذ، ومع أبناء الحي في المسجد الأعظم وفي ضريح سيدي عبد الله بن حسون، لقد ارتبط اسم الفقيه الحاج محمد المريني في حياته بهذه الأماكن الثلاثة، فلا تجده إلا ملبيا لأمر كل من طَلَـبَه، في أي وقت كان.
كان الفقيه الحاج محمد المريني مديرا ناجحا في تسيير مؤسسته محافظا عليها حفاظه على أسرته، لا يشغله غير نجاح تلاميذه وتلميذاته وإسعاد معلميه ومعلماته، أذكر أن حضوره كان لافتا للنظر، أول من يدخل المدرسة وآخر من يخرج منها، لم تبعده الإدارة وانشغالاتها عن مهمته التعليمية التربوية، فكان المعلم المحاضر إن تغيب معلم لسبب من الأسباب، فتجده يدرس اللغة العربية وعلومها من نحو وصرف ولغة وإملاء، وهو معلم الفقه والحديث والحريص على تحفيظ القرآن الكريم لتلاميذه وعلى شرح الغامض من الآيات بلغة بسيطة واضحة تغري بالتتبع والفهم، هكذا عهدته وزميلاتي في المدرسة، نسعد وننشرح كلما تغيب معلم عن درسه لأنه سيقوم مكانه ليمتعنا بشروحه وتوضيحاته، يلبس جلباب المعلم المربي وفق المعطيات التربوية الحديثة، التعليم عن طريق المرح والتمثيل، يغيب المدير الصارم ويحضر المعلم المرح بعلمه ومرحه وحسن تلقينه، فتترسخ المعلومة في الذهن ببساطة وحسن استيعاب.
لم يكن الفقيه المريني خريج جامعة عصرية ليكون تسييره لمدرسته على الوضع الذي عرفناه عليه كما درسنا في كتب التربية وعلم النفس وطرق التدريس، وإنما كان خريج المدرسة التقليدية بمسقط رأسه سلا وخريج جامعة القرويين بفاس، لكنه كان ناجحا في تغيير أساليب التدريس بمنهجية تراعي الوضع الجديد للمدرسة المغربية.
تعليم الفتاة بهذه المؤسسة:
كان لتشجيعه رحمه الله على تعليم الفتاة وقع طيب في نفوس الجميع، وفي نفوس الأسر السلاوية التي وجدت في شخص هذا المدير بعنايته ورعايته تحررا من قيود الجهل، بولوج بناتهن أبواب المعرفة عن طريق التمدرس تلقيا وتدريسا.
لقد مرَّ على فتح أبواب المدرسة المحمدية وممارسة أنشطتها التربوية والتعليمية، خمس وسبعون سنة، معلمون ومعلمات أكفاء، تلاميذ نشطاء مجدّون، مؤطرون وإداريون، أصدقاء ومؤازرون، فكانت نموذجا للمدرسة الوطنية في فترة الاستعمار، ولعل نجاح هذه المدرسة المحمدية الحرة في القيام بواجبها يعود دون شك إلى حزم المدير وصرامته وشدته وليونته، لم يبخل بوقته وعلمه ونصحه وتربيته على تلاميذ هذه المدرسة أو معلميها في أي وقت، وكان من حسناته تشجيعه مشاركةُ الفتاة لأخيها الفتى في التعلم والتعليم، فهي مدرسة مختلطة للبنين والبنات، وهي أيضا كما يدرِّس بها المعلم تدرس بها المعلمة، كان الفقيه الحاج محمد المريني من أنصار مشاركة الفتاة في ممارسة مهنة التعليم، ولعله كان من الأولين الذين حرصوا على ذلك تشجيعا وممارسة خاصة في فترة الحماية حيث لم يكن للفتاة حضور في الساحة التعليمية، فتح الباب لمشاركة الفتاة المغربية في التعليم بالمدرسة، فمن الفتيات الأوليات اللائي درَّسْنَ بهذه المدرسة السيدة أم هاني بلامين، والسيدة فائزة اعمار رحمها الله، كانتا تلتحفان الجلابة والنقاب عند الدخول وعند الخروج من وإلى المدرسة، لكن ما إن تَـلِجَـا بوابة المدرسة فإنهما تـتخلصان من الجلباب وتـرتديان الوزرة البيضاء للقيام بالواجب، ولا أزال أذكر كيف كانت المعلمتان تقومان بواجبهما، وكيف كُنْتُ وزميلاتي نعمل على مراقبتهما خاصة في حصة الاستراحة، فهما سعيدتان بهذا العمل وسط جيل من التلميذات والتلاميذ، بتشجيع المدير وزملائهن من المعلمين في أول عهد المغرب بالاستقلال أواخر سنة 1956ــ 1957.
