إن دراسة عمل جمعيات المجتمع المدني في منطقة نامية مثل “أسكاون” ليس بالأمر الهين، إذ أن مراقبة وملاحظة وتحليل عمل الجمعيات، والفاعلين، يحتاج إلى معرفة علمية مسبقة بهذا الموضوع لنحلل ونقيس على ضوئه هذا العمل، حتى تكتمل لدى الباحث والقارئ الكريم الرؤية المعرفية الشاملة له.
ويعتبر العمل الجمعوي عملا مدنيا بامتياز، حيث إنه يصدر عن مؤسسات تصنف على أنها ضمن المجتمع المدني، ويسمى جمعويا لأنه يمارس باسم الجمعيات، بحيث أن باقي المؤسسات تتمثل في الأحزاب، وباقي التنظيمات الأخرى، ويمكن تعريف الجمعية بأنها “اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح في ما بينهم”، يعني تلك التي تؤسس بناء على إرادة حرة ومستقلة للمبادرين بتأسيسها، الذين وضعوا تصوراتها الأولية والحائزة بشكل قانوني على شخصية معنوية أو اعتبارية، ولها ذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للأفراد المؤسسين لها.
والعمل الجمعوي هو ذلك العمل الصادر عن الجمعيات أو ممثليها، نتيجة تنزيل برامجها، وتحقيق أهدافها، وغالبا ما يكون العمل الجمعوي في منطقتنا مرادفا للمجتمع المدني بشكل عام -على الأقل في تمثلات بعض الفاعلين- مع أن هناك فروقا كبيرة بينهما، أما المجتمع المدني بشكل عام فقد عرفه الكثير من الفلاسفة والمفكرين، سواء في البيئة الغربية التي ظهر فيها في شكله الحالي، أمثال (فلاسفة الأنوار، كرامشي، هيغل، طوكفيل، …)، والذين عملوا على تعريفه وتحديد مفهومه، ولهذا فإن “هيغل” مثلا حينما عرف المجتمع المدني ركز على فكرة الوسائطية أي أنه يتموقع بين الأسرة والدولة. أو في المغرب الذي لم يعرفه إلا مع فترة الاستعمار، بحكم البنية الفكرية والثقافية المختلفة، كـ”الجابري” الذي اعتبر أن المجتمع المدني هو “تلك المؤسسات التي ينشئها الناس لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، هي إذن –حسبه- مؤسسات إرادية أو شبه إرادية، يقيمها الناس وينخرطون فيها ويحلونها، أو ينسحبون منها”، إذن بالنسبة له هو مجتمع المدينة، وذلك على النقيض تماما من مؤسسات المجتمع البدوي أو القروي، التي هي مؤسسات طبيعية يولد الفرد منتميا إليها مندمجا فيها ولا يستطيع الانسحاب منها، كـ(القبيلة و الطائفة أو جماعة) -بتسكين الجيم-، مما يعني معه أن البادية تتوفر على مؤسسات تقليدية تؤثث فضاءها العام، مما يستبعد معه الحديث عن المجتمع المدني في المناطق القروية بمفهومه الحديث.
وقد أعطى البنك الدولي كذلك تعريفا للمجتمع المدني، أعدته عدد من المراكز البحثية الرائدة، إذ يشير مصطلح المجتمع المدني إلى المجموعة الواسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة، وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استنادا إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية. فهي إذن مؤسسات تطوعية حرة تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، والتي تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، أو لتقديم خدمات للمواطن، أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم التعاون والتراضي والمشاركة والإدارة السلمية والاختلاف.
ولقد شهدت منطقة “أسكاون” ميلاد أول جمعية مدنية مؤسسة بشكل قانوني نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبداية الألفية الثالثة، ليليها بعد ذلك في السنوات الموالية مسلسل التأسيس لأخرى موزعة على باقي الدواوير التابعة للجماعة الترابية، وبعد سنة 2014 شهدنا تطورا غير مسبوق في تأسيس الجمعيات، لتعزز من أدوارها، حيث لاحظنا تدخلها في ميادين الاختصاص الأصلي فيها إما للجماعات الترابية كالماء الصالح للشرب، وإنشاء ملاعب القرب، وتعبيد الطرق، وتدبير النقل المدرسي….. إلخ، أو للمرافق العمومية الكبرى كالصحة، والتعليم الأولي ما قبل المدرسي، وذلك بحثا عن بدائل مؤسساتية جمعوية مدنية تساهم في تنمية الدواوير كبديل عن عجز الدولة والجماعات الترابية في فعلهم التدخلي لتنمية المنطقة، هذا العجز الناتج عن ضعف مردودية السياسات العمومية الوطنية والترابية المتبعة، وما نتج عنه من خصاص في المجال التنموي بشكل عام، بالإضافة إلى تأثيرات العولمة ومناخها، وسياسات التقويم الهيكلي الذي تعرضت له الدولة، وبالتالي في نظرنا هذا الزخم في التأسيس، هو قرار سياسي لمواجهة تلك التحديات والاختلالات الناتجة عنه، بحيث أصبحت إطارا يعبأ شرائح وقوى اجتماعية لكي تتحمل عبء مواجهة هذه المشاكل الناتجة عن تقليص دور الدولة في تلبيتها لحاجيات المواطن التنموية خصوصا في المناطق المهمشة التي تسود فيها جملة من الاختلالات المجالية. وذلك على حد تعبير “فاطمة المرنيسي” حينما اعتبرت أن أجيال ما بعد سنة 1983، يتوجب عليها أن تؤسس مؤسسات مدنية لمواجهة الخصاص الذي ستخلفه سياسات التقويم الهيكلي، من انحسار دور الدولة في مجالات كانت تتدخل فيها سابقا.
ويستمد هذا الموضوع أهميته من راهنيته، على اعتبار أن المنطقة تشهد دينامية جمعوية مهمة، تتجلى في عدد ونوعية الجمعيات التي تؤسس أخيرا بتعدد فاعليها وأهدافهم ورهاناتهم، بالإضافة إلى ما مثله المجتمع المدني بشكل عام في الدول المتقدمة من قوة سببية للتحول الديمقراطي، وكذا المطالبة بحقوق الأقليات والمستضعفين في الأرض والدفاع عنها، هذا إضافة إلى المكانة التي بوأها المشرع الدستوري من خلال إشراكها في تدبير الشأن العام (الديمقراطية التشاركية).
ومن دوافع كتابة هذا المقال هو حجم التصحر المعرفي الذي يعتري المواطنين، وكذا بعض المنخرطين والفاعلين في الحقل الجمعوي بتلك المنطقة، والذي استنتجته شخصيا من خلال الحوار معهم، والذي قد يعادل -في نظرنا- نسبة المحيطات في الكرة الأرضية، مما دفعني إلى مقاربته مستهدفا أبناء تلك المنطقة، لتنوير عقولهم في هذا المجال، وتقليص هذا التصحر المعرفي حول العمل الجمعوي بشكل عام.
كما يتوخى هذا المقال كذلك، لفت انتباه الفاعلين الجمعويين في منطقتنا -بمختلف اهتماماتهم ورهاناتهم- إلى أهمية وضرورة إطلاق نقاش جماعي يسائل حصيلة الفعل الجمعوي طوال هذه المدة من أجل إيجاد الأليات الكفيلة لرصد وتتبع ديناميته وتقييم أدائه وفاعليته، بشكل يوسع من مشاركته الفعالة، وإطلاق ديناميته الخلاقة في لعب أدواره الطلائعية ضمن النسق العام، على غرار نظرائه في الدول المتقدمة.
إن العمل الجمعوي في المنطقة، على الرغم من الخدمات التي قدمها ومازال يقدمها، فإنه لم يخل من مساوئ، جعلته يخرج عن نطاقه ومبادئه التي تحدد هويته الحقيقية، وبدا وكأنه أضاع طريقه الحقيقي المستنبط من فلسفته الأصلية، ومن القوانين المؤطرة له، ويتمظهر ذلك من خلال مجموعة من السلوكيات التي تطال نشاطه، والتي سأعمل على معالجتها في محاور ثلاثة في هذا المقال.
1ـ علاقة جمعيات المجتمع المدني بمؤسسة “جماعة”
إذا كانت الجمعيات من ضمن مؤسسات المجتمع المدني، التي تؤثث الفضاء العام بين الأسرة والدولة خصوصا في المجتمعات الغربية الناتجة لهذا النوع من المؤسسات، وفق مسار تاريخي معين، فإن منطقة “أسكاون” لا تؤثثها فقط هذه الأنواع من المؤسسات، على اعتبار أن المنطقة قروية بالأساس، لم تعرف هذا النوع من المؤسسات إلا أخيرا، نظرا لبنيتها الثقافية وبيئتها المجتمعية التقليدية المختلفة التي أفرزت لنا مؤسسات من نوع آخر مثل (جماعة، القبيلة، إمزوارن…)، تحمل في طياتها ميسم الديمقراطية في تكوينها، وطريقة اشتغالها، وعبقرية فريدة في أساليب عملها، مثل (تيويزي، توالة، الثنا…). بل يعتبر هذا النوع من المؤسسات دخيلا عليها (أي الجمعيات)، وجسما غريبا زرع في جسدها، ويجد صعوبة في التأقلم معها، مما نتج عنه مجموعة من الاختلالات، أدت إلى انحسار مؤسسات وبروز أخرى مكانها، وصعوبات في التأقلم مع هذه البيئة أثناء اشتغالها.