كانت المدرسة المحمدية تبث في تلاميذها روح الوطنية والكفاح وتغرس في نفوسهم حبّ طلب العلم ومحاربة رياح الأمية، وتسعى إلى تمكين الفتاة السلاوية من التحرر من قيود الجهل والتخلف وتوعيتها بدورها في المجتمع لبناء أسرة صالحة، في ظروف لم يكن متاحا لهذه الفتاة أن تعلن عن حضورها إلا عن طريق التعلم والدرس.
إن الوفاء للوطن هو وفاء للضمير ووفاء للحرية التي كان يناضل من أجلها الوطنيون الأحرار بوسائلهم المتعددة، في الأسرة والمدرسة والحزب والخلية والجريدة وساحة المعركة.
وتعتز المدرسة المحمدية الحرة بالأجيال من تلامذتها الذين رشفوا من ينابيعها ما كانوا في حاجة إليه من علم ومعرفة وتربية وتكوين، ونجحوا في متابعة دراساتهم الثانوية والجامعية، ومنهم اليوم الأستاذ الجامعي والقاضي والمحامي والطبيب والمسؤول في إدارات عديدة، وكلهم يثني على أفضالها وعلى دورها في تكوين شخصيتهم والاعتماد على أنفسهم في بناء مستقبلهم بحرية وحسن اختيار تحت إشراف مدير مربٍّ مسؤول ومعلم مخلص لرسالته التعليمية.
وإذا كانت المدرسة المحمدية قد فقدت بعض إشعاعها بعد وفاة مديرها، فإنها ستستعيد نشاطها وتألقها سنة 2000، فبعد ثلاث عشرة سنة من التعثر ستستعيد حيويتها ونشاطها في حلة أنيقة جديدة لمتابعة رسالتها التربوية والتعليمية بهمة ونشاط، وحزم وصرامة، وبالطرق العصرية الحديثة التي تبعث على الارتياح والطمأنينة على مستقبل الأطفال والتلاميذ الذين انتسبوا إليها وقد ارتضى آباؤهم ذلك الانتساب، مواكبة لكل التطورات التي ترتكز عليها أساليب التربية والتعليم بناء على نظريات وأساليب تربوية معاصرة، وهي اليوم تؤدي واجبها نحو أبناء مدينتنا بتربيتهم وتعليمهم وتكوينهم، مؤكدة ما للمدرسة المغربية الحرة من مسؤولية في الارتقاء بتعليمنا والحفاظ على مقدساتنا، والاعتزاز بهويتنا للارتقاء ببلدتنا سلا وبمغربنا العزيز بروح وطنية صادقة والتزام ومسؤولية، وهي اليوم تعمل تحت إشراف نيابة وزارة التربية الوطنية بمدينة سلا، مؤكدة حضورها بالحصول على أعلى النتائج في الامتحانات الدورية السنوية أو في امتحان الشهادة الابتدائية، ومسايرتها للتطور الذي عرفته المدرسة الابتدائية على مستوى المدارس المغربية الناهضة وغيرها من المدارس التي اختارت نعتها بالمدارس الخاصة، والتي أصبحت تستنـزف جيوب الآباء والأمهات في كل المدن المغربية…
بالفعل فالمدارس الحرة غداة الحماية استحالت إلى مؤسسات جعلت على عاتقها حماية الهوية الإسلامية والوطنية، من خلال تدريس اللغة العربية في محاولة للتصدي للفرنسة المقيتة التي أراد المستعمر تصريفها.
ومن جملة ذلك المدرسة الحسنية بأبي الجعد حاضرة الشرقاويين التي شاده الفقيه العلامة محمد السموني رحمه الله وأحسن إليه فكانت منارة علمية أفاد منها أبناء إقليم تادلا التاريخية
المسجد الأعظم مرابطي وليس موحديا؛ فقد بناه أول مرة تميم بن زيري اليفرني؛ أمير سلا في عهد يوسف بن تاشفين. وصحيح أن المدرسة المحمدية كان لها كبير الفضل في الحفاظ على هوية الأطفال والشباب المغاربة ذكورا وإيناثا. ولكن لا يجب أن ننسى فضائل المدارس الحرة التي كان يديرها متحزبون؛ كمدرسة النهضة بمديرها الاستقلالي والوطني الغيور أبو بكر القادري، التي سوف تتحول فيما بعد إلى ثانوية. وكذلك؛ وخصوصا مدرسة لالا عائشة بسيدي مغيث بمديرها الوطني المجاهد المنتمي لحزب الشورى والاستقلال الحاج أحمد معنينو؛ والتي اتهمت أكثر بالبنات وتربيتهن وتعليمهن.
ما آثار انتباهي هي تلك الصورة الجميلة التي ذكرتني بأيام اخر الستينات و السبعينات.الزمن الجميل رغم قلة الامكانيات انذاك. المعلم اللباس التقليدي. الجلابة. كانوا يتعاملون معنا كآبنائهم……………….. علمون الأخلاق. والادب وحب الوطن. والتفكير في المستقبل.