وإن من مساوئ العمل الجمعوي بالمنطقة -المرتبطة بهذه النقطة- محاولة حلول الجمعيات محل “جماعة”، والعمل على انحسار دورها لصالح الجمعية كتنظيم حداثي معولم، فإذا كانت “جماعة” مؤسسة تقليدية ممتدة وعريقة وطبيعية نابعة من التقاليد والأعراف، وعبر مسار تاريخي طويل، لزمت الدواوير تاريخيا، والتي تتأسس من وجهاء الدوار، بحيث كل كبير العائلة أو معيلها أو رب العائلة الممتدة يكون عضوا فيها بشكل أوتوماتيكي، تجتمع كلما دعت الضرورة لذلك للمناقشة والبت في أمور عامة تخص الدوار، أو في قضايا لها علاقة بالجوار، فإن الجمعية هي عكس ذلك سواء في طريقة تكوينها، أو أساليب عملها.
ومن المهام التي تضطلع بها “جماعة” نذكر على سبيل المثال ما يلي:
ـ بناء أو تشييد وإصلاح قنوات المياه لغرض السقي
ـ شق وتعبيد وإصلاح الطرق والمسالك
ـ حفر الآبار ومد قنوات الماء الصالح للشرب
ـ إعلان حالة الحرث أو الحصاد بشكل جماعي
ـ بناء المساجد
ـ إعلان بدء موسم جني ثمار المزروعات بشكل جماعي…. إلخ.
وتشتغل “جماعة” في تنفيذها لمهامها بطرق (تيويزي أو الثنا). و (تيويزي) هي عملية تعاون بين أهل الدوار لأداء أو إنجاز عمل ما عندما يتعلق الأمر بداخل الدوار، أما عندما يتعلق الأمر بتعاون مع دواوير أخرى تسمى هذه العملية بـ(الثنا) أو (توالة) في بعض المناطق، وهذه المؤسسة التقليدية العريقة، لا تتقادم ولا يمكن حلها لا بقوة القانون ولا بحكم قضائي فهي دائمة ومستمرة، مع تحملها المسؤولية عن الأفعال الصادرة عنها، إلا أن أدوارها بدأت بالانحسار نتيجة ظهور مؤسسة جديدة وحديثة تسعى لأخذ مكانها التي هي الجمعية.
وإذا كانت جل المهام التي تضطلع بها هذه المؤسسة العريقة، أصبحت الآن من اختصاص إما الجماعات الترابية، أو المؤسسات اللاممركزة للدولة في إطار الدولة الحديثة التدخلية، فإن ما يجب التـأكيد عليه عمليا هو أن في كثير من الدواوير مازالت “جماعة” هي من تقوم بها، ولقد ذكرني هذا الوضع بمقولة لـ “أنطونيو كرامشي” حين قال: “القديم في طور الوفاة، والجديد لم يولد بعد”. يعني أن مؤسسة “جماعة” في طور الأفول، والدولة والجماعات الترابية في فعلها التدخلي التنموي غائبة.
أما الجمعية فهي مختلفة فقد عرفها المشرع في المادة 5 من القانون المنظم للجمعيات كما سبق ذكره في المقدمة، والجمعية يمكن حلها بحكم قضائي، كما يمكن أن تنتهي بانتهاء هدفها أو عملها… إلخ. فهي حديثة النشأة على -الأقل في منطقتنا- وبالتالي لا يمكن أن تحل محل “جماعة”، على عكس ما ذهب إليه بعض الباحثين، حينما اعتبروا أن الجمعية ستحتل مكانها في مجتمع البادية، نظرا لتحولات المصاحبة للعولمة، التي تخضع لها المجتمعات التقليدية، والحال أنه من الصعوبة بمكان تصور هذا التوجه لاعتبارات موضوعية، مربطة أساسا بالبنية الثقافية التقليدية للمنطقة، ثم إنها لم تنبع من المجتمع بالأساس، لأنه لم يكن مجتمعا رأسماليا ولا ليبراليا، يعني أنه لم يشهد تطورات على غرار ما عاشته المجتمعات الغربية التي أفرزت هذا النوع من المؤسسات، وبالتالي فإنها منقولة أو مستوردة.
إن ما يجعلنا نقيم هذا التباين والتمييز بين هاتين المؤسستين، هو محاولة الكثير من الجمعيات وفاعليها الحديث، أو الترافع باسم الدواوير أو القرى في لقاءات الشأن العام على أنهم يمثلون “جماعة” أو “الدوار”، بل إن بعض المسؤولين -عند مخاطبة الناس- يربطون مصالح الجمعيات على أساس أنها تمثل وتنوب عن الدواوير، والحال أن هذا لا يمكن تصوره، لأن الجمعية شخص معنوي مستقل عن الدواوير أنفسهم من الناحية القانونية، بالإضافة إلى وجود دواوير تنشط في داخلهم أكثر من جمعية، وهذا ناتج عن اعتماد الجمعيات في قوانينها الأساسية عن مهام وأهداف تنم عن نزوحها نحو الاختصاص الترابي المغلق داخل الدواوير، بدل الاختصاص الوظيفي المفتوح على كافة أفراد المنطقة، والذي هو الأصل في فلسفة وعمل الجمعيات، مما يؤكد على أن بعض الجمعيات في المنطقة تسعى إلى تنميط “جماعة” وقولبتها.
وهناك من الباحثين من اعتبر أن الانتقال من سلطة “جماعة” إلى الجمعية كتنظيم حداثي عقلاني يستمد مقوماته من حرية الأفراد، وقناعاتهم، وليس من العادات والتقاليد، وفي نظرنا المتواضع لا يمكن للثانية أن تحتل مكان الأولى بأي شكل من الأشكال، لأن البنية الفكرية لأفراد الدواوير تنزح إلى التنظيمات الجمعوية المغلقة التي ينخرط فيها أبناء الدوار فقط، وبالتالي فإن “جماعة” لا يمكن أن تذوب في إطار جمعية، لأن الشروط الفكرية والثقافية لذلك غير متوفرة، اللهم إن تم إضفاء الصفة القانونية على مؤسسة (جماعة)، والاعتراف لها بالشخصية المعنوية، لمخاطبتها قانونيا، بالإضافة إلى استقلالها الإداري والتدبيري، وهذه العملية تحتاج إلى إرادة سياسية، أما ما هو موجود الآن فهناك بون شاسع بين الاثنتين.
2ـ عدم مواكبة العمل الجمعوي للتطور التشريعي
تعتبر الجمعيات تنظيمات وظيفية لها مجموعة من الأدوار، اجتماعية واقتصادية وسياسية، أصبحت ظاهرة للعيان، ولا يمكن تجاهلها، لذا فإن دراسة الجمعيات من هذا المنطلق ليست مجرد ترف فكري بل نتيجة لضرورة فهم عملها والآثار المترتبة عنه، نتيجة تحولات شاملة وهيكلية أصابت الدولة والمجتمع على حد سواء، فالاهتمام بالعمل الجمعوي نابع بالأساس من قيمة وأهمية الجمعيات في النسق العام على حد تعبير “ماكس فيبر”.
وإذا كان المجتمع المدني فاعلا أساسيا في معادلة تحديث المجتمع ودمقرطة الدولة، نظرا لما يتوفر عليه من مقومات مؤثرة اجتماعيا وسياسيا، تؤهله للعب هذا الدور تاريخيا، خصوصا مع تجربة أوروبا الشرقية عقب سقوط جدار برلين وانحسار الاتحاد السوفياتي، والدور الذي لعبه في دمقرطة دول أوروبا الشرقية (الموجة الثالثة من الديمقراطية)، وكذا المسار الذي قطعته مجموعة من البلدان الديمقراطية في بناء نموذجها المجتمعي والمؤسساتي، يشكل دليلا على مدى أهمية إسهامات مكونات المجتمع المدني في هذا المجال، فإن الوضع في المغرب عموما وفي منطقتنا خصوصا فهو مختلف، لأنه يتسم ببنية ثقافية وفكرية مختلفة عن تلك التي أنتجتها في الدول الأوروبية الرأسمالية، ولهذا نجد المجتمع “الأسكاوني” إن صح التعبير أنتج مؤسسات أخرى تؤثث الفضاء بين الأسرة والدولة تاريخيا، تحمل في طياتها روح المجتمع المدني المنظم.
وتعتبر الثورة التشريعية التي عرفها المغرب منذ التعديل الدستوري لسنة 2011، وصولا إلى إخراج القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وكذا القوانين المنظمة لكيفية تقديم الملتمسات والعرائض لكل من المؤسسات المركزية واللامركزية واللاممركزة على السواء، وما تحمله من تطورات شملت وضعية المجتمع المدني عموما، والجمعيات خصوصا، فرصة سانحة للجمعيات في منطقتنا، لتلعب دورها في المطالبة بما هو غائب من الناحية التنموية طوال عقود من الزمن، والمطالبة بتعزيز الديمقراطية المحلية لتصبح في أبهى صورها.
فلقد نصت القوانين المذكورة على مجموعة من الحقوق، والآليات المؤسساتية، الواضعة رهن الجمعيات للمطالبة بحقوق من يدافعون عنهم، ولتحقيق الأهداف التي سطرتها في قوانينها الداخلية، لدرجة أنه تمت دسترة هذه الحقوق والآليات من أجل إعطائها حصانة وضمانة كاملة لممارسة حقوقها، وألا يجهز عليها أي جهاز إداري بقراراته، ونذكر منها على سبيل المثال ما ينص عليه الفصل 12 من الدستورفي الفقرة الثالثة من الفصل 12 على أنه “تُساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها. وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة، طبق شروط وكيفيات يحددها القانون.”
وينص الفصل 13 على أن “تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها.”
كما يتضمن الفصل 14 النص على أن “للمواطنات والمواطنين، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع”.
وينص الفصل 15 على أن “للمواطنات والمواطنين الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية. ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق”.
وينص الفصل 139 من الدستور على أن “تضع مجالس الجهات، والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها.
يُمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله”.
وفي إطار تنزيل مقتضيات الدستور، فقد تضمنت القوانين التنظيمية المتعلق بالجهات ومجالس الجماعات الترابية الأخرى، مجموعة من المقتضيات التي تؤطر لمشاركة الجمعيات، والمواطنات وبالمواطنين، في إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية المحلية، حيث تنص القوانين التنظيمية للجماعات الترابية بمستوياتها الثلاثة في المواد التي تنظم شروط تقديم وقبول العرائض للمجالس الترابية، وكذا إحداث هيئات للحوار والتشاور للمساهمة في إعداد البرامج والسياسات الترابية، وكذا تتبعها وتقييمها، وذلك في المادتان 121 و122 من القانون التنظيمي للجهات، بالإضافة إلى ما تنص عليه المادتان 115و116 من القانون 112,14 المتعلق بمجالس العمالات والأقاليم، ثم ما تنص عليه كذلك المواد 119و120 و121 و123و124و125 من القانون 113,14 المتعلق بالجماعات(القاعدية)، والتي جاء القانون التنظيمي 14.44 لتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض عمليا إلى السلطات العمومية.
إلا أن هذه الأدوار الطلائعية التي منحها المشرع الدستوري للجمعيات، لم تضطلع بها نظرا إلى مجموعة من المعيقات التي تعاني منها الجمعيات وفاعلوها في المنطقة، منها ضعف إن لم نقل غياب التكوين القانوني والسياسي والفكري لدى جل الفاعلين الجمعويين، بالإضافة إلى التمثلات السائدة لدى المواطنين وبعض الفاعلين في المنطقة، التي تتوجس دائما من مطالبة السلطات سواء اللامركزية واللاممركزة بحقوقها المشروعة، بالإضافة إلى أن الجمعيات في حد ذاتها مازالت تبحث لنفسها عن موطئ قدم ضمن بيئة تملؤها المؤسسات التقليدية كـ”جماعة، القبيلة، إمزوارن…” فضلا عن الأعراف المعقدة التي تلف المنطقة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، نجد عندما نمعن النظر مثلا في دوافع نشأة الكثير من الجمعيات المؤثثة للفضاء العام بتلك المنطقة، ليس خدمة الصالح العام بالأساس، أو الدفاع عن فئة معينة بالدرجة الأولى، باعتباره عملا نبيلا، بل نابعة من أهداف مضمرة يسعى الفاعلون للوصول إليها ويتخذون من الجمعيات مطية لذلك، وهذا يشكل في حد ذاته عائقا أمام ترسخ فكرة العمل الجمعوي، لأن المنطق المصلحي بالأساس منع من بروز فعل جمعوي حقيقي، نابع بدوره من عمق المجتمع، ومطالبه الطبيعية على غرار التجربة الأوروبية.
إلا أن ما أثار انتباهي في الحقيقة عند تحليل العمل الجمعوي بمنطقة “أسكاون” هي المرحلة التي ظهر فيها فاعل جديد، الذي هو الاستثمار الأجنبي، حيث سجلت تغييرا مهما في عمل الجمعيات، وهو الاهتمام بالعمل على جوانب أخرى ليست لها الأولوية في تنمية المنطقة، وهي إنشاء ملاعب للقرب، وبسرعة غير عادية، وفي وقت واحد، وتنظيم تظاهرات رياضية بمناسبة عيد الأضحى، حيث تعرف المنطقة بشكل عام نوعا من الاحتشاد الجماهيري المناسباتي، وهو الأمر الذي لم تكن الجمعيات تهتم به من ذي قبل إلا لماما بل حتى الجمعيات التي لم ترد الرياضة ضمن أهدافها التي سطرتها لنفسها في قوانينها الداخلية، عملت على إنشاء ملاعب للقرب بالدواوير والمشاركة في تنظيم تظاهرات رياضية، وهذا ما استنتجته عندما كنت عضوا في إحدى الجمعيات، وقمت حينها بإعمال مسح على مجموعة من القوانين الداخلية للجمعيات، ليتبين أن جلها لم تكن الرياضة ضمن أهدافها، ولا ضمن مهامها، ولا ضمن أجنداتها، ولكن انخرطت مع البقية في هذه العملية وفي التوقيت نفسه.
كما لعب كذلك بعض الفاعلين أدوارا طلائعية غير معلنة (مضمرة) في المنطقة، تتمثل في التدخل كوسطاء بين الشركة المستثمرة في المناجم، وبعض المتضررين من أعمالها (دون ذكر الوقائع)، فعوض أن يكون الفاعلون أداة للدفاع عن المتضررين من سكان الدواوير المجاورة، أصبحوا وسطاء بين الشركة والمتضررين، مما أدى إلى الحؤول دون المساءلة القانونية للشركة، متسائلا بذلك ـمن خلال الواقعتين ووقائع أخرى- حول ما إذا كان الوافد الجديد هو الموجه للعمل الجمعوي في هذه المنطقة؟ وهل أصبح سيدا؟ بمعنى آخر هل تسيد علينا الاستثمار والاقتصاد ولم يعد وسيلة للتنمية؟ هل أصبح ربا يعبد؟ هل يجب أن نجعل له طقوسا وكهنوتا؟
وبالتالي فإن ملامح هذه الجمعيات من أجل التغيير مازالت بعيدة عن الوضوح، بحيث لم تتهيأ بشكل كاف لتكون قوة للتأثير في القرار المحلي والسياسات العمومية الترابية، نظرا للأسباب الواردة أعلاه، بالإضافة إلى أنها غارقة في صراعات في ما بينها سواء من أجل التمثيلية والزعامة داخل الدواوير، حيث تعدد الفاعلين وتعدد رهاناهم، أو في شكل اتحادات متناحرة أفقدتها القدرة على التفكير والعمل بشكل عقلاني لتحديد موقعها الحقيقي للتدخل في الفضاء العام لتلك المنطقة، هذا المناخ الموسوم بالصراعات أفقد الجمعيات القدرة على التأثير في النسق العام، وخلق بيئة جمعوية غير سليمة جعلت الشباب ينفر منها بشكل تدريجي، هذا المجال الذي كان فضاء لإثبات الشباب لدواتهم، بعيدا عن الخضوع للمؤسسات التقليدية كـ”جماعة” التي بدأت في الأفول مع رياح العولمة.
3ـ فقدان العمل الجمعوي لمقوماته الأساسية
نقصد بمقومات العمل الجمعوي في هذا الموضوع تلك الخصائص التي تعطي للعمل الجمعوي هويته الحقيقية حسب (جيرارد مينيسيل) وهي:
1ـ الطوعية: وتعني الإرادة الحرة لدى الفاعل الجمعوي لتقديم خدمات لفئات في حاجة ماسة لها مجانا ودون مقابل مع تحمل المسؤولية تجاه المحيط.
2ـ المجانية: ونقصد بها هنا تقديم خدماتها بالمجان دون مقابل مادي، وذلك لتمييز عملها عن المقاولة أو الشركة أو القطاع الذي يستهدف الربح بالأساس، تماشيا مع ما ينص عليه المشرع في القانون المنظم للجمعيات وهو بصدد تعريفه للعمل الجمعوي.
3ـ الاستقلالية: ونعني بها هنا الاستقلال عن الهيئات السياسية، فهي لا تؤسس من طرف أي هيئة ولا تسخر لخدمة أهدافها، ولا لخدمة أية أهداف سياسية أخرى، فهي ذاتية التأسيس والاشتغال لكن قد تكون مكملة لمهام الدولة أو الجماعات الترابية في إطار تعاون أو شراكة وليس أن تحتل مكانها في أداء وظائفها.
وإذا كان العمل الجمعوي يقوم على مقومات أساسية منها التطوع والمجانية والاستقلالية….، فإن ما يمكن استنتاجه من الفعل الجمعوي في منطقة “أسكاون”، أنه بدأ يفقد مقوماته الأساسية نتيجة لتحولات اجتماعية واقتصادية تعرفها المنطقة، وهو تحول عميق مس جوهر الفعل الجمعوي. فوفق ما لاحظناه عند تتبع ومراقبة الفعل الجمعوي بالمنطقة فإن هذه المقومات بدأت بالأفول وقد يطالها التجاوز، وهو ما يؤشر على تأثر المنطقة بقيم العولمة، كالربحية والمصلحة الخاصة والفردانية… والتي تعلي من الأنانية والفردانية على حساب التطوع كإحدى مقومات العمل الجمعوي، والذي يمكن اعتباره تحولا متسارعا في زمن العولمة.
فمفهوم المجانية لم يعد تصورا سليما بالنظر إلى حقيقة الواقع الفعلي، فقد أصبح عملا نفعيا يهدف إلى تحقيق عوائد مادية ملموسة وآنية، ويتمظهر ذلك من خلال (الجمعيات المسيرة والمدبرة للماء الصاح للشرب، النقل المدرسي، التعليم الأولي، بالإضافة إلى بعض الجمعيات الرياضية) حيث إن المستفيدين من تلك الخدمات يؤدون الثمن مقابل ذلك، وإن كان هذا الثمن زهيدا، فالجمعيات المدبرة للماء الصالح للشرب في الدواوير، يفرضون أتاوى على تقديم تلك الخدمات تبدأ من 20 درهما وقد تصل 120 درهما للشهر، حيث يتم إنتاج الماء عن طريق مضخات مائية، وتوزيعه على المنخرطين، عبر شبكة وبواسطة عدادات فردية وهذا العمل لم يعد مجانيا، مما يعني معه أن هناك تحولا عميقا في قيم العمل الجمعوي حيث أصبحت ربحية بالأساس.
ولربما حتى بعيدا عن أداء ثمن بعض الخدمات نقدا، فإن المجانية والتطوعية هنا يصعب الحديث عنها، نظرا إلى أن العمل الجمعوي المقدم حسب ثمثلات بعض الفاعلين، ما هو إلا وسيلة للتأثير في الوعي الجمعي استعداد للانتخابات، بمعنى آخر اعتبار المستفيدين والمنخرطين في هذه الجمعيات خزانا انتخابيا، يعني الاستفادة مقابل التصويت هي المعادلة الرائجة، على اعتبار أن الجمعية تشكل أداة فعل سياسية وانتخابية لا تقدم خدماتها بالمجان، وإنما أداة لخدمة مشروع سياسي أو فئوي، فمثلا مع بدأ انتشار مشاريع التعليم الأولي أو قبل المدرسي وتسييرها من طرف جمعيات يرأسها فاعلون جمعويون ويمارسون السياسة في الوقت نفسه، يعتبر من أحسن الأدوات لكسب فئات عريضة من الناخبين استعدادا للانتخابات، وإن بدت مجانية وتطوعية في بداية عملها، فقد تتحول في ما بعد إلى عمل ربحي بالأساس بل إن بعضها في طور التحول.
أما في ما يتعلق بركن الاستقلالية، فمن الصعب الأخذ به نظرا للارتباط الواضح بين الفعل السياسي والجمعوي أثناء الممارسة العملية، أي أن عمل الجمعيات في معظمه مسيس، وتعتبر آلية من الآليات التي يستخدمها السياسي لتفعيل أجنداته السياسية خارج أوقات الحملات الانتخابية، ويتبين ذلك من خلال عدد من المستشارين الجماعيين الذين هم منخرطون في جمعيات أو أسسوها أو ترأسوها، أو لربما أسسها جمعويون موالون لهم، أو كانوا يسعون للوصول إلى تدبير الشأن العام في المنطقة، ولهذا يمكن اعتبارها من هذا المنطلق أداة للتعبئة السياسية وضمان الولاء الانتخابي حيث يصبح الانخراط في الفعل الجمعوي هو انخراط سياسي بالأساس، وبهذا تكون معظم الجمعيات الفاعلة في المنطقة تمارس عملا مقنعا، ومستترا، ومضمرا، بل هناك ارتباط الفعل الجمعوي بالعمل الحزبي السياسي، وآية ذلك أن الوجوه الانتخابية نفسها هي الوجوه التي تدير التنظيمات الجمعوية وهذا طبعا لا يسري على الكل، حتى بعض الجمعيات التي لم تستطع تقديم خدمات ولم تبل بلاء حسنا فيه، فإنها تلجأ إلى أساليب مثل الانخراط في اتحادات للجمعيات والاحتجاج كطريقة لإثبات نفسها، أو من اعتمادها كورقة ضغط لجهة سياسية، أو من أجل تسويق صورة إيجابية عنها على أنها جمعيات تقف دائما بالقرب من المواطن وتتبنى قضاياه، وتدافع عن مشاكله من أجل تكوين رصيد انتخابي، الأمر الذي أعتبره حملات انتخابية سابقة لأوانها خارجة نطاق القانون، وبالتالي فمن الناذر وجود جمعية لا تمارس السياسة بشكل من الأشكال على حد تعبير أستاذنا المهدي الفحصي في مؤلفه “الحقوق والحريات العامة”.
وهذ المعطى لا يخص المنطقة فحسب بل حتى على المستوى الوطني، فعلاقة الأحزاب بالجمعيات واضحة، خصوصا في المجال الحضري، حيث إن دراسة أكدت أن أغلب الجمعيات مؤطرة سياسيا، فالجمعيات الكبيرة والموكول لها تدبير دور الرعاية وتسيير الفرق الرياضية وتصفية مراكز الدم يسيطر عليها حزب الأصالة والمعاصرة، في حين الجمعيات الحقوقية تسيطر عليها أحزاب اليسار، بينما نجد حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال يسيطرون على جمعيات الأحياء.
انطلاقا مما سبق، لم يعد العمل الجمعوي عملا تطوعيا، وعملا حرا دون مقابل موجه للآخرين ولصالحهم، أو موجه لفئة معينة أو شريحة من الناس على اعتبار أن التطوع والمجانية هي من تعطي للعمل الجمعوي هويته وأصالته على حد تعبير (جيرارد ميسينيل)، فقيم النفعية والفردانية الذاتية التي صاحبت رياح العولمة، قد أثرت على العمل الجمعوي كفعل مؤسس على قيم التطوع من أجل الآخرين مما يعني معه أن الفعل الجمعوي في منطقتنا فعل غائي في غالبيته.
وختاما فإن العمل الجمعوي بمنطقتنا عموما، يعبر في وجوده عن أزمة مزدوجة، أزمة الخصاص التنموي الذي يشعر به منخرطو الجمعيات، والنتائج عن ضعف تدخل الدولة في تلبية بعض الحاجيات التنموية للمنطقة، كالصحة والتعليم الأولي… إلخ. وكذا الفراغ الذي خلفته الجماعة الترابية لعقود في عدم تلبيتها لخدمات القرب التي أوكل المشرع تدبيرها للجماعات الترابية في قوانينها التنظيمية، من ماء صالح للشرب، فك العزلة… إلخ، وبالتالي فهي بنت الأزمة كما يقول بعض الباحثين.
إلا أن الجمعيات كذلك وهي بصدد العمل على تلبية تلك الحاجيات، لم يخل عملها من انحراف عن قيم العمل الجمعوي ومبادئه الأساسية، وذلك نتيجة التأثير بالبيئة المختلفة، وكذا الغايات الأولى لتأسيس الجمعيات من طرف الفاعلين، بالإضافة إلى الخلل المعرفي الذي صاحب هذا العمل الجمعوي، وبالتالي أصبح التفكير في تحديد وصياغة طرق، ومنهجية تدخل الجمعيات في النسق العام في منطقتنا لا محيد عنه، إذا أردنا أن يكون للعمل الجمعوي تأثير في مستواه المطلوب.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.